Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:37–57
19:37–40Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: " مِن " زائِدَةٌ، والمَعْنى: اخْتَلَفُوا بَيْنَهم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَمَسَّكَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ، كانَ اخْتِلافُ الأحْزابِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ.
وَفِي " الأحْزابِ " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَكانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى تَدَّعِي فِيهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
(p-٢٣٣)والثّانِي: أنَّهم فِرَقُ النَّصارى، قالَ بَعْضُهُمْ: هو اللَّهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: ابْنُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِقَوْلِهِمْ في المَسِيحِ، ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: مِن حُضُورِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلْجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، فالمَعْنى: ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ القِيامَةِ، سَمِعُوا وأبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا مِن أمْرِ اللَّهِ ما لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى نَظَرٍ وفِكْرٍ، فَعَلِمُوا الهُدى وأطاعُوا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أسْمِعْ بِحَدِيثِهِمُ اليَوْمَ وأبْصِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمْ ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ والكُفّارِ، ﴿اليَوْمَ﴾ يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهُمْ﴾؛ أيْ: خَوِّفْ كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، يَتَحَسَّرُ المُسِيءُ إذْ لَمْ يُحْسِنْ، والمُقَصِّرُ إذْ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الخَيْرِ.
وَمُوجِباتُ الحَسْرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمِن ذَلِكَ ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، وقِيلَ: يا أهْلَ النّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ (p-٢٣٤)فَيَقُولُونُ: هَذا المَوْتُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ "» .
قالَ المُفَسِّرُونُ: فَهَذِهِ هي الحَسْرَةُ إذا ذُبِحَ المَوْتُ، فَلَوْ ماتَ أحَدٌ فَرِحا ماتَ أهْلُ الجَنَّةِ، ولَوْ ماتَ أحَدٌ حُزْنًا ماتَ أهْلُ النّارِ.
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رَوى عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِناسٍ إلى الجَنَّةِ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها، واسْتَنْشَقُوا رِيحَها، ونَظَرُوا إلى قُصُورِها، نُودُوا: أنِ اصْرِفُوهم عَنْها، لا نُصِيبُ لَهم فِيها، فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ بِمِثْلِها، فَيَقُولُونُ: يا رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا، قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ، وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينِ، تُراؤُونَ النّاسَ بِخِلافِ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي، وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي، تَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتْرُكُوا لِي، فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ مَعَ ما حَرَمْتُكم مِنَ الثَّوابِ» " .
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وهي تَنْظُرُ إلى بَيْتٍ في الجَنَّةِ وبَيْتٍ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ - يَعْنِي: لِهَؤُلاءِ -: لَوْ عَمِلْتُمْ، ولِأهْلِ الجَنَّةِ: لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم. (p-٢٣٥)
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ قَطْعُ الرَّجاءَ عِنْدَ إطْباقِ النّارِ عَلى أهْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " قُضِيَ " في اللُّغَةِ بِمَعْنى: أُتْقِنَ وأُحْكِمَ، وإنَّما سُمِّيَ الحاكِمُ قاضِيًا لِإتْقانِهِ وإحْكامِهِ ما يُنَفِّذُ. وفي الآَيَةِ اخْتِصارٌ، والمَعْنى: إذْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الأمْرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُضِيَ العَذابُ لَهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾؛ أيْ: هم في الدُّنْيا في غَفْلَةٍ عَمّا يُصْنَعُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، ﴿وَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِما يَكُونُ في الآَخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾؛ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَنَرِثُها، ﴿وَمَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في " نَحْنُ " وقَدْ كَفَتْ عَنْها " إنّا " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا جازَ في قَوْلِ المُعَظِّمِ: ( إنّا نَفْعَلُ )، أنْ يُوهِمَ أنَّ أتْباعَهُ فَعَلُوا، أبانَتْ " نَحْنُ " بِأنَّ الفِعْلَ مُضافٌ إلَيْهِ حَقِيقَةً.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿وَمَن عَلَيْها﴾، وهو يَرِثُ الآَدَمِيِّينَ وغَيْرِهِمْ ؟
فالجَوابُ: أنَّ " مَن " تَخْتَصُّ أهْلَ التَّمْيِيزِ، وغَيْرَ المُمَيِّزِينَ يَدْخُلُونَ في مَعْنى الأرْضِ ويُجْرُونَ مَجْراها، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ عَنِ السُّؤالَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
19:41–50Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾؛ أيِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ قِصَّتَهُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الصَّدِيقِ في [ النِّساءِ: ٦٩ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكَ ضُرًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ﴾ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةِ ﴿ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: لا تُطِعْهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " كانَ " آَنِفًا. و " عَصِيًّا "؛ أيْ: عاصِيًا، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٌ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في الآَخِرَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: في الدُّنْيا. ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِينًا في عَذابِ اللَّهِ، فَجَرْتِ المُقارَنَةُ مَجْرى المُوالاةِ. وقِيلَ: إنَّما طَمِعَ إبْراهِيمُ في إيمانِ أبِيهِ؛ لِأنَّهُ (p-٢٣٧)حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ قالَ لَهُ: نِعْمَ الإلَهُ إلَهُكَ يا إبْراهِيمُ، فَحِينَئِذٍ أقْبَلَ يَعِظُهُ، فَأجابَهُ أبُوهُ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾؛ أيْ: أتارِكٌ عِبادَتَها أنْتَ ؟ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ عَيْبِها وشَتْمِها، ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: بِالشَّتْمِ والقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِالحِجارَةِ حَتّى تَتَباعَدَ عَنِّي، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اهْجُرْنِي طَوِيلًا، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والفَرّاءُ، والأكْثَرُونَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا، ومِنهُ يُقالُ: تَمَلَّيْتُ حَبِيبَكَ.
والثّانِي: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ عُقُوبَتِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ من قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيٌّ بِكَذا وكَذا: إذا كانَ مُضْطَلِعًا بِهِ، فالمَعْنى: اهْجُرْنِي وعِرْضُكَ وافِرُ، وأنْتَ سَلِيمٌ مِن أذايَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: سَلِمْتَ مِن أنْ أُصِيبَكَ بِمَكْرُوهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ عَلى كُفْرِهِ، ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: سَأسْألُ اللَّهَ لَكَ تَوْبَةً تَنالُ بِها مَغْفِرَتَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهُ الِاسْتِغْفارَ، وهو لا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ في حَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٢٣٨)
أحَدُها: لَطِيفًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: رَحِيمًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بارًّا عَوَّدَنِي مِنهُ الإجابَةَ إذا دَعَوْتُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْتَزِلُكُمْ﴾؛ أيْ: وأتَنَحّى عَنْكُمْ، وأعْتَزِلُ " ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ " يَعْنِي: الأصْنامَ.
وَفِي مَعْنى " تَدْعُونَ " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَعْبُدُونَ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وما تَدْعُونَهُ رَبًّا، ﴿وَأدْعُو رَبِّي﴾؛ أيْ: وأعْبُدُهُ، ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾؛ أيْ: أرْجُو أنْ لا أشْقى بِعِبادَتِهِ كَما شَقِيتُمْ أنْتُمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّها لا تَنْفَعُهم ولا تُجِيبُ دُعاءَهم. ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: هاجَرَ عَنْهم إلى أرْضِ الشّامِ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَآَنَسَ اللَّهُ وحْشَتَهُ عَنْ فِراقِ قَوْمِهِ بِأوْلادٍ كِرامٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وإنَّما وهَبَ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ بَعْدَ إسْماعِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا﴾؛ أيْ: وكُلًّا مِن هَذَيْنَ. وقالَ مُقاتِلٌ: " وكُلًّا " يَعْنِي: إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، " جَعَلْناهُ نَبِيًّا " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: المالُ والوَلَدُ، والعِلْمُ والعَمَلُ، ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ذِكْرًا حَسَنًا في النّاسِ مُرْتَفِعًا، فَجَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللِّسانَ مَكانَ القَوْلِ؛ لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِاللِّسانِ.(p-٢٣٩)
19:51–53Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( مُخْلِصًا ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( المُخْلِصُ ) بِكَسْرِ اللّامِ: الَّذِي وحَّدَ اللَّهَ وجَعَلَ نَفْسَهُ خالِصَةً في طاعَةِ اللَّهِ غَيْرَ دَنَسِهِ، و( المُخْلَصُ ) بِفَتْحِ اللّامِ: الَّذِي أخْلَصَهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ مُخْتارًا خالِصًا مِنَ الدَّنَسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ رَسُولا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أعادَ " كانَ " لِتَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ المَذْكُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ﴾؛ أيْ: مِن ناحِيَةِ الطُّورِ، وهو جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ اسْمُهُ زُبَيْرُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: [ إنَّما ] خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في لُغَتِهِمْ، ومِن كَلامِهِمْ: عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ وشَمالِها، يَعْنُونُ: مِمّا يَلِي يَمِينَ المُسْتَقْبَلِ لَها وشَمالَهُ، فَنَقَلُوا الوَصْفَ إلى ذَلِكَ اتِّساعًا عِنْدَ انْكِشافِ المَعْنى؛ لِأنَّ الوادِيَ لا يَدَ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ يَمِينٌ. وقالَ المُفَسِّرُونُ: جاءَ النِّداءُ عَنْ يَمِينِ مُوسى؛ فَلِهَذا قالَ: " الأيْمَنَ "، ولَمْ يَرِدْ بِهِ يَمِينُ الجَبَلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مُناجِيًا، فَعَبَّرَ (p-٢٤٠)( فَعِيلَ ) عَنْ ( مُفاعِلِ )، كَما قالُوا: فُلانٌ خَلِيطِي وعَشِيرِي، يَعْنُونُ: مُخالِطِي ومُعاشِرِي. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْناهُ﴾، قالَ: حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ حِينَ كَتَبَ لَهُ في الألْواحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾؛ أيْ: مِن نِعْمَتِنا عَلَيْهِ إذْ أجَبْنا دُعاءَهُ حِينَ سَألَ أنْ نَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ وزِيرًا لَهُ.
19:54–57Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧
And We raised him to a high station.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ هَذا عامٌّ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعِدْ رَبُّهُ بِوَعْدٍ قَطُّ إلّا وفى لَهُ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ بِصِدْقِ الوَعْدِ إسْماعِيلَ، ولَيْسَ في الأنْبِياءِ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إسْماعِيلَ عانى [ في الوَفاءِ ] بِالوَعْدِ ما لَمْ يُعانِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِيعادٌ، فَأقامَ يَنْتَظِرُهُ مُدَّةً فِيها لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أقامَ حَوْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ يَوْمًا، قالَهُ الرُّقاشِيُّ. والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ رَسُولا﴾ إلى قَوْمِهِ، وهم جُرْهم. ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: قَوْمَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُهُ: جَمِيعُ أُمَّتِهِ. فَأمّا الصَّلاةُ والزَّكاةُ فَهُما العِبادَتانِ المَعْرُوفَتانِ. (p-٢٤١)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في حَدِيثِ المِعْراجِ: أنَّهُ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ،» وبِهَذا قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في الجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي سَبَبِ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُصْعَدُ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما يُصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آَدَمَ، فَأحَبَّهُ مَلَكُ المَوْتِ، فاسْتَأْذَنَ اللَّهَ في خُلَّتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَهَبَطَ إلَيْهِ في صُورَةِ آَدَمِيٍّ، (p-٢٤٢)وَكانَ يَصْحَبُهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: إنِّي أسْألُكَ حاجَةً، قالَ: ما هي ؟ قالَ: تُذِيقُنِي المَوْتَ، فَلَعَلِّيَ أعْلَمُ ما شِدَّتُهُ، فَأكُونُ لَهُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اقْبِضْ رُوحَهُ ساعَةً ثُمَّ أرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟ قالَ: كانَ أشَدَّ مِمّا بَلَغَنِي عَنْهُ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي النّارَ. قالَ: فَحَمَلَهُ فَأراهُ إيّاها، قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي الجَنَّةَ، فَأراهُ إيّاها، فَلَمّا دَخَلَها طافَ فِيها، قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَكَمَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ما تَقُولُ يا مَلَكَ المَوْتِ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ ما جَرى، فَقالَ: ما تَقُولُ يا إدْرِيسُ ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٥ ] وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [ مَرْيَمَ: ٧١ ] وقَدْ ورَدْتُها، وقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٨ ]؛ فَواللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هاتِفًا مِن فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإذْنِي دَخَلَ وبِأمْرِي فَعَلَ، فَخَلَّ سَبِيلَهُ، هَذا مَعْنى ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ .
فَإنْ سَألَ سائِلٌ فَقالَ: مِن أيْنَ لِإدْرِيسَ هَذِهِ الآَياتِ وهي في كِتابِنا ؟ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ إدْرِيسَ بِما ذَكَرَ في القُرْآَنِ مِن وُجُوبِ الوُرُودِ، وامْتِناعِ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَهُ بِعِلْمٍ.
والثّانِي: أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَهْبِطَ إلى إدْرِيسَ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ إدْرِيسُ قالَ: هَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ قَرابَةٌ ؟ قالَ: ذاكَ أخِي مِنَ المَلائِكَةِ. قالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ المَوْتِ ؟ قالَ: سَأُكَلِّمُهُ فِيكَ (p-٢٤٣)فَيَرْفُقُ بِكَ، ارْكَبْ بَبْنَ جَناحِي، فَرَكِبَ إدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَلَقِيَ مَلَكَ المَوْتِ، فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةً. قالَ: أعْلَمُ ما حاجَتُكَ، تُكَلِّمُنِي في إدْرِيسَ، وقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِن الصَّحِيفَةِ، ولَمْ يَبْقَ مِن أجْلِهِ إلّا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟ فَماتَ إدْرِيسُ بَيْنَ جَناحَيِ المَلَكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ إدْرِيسَ في السَّماءِ السّادِسَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ إدْرِيسَ مَشى يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَهُ وهَجُها، فَقالَ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ ثِقَلَها عَمَّنْ يَحْمِلُها، يَعْنِي بِهِ: المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالشَّمْسِ، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ، فَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ. فَقالَ: يا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنَنا خُلَّةً، فَأذِنَ لَهُ، [ فَأتاهُ ]، فَكانَ مِمّا قالَ لَهُ إدْرِيسُ: اشْفَعْ لِي إلى مَلَكِ المَوْتِ لِيُؤَخِّرَ أجَلِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إذا جاءَ أجْلُها، ولَكِنْ أُكَلِّمُهُ فِيكَ، فَما كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدٍ مِن بَنِي آَدَمَ فَعَلَ بِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُ المَلَكُ عَلى جَناحِهِ فَرَفْعَهُ إلى السَّماءِ، فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةَ صَدِيقٍ لِي مِن بَنِي آَدَمَ تَشْفَعُ بِي إلَيْكَ لِتُؤَخِّرَ أجْلَهُ، قالَ: لَيْسَ ذاكَ إلَيَّ، ولَكِنْ إنْ أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ مَتى يَمُوتُ، فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، ولا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَقالَ: إنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَما أراكَ تَجِدُهُ إلّا مَيِّتًا، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجْلِهِ شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَرَآَهُ مَيِّتًا. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ في آَخَرِينَ، فَهَذا القَوْلُ والَّذِي قَبْلَهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ.(p-٢٤٤)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences