Ibn al-JawziAl‑Kahf · 18:70–82

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:70–82

18:70–78Page 301

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤

So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."

۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦

[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧

So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨

[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ. وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ (p-١٧١)شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾؛ أيْ: شَقَّها. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ. والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. (p-١٧٢)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ. قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ. وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:

؎ [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها

وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ. والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿زَكِيَّةً﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ. (p-١٧٣)

والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.

والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٦ ]، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ. والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا. و ﴿نُكْرًا﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿إمْرًا﴾؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ "﴾ .

إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟

فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ (p-١٧٤)عِنْدَ الفُصَحاءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ:

؎ قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ

فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿بَعْدَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.

والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.

﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: (p-١٧٥)وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي. فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ. والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] . وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾: يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ. ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا﴾؛ أيْ: حائِطًا. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ (p-١٧٦)جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ. ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.

قَوْل تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٤ ]، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٢١ ]، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ:

؎ إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ

وَقالَ آَخَرُ: (p-١٧٧)

؎ يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ

وَقالَ آَخَرُ:

؎ ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ

وَقالَ آَخَرُ:

؎ يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ]

وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقامَهُ﴾؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.

وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ. والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ. وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿هَذا﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ (p-١٧٨)أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.

18:79–82Page 302

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩

As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.

وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠

And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.

فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١

So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.

وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢

And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ. والثّانِي: في أبْدانِهِمْ. وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿وَكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .

والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ. (p-١٧٩)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) . قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) . ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " . قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَشِينا﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا. وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي. والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. ومَعْنى ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿يُرْهِقَهُما﴾: يُغْشِيَهُما. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا (p-١٨٠)أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً. وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ. ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ

والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: (p-١٨١)

أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.

والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.

والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا (p-١٨٢)يَنالُ مِنَ الأمْوالِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ. فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ. ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَسْطِعْ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.(p-١٨٣)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском