Ibn al-JawziMaryam · 19:22–36

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:22–36

19:22–26Page 306

۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢

So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.

فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣

And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."

فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤

But he1 called her from below her, "Do not grieve; your Lord has provided beneath you a stream.

وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥

And shake toward you the trunk of the palm tree; it will drop upon you ripe, fresh dates.

فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦

So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يَعْنِي: عِيسى.

وَفِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِها لَهُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها، فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ السُّدِّيُّ: نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في صَدْرِها فَحَمَلَتْ مِن وقْتِها.

والثّانِي: الَّذِي خاطَبَها هو الَّذِي حَمَلَتْهُ، ودَخَلَ مِن فِيها، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. (p-٢١٩)

وَفِي مِقْدارِ حَمْلِها سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: أنَّهُ ما طالَ حَمْلُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها وضَعَتْهُ في الحالِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الحَمْلِ والوَضْعِ وقْتًا يَحْتَمِلُ الِانْتِباذَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّها حَمَلَتْهُ تِسْعَ ساعاتٍ ووَضَعَتْ مِن يَوْمِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ثَلاثُ ساعاتٍ، حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ، وصُوِّرَ في ساعَةٍ، ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والخامِسُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، فَعاشَ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ قَطُّ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، فَكانَ في هَذا آَيَةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: في سِتَّةِ أشْهُرٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: في ساعَةٍ واحِدَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالحَمْلِ، ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾؛ أيْ: بَعِيدًا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( قاصِيًا ) . قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَشَتْ سِتَّةَ أمْيالٍ. قالَ الفَرّاءُ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ غَيْرُ الفَرّاءِ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والشّاهِدِ. وإنَّما بَعُدَتْ فِرارًا مِن قَوْمِها أنْ يُعَيِّرُوها بِوِلادَتِها مِن غَيْرِ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( المِخاضُ ) بِكَسْرِ المِيمِ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَجاءَ بِها المَخاضُ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ، جُعِلَتْ في الفِعْلِ ألِفًا، ومِثْلُهُ: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ [ الكَهْفِ: ٦٣ ]؛ أيْ: (p-٢٢٠)بِغَدائِنا، ومِثْلُهُ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [ الكَهْفِ: ٩٦ ]؛ أيْ: بِزُبَرِ الحَدِيدِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْعَلُها مِن جاءَتْ هِيَ، وأجاءَها غَيْرُها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: جاءَ بِها وألْجَأها، وهو مِن حَيْثُ يُقالَ: جاءَتْ بِيَ الحاجَةُ إلَيْكَ، وأجاءَتْنِي الحاجَةُ إلَيْكَ. والمَخاضُ: الحَمْلُ. وقالَ غَيْرُهُ: المَخاضُ: وجَعُ الوِلادَةِ. ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وهو ساقُ النَّخْلَةِ، وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً في الصَّحْراءِ، لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا سَعَفٌ. ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ اليَوْمِ أوْ هَذا الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: ( مِتُّ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

وَفِي سَبَبِ قَوْلِها هَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها قالَتْهُ حَياءً مِنَ النّاسِ. والثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُوا بِقَذْفِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ. قالَ الفَرّاءُ: وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ، وسائِرُ العَرَبِ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ: الجِسْرِ والجَسْرِ، والوِتْرِ والوَتْرُ، والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ عَلى اللُّغَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن كَسَرَ النُّونَ قالَ: النَّسْيُ: اسْمٌ لِما يُنْسى، بِمَنزِلَةِ البُغْضِ اسْمٌ لِما يُبْغَضُ، والسَّبُّ اسْمٌ لِما يُسَبُّ، والنَّسْيُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِما يُنْسى أيْضًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نابَ عَنِ الِاسْمِ، كَما يُقالَ: الرَّجُلُ دَنِفٌ ودَنَفٌ، فالمَكْسُورُ هو الوَصْفُ الصَّحِيحُ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ سَدَّ مَسَدَّ الوَصْفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّسْيُ والنِّسْيُ اسْمَيْنِ لِمَعْنًى، كَما يُقالَ: الرِّطْلُ والرَّطْلُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: (p-٢٢١)

أحَدُها: يا لَيْتَنِي لَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾؛ أيْ: دَمُ حَيْضَةٍ مُلْقاةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ. قالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ: ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خَرْقِ اعْتِلالِها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي خِرَقُ الحَيْضِ تُلْقِيها المَرْأةُ، فَلا تَطْلُبُها ولا تَذْكُرُها.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ مِنَ ] السَّقْطِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي لا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْءُ التّافِهُ يَرْتَحِلُ عَنْهُ القَوْمُ، فَيَهُونُ عَلَيْهِمْ فَلا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: النَّسْيُ والمَنسِيُّ: ما يُنْسى مِن إداوَةٍ وعَصًا، يَعْنِي: أنَّهُ يُنْسى في المَنزِلِ، فَلا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِاحْتِقارِ صاحِبِهِ إيّاهُ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْتَنِي كُنْتُ ما إذا ذُكِرَ لَمْ يُطْلَبْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِفَتْحِ المِيمِ والتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِكَسْرِ المِيمِ والتّاءِ. فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ناداها المَلِكُ مِن تَحْتِ النَّخْلَةِ. وقِيلَ: كانَتْ عَلى نَشَزٍ، فَناداها المَلِكُ أسْفَلَ مِنها. والثّانِي: ناداها عِيسى لَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما رَفَعْتَ إلَيْهِ طَرَفَكَ فَهو فَوْقَكَ، وكُلُّ ما خَفَضْتَ إلَيْهِ طَرْفَكَ فَهو تَحْتَكَ. ومَن قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ فَفِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ. وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: ما خاطَبَها إلّا المَلِكُ عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

(p-٢٢٢)أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيُّونَ، قالَ أبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: هو الجَدْوَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِيسى، كانَ سَرِيًّا مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، [ وابْنُ زَيْدٍ ] . قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ رَجَعَ الحَسَنُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولَوْ كانَ وصْفًا لِعِيسى، كانَ غُلامًا سَرِيًّا أوْ سَوِيًّا مِنَ الغِلْمانِ، وقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ عِنْدَكَ نَبِيلًا، حَتّى يَقُولُوا: رَجُلًا نَبِيلًا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ناسَبَ تَسْلِيَتَها أنْ قِيلَ: لا تَحْزَنِي، فَهَذا نَهْرٌ يَجْرِي ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزِنَتْ لِجَدْبِ مَكانِها الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ، وعَدَمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والماءِ الَّذِي تَتَطَهَّرُ بِهِ، فَقِيلَ: لا تَحْزَنِي قَدْ أجْرَيْنا لَكَ نَهَرًا، وأطْلَعْنا لَكِ رُطَبًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها حَزِنَتْ لِما جَرى عَلَيْها مِن وِلادَةِ ولَدٍ عَنْ غَيْرِ زَوْجٍ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لَها نَهْرًا، فَجاءَها مِنَ الأُرْدُنِ، وأخْرَجَ لَها الرُّطَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ، فَكانَ ذَلِكَ آَيَةً تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ عِيسى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ﴾ الهَزُّ: التَّحْرِيكُ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ [ الحَجِّ: ١٥ ]، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَلْيَمْدُدْ سَبَبًا. والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، وخُذِ الخِطامَ وخُذْ بِالخِطامِ، وتَعَلَّقَ زَيْدًا وتَعَلَّقَ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ

(p-٢٢٣)والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ عَلى الجِذْعِ لِتُلْصِقَهُ بِالهَزِّ، فَهي مُفِيدَةٌ لِلْإلْصاقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُساقِطْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والسَّكّائِي، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَسّاقَطْ ) بِالتّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وعَبْدُ الوارِثِ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفَةَ السِّينِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تُساقِطْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُخَفَّفَةَ السِّينِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: ( يَسّاقَطُ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً وتَشْدِيدِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، فَهَذِهِ القِراءاتُ المَشاهِيرُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ( تَسْقُطُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعائِشَةُ، والحَسَنُ: ( يُساقِطْ ) بِألِفٍ وتَخْفِيفِ السِّينِ ورَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ( يُسْقِطْ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ مَعَ سُكُونِ السِّينِ وعَدَمِ الألِفِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثَلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وابْنُ يَعْمُرَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالنُّونِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَسْقُطْ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً مَعَ سُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ وابْنُ حِزامٍ: ( تَتَساقَطُ ) بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وبِألِفٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ )، فالمَعْنى: يَتَساقَطْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ. ومَن قَرَأُ: ( تَسّاقَطْ ) فَكَذَلِكَ أيْضًا، وأنَّثَ لِأنَّ لَفْظَ النَّخْلَةِ يُؤَنَّثُ. ومَن قَرَأ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ والتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ حَذَفَ مِن ( تَتَساقَطُ ) اجْتِماعَ التّاءَيْنِ. ومَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ ) ذَهَبَ إلى مَعْنى: يَسّاقَطِ الجِذْعُ عَلَيْكَ. ومَن قَرَأ: ( نُساقِطْ ) بِالنُّونِ، فالمَعْنى: نَحْنُ نُساقِطْ عَلَيْكَ، فَنَجْعَلُهُ لَكَ آَيَةً. والنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونُ: (p-٢٢٤)إنَّ ﴿رُطَبًا﴾ مَنصُوبُ عَلى التَّمْيِيزِ إذا قُلْتَ: يَسّاقَطْ أوْ يَتَساقَطْ، المَعْنى: يَتَساقَطُ الجَزَعُ رُطَبًا. وإذا قُلْتَ: تَسّاقَطْ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: تَتَساقَطُ النَّخْلَةُ رُطَبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنِيًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ: المُجْتَنى. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الطَّرِيُّ، والأصْلُ: مُجْنُو، صُرِفَ مِن مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما يُقالَ: قَدِيدٌ وطَبِيخٌ. وقالَ غَيْرُهُ: هو الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ. ولَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ رَأْسٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا وضَعَتْ يَدَها عَلَيْها، سَقَطَ الرُّطَبُ رَطْبًا. وكانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ لِلنُّفَساءِ الرُّطَبَ مِن أجْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ، ﴿واشْرَبِي﴾ مِنَ النَّهْرِ، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالَ: قَرِرَتْ بِهِ عَيْنًا أقَرَّ، بِفَتْحِ القافِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَّرَتْ في المَكانِ أقَرَّ، بِكَسْرِ القافِ، " وعَيْنًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾: ولِتَبْرَدْ دَمْعَتُكِ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ. واشْتِقاقُ " قَرِّي " مِنَ القُرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ. وقالَ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: تَفْسِيرُ " قَرِّي عَيْنًا ": بَلَغْتَ غايَةَ أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ الِاسْتِشْرافِ إلى غَيْرِهِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمْرٍو بْنِ كُلْثُومٍ:

؎ بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْبًا وطَعْنًا ∗∗∗ أقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العَيُونا

أيْ: ظَفِرُوا وبَلَغُوا مُنْتَهى أُمْنِيَّتِهِمْ، فَقَرَّتْ عَيْنُهم مِن تَطَلُّعٍ إلى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( تَرَئِنَّ ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ أيْ: إنْ رَأيْتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَألَكَ عَنْ أمْرِ ولَدَكِ. ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: (p-٢٢٥)

أحَدُهُما: صَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والضَّحّاكُ، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ: ( صَمْتًا ) مَكانَ قَوْلِهِ: " صَوْمًا " . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( صِيامًا ) .

والثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ المُجْتَهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَصُومُ عَنِ الكَلامِ كَما يَصُومُ عَنِ الطَّعامِ، إلّا مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ السُّدِّيُّ: فَأذِنَ لَها أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا القَدْرِ ثُمَّ تَسْكُتُ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرَتْ بِالصَّمْتِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَها حُجَّةٌ عِنْدَ النّاسِ، فَأمَرَتْ بِالكَفِّ عَنِ الكَلامِ لِيَكْفِيَها الكَلامَ ولَدُها مِمّا يُبَرِّئُ بِها ساحَتَها. وقِيلَ: كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ ولا تُكَلِّمُ الإنْسَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الصَّوْمُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ، يُقالَ: صَوْمٌ لِتَرْكِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وصَوْمٌ لِلصَّمْتِ، وصَوْمٌ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ، وصَوْمٌ لِذَرْقِ النَّعامِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مِقْدارِ سِنِّ مَرْيَمَ يَوْمَ وِلادَتِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ولَدَتْ وهي بِنْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: بَنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.

19:27–33Page 307

فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧

Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.

يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨

O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: أتَتْهم بِهِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا حِينَ طَهُرَتْ مِن نِفاسِها. وقالَ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: انْطَلَقَ قَوْمُها يَطْلُبُونَها، فَلَمّا رَأتْهم حَمَلَتْ عِيسى فَتَلَقَّتْهم بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: " أتَتْ بِهِ " يُغْنِي عَنْ ﴿تَحْمِلُهُ﴾، فَلا فائِدَةَ لِلتَّكْرِيرِ.

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مِنهُ آَياتٌ، جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ ﴿فَأتَتْ بِهِ﴾ أنْ يَكُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، فَيَكُونُ سَعْيُهُ آَيَةً كَنُطْقِهِ، فَقَطَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، وأعْلَمَ أنَّهُ كَسائِرِ الأطْفالِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ بِعَيْنِي، فَنَفَوْا بِذَلِكَ نَظَرَ العَطْفِ والرَّحْمَةِ، وأثْبَتُوا [ أنَّهُ ] نَظَرُ عَيْنٍ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: لَمّا دَخَلَتْ عَلى قَوْمِها بَكَوْا، وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ، و ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: شَيْئًا عَظِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قالَ الفَرّاءُ: الفَرْيُ: العَظِيمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُهُ يَفْرِي الفَرْيَ: إذا عَمِلَ فَأجادَ العَمَلَ، فَفَضَلَ النّاسُ قِيلَ هَذا فِيهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «فَما رَأيْتُ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَ عُمَرَ» " .

والثّانِي: عَجَبًا فائِقًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: شَيْئًا مَصْنُوعًا، ومِنهُ يُقالَ: فَرَيْتُ الكَذِبَ وافْتَرَيْتُهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ. (p-٢٢٧)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ في المُرادِ بِهارُونَ هَذا خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ أخٌ لَها مِن أُمِّها، وكانَ مَن أمْثَلِ فَتًى في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ مِن أبِيها وأُمِّها.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ لِأنَّها مَن ولَدِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَشَبَّهُوها بِهِ في الصَّلاحِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما «رَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: ألَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ؟ فَلَمْ أدْرِ ما أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: " ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم "» .

والرّابِعُ: أنَّ قَوْمَ هارُونَ كانَ فِيهِمْ فُسّاقٌ وزُناةٌ، فَنَسَبُوها إلَيْهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَجُلٌ مِن فُسّاقِ بَنِي إسْرائِيلَ شَبَّهُوها بِهِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. (p-٢٢٨)

فَعَلى هَذا يَخْرُجُ في مَعْنى ( الأُخْتِ ) قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها الأُخْتُ حَقِيقَةً. والثّانِي: المُشابَهَةُ لا المُناسَبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ [ الزُّخْرُفِ: ٤٨ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ﴾ يَعْنُونَ: عِمْرانَ، ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾؛ أيْ: زانِيًا، ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ﴾ حِنَّةً، ﴿بَغِيًّا﴾؛ أيْ: زانِيَةً، فَمِن أيْنَ لَكِ هَذا الوَلَدُ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ﴾؛ أيْ: أوْمَأتْ، ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أشارَتْ إلَيْهِ أنْ كَلِّمُوهُ، وكانَ عِيسى قَدْ كَلَّمَها حِينَ أتَتْ قَوْمَها، وقالَ: يا أُمّاهُ أبْشِرِي فَإنِّي عَبْدُ اللَّهِ ومَسِيحُهُ، فَلَمّا أشارَتْ أنْ كَلِّمُوهُ تَعْجَّبُوا مِن ذَلِكَ، و ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، فالمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ ؟

والثّانِي: أنَّها في مَعْنى وقَعَ وحَدَثَ.

والثّالِثُ: أنَّها في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: مَن يَكُنْ في المَهْدِ صَبِيًّا، فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ ؟ حَكاها الزَّجّاجُ، واخْتارَ الأخِيرُ مِنها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ: كَيْفَ أعِظُ مَن كانَ لا يَقْبَلُ مَوْعِظَتِي؛ أيْ: مَن يَكُنْ لا يَقْبَلُ، والماضِي يَكُونُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ في الجَزاءِ.

والرّابِعُ: أنْ " كانَ " بِمَعْنى صارَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفِي المُرادِ بِالمَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَجْرُها، قالَهُ نَوْفُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ. والثّانِي: سَرِيرُ الصَّبِيِّ المَعْرُوفِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ أيْضًا.

قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهُمْ، لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ تَرَكَ الرَّضاعَ وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ.﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ لِيُبْطِلَ قَوْلَ مَنِ ادَّعى فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ. (p-٢٢٩)

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أسْكَنَ هَذِهِ الياءَ حَمْزَةُ. وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ آَتاهُ الكِتابَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عُلِّمَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ.

والثّانِي: قَضى أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي ﴿الكِتابَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ. والثّانِي: الإنْجِيلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ هَذا وما بَعْدَهُ إخْبارٌ عَمّا قَضى اللَّهُ لَهُ، وحَكَمَ لَهُ بِهِ ومَنَحَهُ إيّاهُ مِمّا سَيَظْهَرُ ويَكُونُ. وقِيلَ: المَعْنى: يُؤْتِينِي الكَتابَ ويَجْعَلُنِي نَبِيًّا إذا بَلَغْتُ، فَحَلَّ الماضِي مَحَلَّ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [ المائِدَةِ: ١١٦ ] .

وَفِي وقْتِ تَكْلِيمِهِ لَهم قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كَلَّمَهم بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا. والثّانِي: في يَوْمِهِ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الزَّمانِ الَّذِي غابَتْ عَنْهم فِيهِ مَرْيَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في هَذِهِ الآَيَةِ، قالَ: " نَفّاعًا حَيْثُما تَوَجَّهْتُ» " . وقالَ مُجاهِدٌ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ.

وَفِي المُرادِ بِـ " الزَّكاةِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: الطَّهارَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. (p-٢٣٠)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ: ( بِوالِدِي ) عَلِمُوا أنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ بَشَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا﴾؛ أيْ: مُتَعَظِّمًا، ﴿شَقِيًّا﴾ عاصِيًا لِرَبِّهِ، ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: السَّلامَةُ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدْتُ حَتّى لَمْ يَضُرَّنِي شَيْطانٌ. وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الآَيَةِ [ مَرْيَمَ: ١٥ ] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ هاهُنا " السَّلامَ " بِألِفٍ ولامٍ، وذَكَرَهُ في قِصَّةِ يَحْيى بِلا ألِفٍ ولامٍ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ السَّلامِ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، كانَ الأحْسَنُ أنْ يَرِدَ ثانِيَةً بِألِفٍ ولامٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ هَذا وهو قَوْلُ عِيسى، عَلى الأوَّلِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

وَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: عِيسى إنَّما يَتَعَلَّمُ مِن رَبِّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ في يَحْيى، فَبَنى عَلَيْهِ وألْصَقَهُ بِنَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَرَفَ السَّلامَ الثّانِيَ؛ لِأنَّهُ أتى بَعْدَ سَلامٍ قَدْ ذَكَرَهُ، وأجْراهُ عَلَيْهِ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ إتْباعَ اللَّفْظِ المَحْكِيِّ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ لَهُ أنْ يُغَيِّرَ بَعْضَ الكَلامِ الَّذِي يَحْكِيهِ، فَيَقُولُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: أنا رَجُلٌ مُنْصِفٌ، يُرِيدُ: قالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أنْتَ رَجُلٌ مُنْصِفٌ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ سَلامًا والسَّلامُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

19:34–36Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

(p-٢٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، هو ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُ النَّصارى: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وإنَّهُ إلَهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قَوْلُ الحَقِّ ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " قَوْلُ الحَقِّ " فالمَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، يَعْنِي: هَذا الكَلامَ، ومَن نَصَبَ فالمَعْنى: أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الآَيَةِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وصَفَ بِالكَلِمَةِ جازَ أنْ يَنْعِتَ بِالقَوْلِ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ نَبَأُ عِيسى، ذَلِكَ النَّبَأُ قَوْلُ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَشُكُّونَ. قالَ قَتادَةُ: أمْتَرَتِ اليَهُودُ فِيهِ والنَّصارى، فَزَعَمَ اليَهُودُ أنَّهُ ساحِرٌ، وزَعَمَ النَّصارى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وثالِثُ ثَلاثَةٍ. قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَمْتَرُونَ ) بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا. و " مِن " مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ؛ لِأنَّ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ فَرَسًا، يُرِيدُ: اتَّخَذْتُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: (p-٢٣٢)ما اتَّخَذْتُ فَرَسَيْنِ ولا أكْثَرَ، يُرِيدُ: اتَّخَذْتُ فَرَسًا واحِدًا، فَإذا قالَ: ما اتَّخَذْتُ مِن فَرَسٍ، فَقَدْ دَلَّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( فَيَكُونُ ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ في ( البَقَرَةِ: ١١٧ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ اللَّهَ ) بِنَصْبِ الألِفٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ اللَّهَ ) بِكَسْرِ الألِفِ. وهَذا مِن قَوْلِ عِيسى، فَمَن فَتَحَ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ وبِأنَّ اللَّهَ رَبِّي، ومَن كَسَرَ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском