Ibn al-JawziAl‑Baqarah · 2:115–129

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:115–129

2:115Page 18

وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥

And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ .

فِي نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في غَزْوَةٍ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ يَعْرِفُوا القِبْلَةَ، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَسْجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وصَلّى، فَلَمّا أصْبَحُوا إذا هم عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ.» رَواهُ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ بِالنّافِلَةِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [ غافِرِ: ٦٠ ] قالُوا إلى أيْنَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ، وأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ؛ قالُوا إنَّهُ كانَ لا يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَثَمَّ اللَّهُ يُرِيدُ: عِلْمَهُ مَعَكم أيْنَ كُنْتُمْ، (p-١٣٥)وَهُوَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ. والواسِعُ: الَّذِي وسِعَ غِناهُ مَفاقِرَ عِبادِهِ، ورَزَقَهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ. والسِّعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الغِنى.

فَصْلٌ

وَهَذِهِ الآَيَةُ مُسْتَعْمَلَةُ الحُكْمِ في المُجْتَهِدِ إذا صَلّى إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، وفي صَلاةِ المُتَطَوِّعِ عَلى الرّاحِلَةِ، والخائِفِ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِها، فَقالُوا: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ؛ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤٤ ] .

وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: ولَيْسَ في القُرْآَنِ أمْرٌ خاصٌّ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ صَرِيحًا بِالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهاتِ كُلِّها سَواءٌ في جَوازِ التَّوَجُّهِ إلَيْها، فَإذا ثَبَتَ هَذا؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ وجَبَ التَّوَجُّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقُرْآَنِ.

2:116Page 18

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦

They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ إذْ جَعَلُوا عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها في النَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّ النَّصارى قالَتْ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا القُنُوتُ؛ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو في اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: القِيامُ. والثّانِي: الطّاعَةُ. والمَشْهُورُ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ القُنُوتَ: الدُّعاءُ في القِيامِ، فالقانِتُ: القائِمُ بِأمْرِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ في جَمِيعِ الطّاعاتِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قِيامٌ عَلى الرِّجْلَيْنِ؛ فَهو قِيامٌ بِالنِّيَّةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أرى أصْلَ القُنُوتِ (p-١٣٦)إلّا الطّاعَةَ، لِأنَّ جَمِيعَ الخِلال مِنَ الصَّلاةِ، والقِيامِ فِيها والدُّعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ عَنْها.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالقُنُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ الإقْرارُ بِالعِبادَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: القِيامُ، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

وَفِي مَعْنى القِيامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامُ لَهُ بِالشَّهادَةِ بِالعُبُودِيَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَمَّ بِهَذا القَوْلِ وكَثِيرٌ مِنَ الخَلْقِ لَيْسَ لَهُ بِمُطِيعٍ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ ظاهِرُها ظاهِرَ العُمُومِ، ومَعْناها مَعْنى الخُصُوصِ. والمَعْنى: كُلُّ أهْلِ الطّاعَةِ لَهُ قانِتُونَ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ تَسْجُدُ ظِلالُهم لِلَّهِ بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ، فَنُسِبَ القُنُوتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ. والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ قانِتٍ هَلْ بِأثَرِ صُنْعِهِ فِيهِ، وجَرْيِ أحْكامِهِ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى ذُلِّهِ لِلرَّبِّ. ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

2:117Page 18

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾

البَدِيعُ: المُبْدِعُ، وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ: أبْدَعْتَ. قالَ الخَطّابِيُّ: البَدِيعُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى: مُفْعِلٍ، ومَعْناهُ: أنَّهُ فَطَرَ الخَلَقَ مُخْتَرِعًا لَهُ لا عَلى مِثالٍ سَبَقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى القَضاءِ: الإرادَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: إذا قَضى أمْرًا في عِلْمِهِ، فَإنَّ ما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ نُونِ (فَيَكُونُ)، بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. والمَعْنى: فَهو يَكُونُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ النُّونِ. قالَ مَكِّيُّ ابْنُ أبِي طالِبٍ: النَّصْبُ عَلى الجَوابِ، لَكِنَّ فِيهِ بُعْدٌ.

فَصْلٌ

وَقَدِ اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى قِدَمِ القُرْآَنِ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) فَقالُوا: لَوْ كانَتْ "كُنْ" مَخْلُوقَةً؛ لافْتَقَرَتْ إلى إيجادِها بِمِثْلِها وتَسَلْسُلُ ذَلِكَ، والمُتَسَلْسِلُ مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: هَذا خِطابٌ لِمَعْدُومٍ؛ (p-١٣٧)فالجَوابُ أنَّهُ خِطابُ تَكْوِينٍ يُظْهِرُ أثَرَ القُدْرَةِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ مَوْجُودًا، لِأنَّهُ بِالخِطابِ كانَ، فامْتَنَعَ وجُودُهُ قَبْلَهُ أوْ مَعَهُ. ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ ما سَيَكُونُ مُتَصَوِّرَ العِلْمِ، فَضاهى بِذَلِكَ المَوْجُودَ، فَجازَ خِطابُهُ لِذَلِكَ.

2:118Page 18

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨

Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. ولَوْلا بِمَعْنى: هَلّا.

وَفِي ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّالِثُ: اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: في الكُفْرِ.

2:119Page 18

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩

Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمًا: "لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ!" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لَآَمَنُوا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ (بِالحَقِّ) هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ كِيسانَ. والثّالِثُ: الصِّدْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ﴾: الأكْثَرُونَ بِضَمِّ التّاءِ عَلى الخَبَرِ، والمَعْنى: لَسْتُ بِمَسْؤُولٍ عَنْ أعْمالِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ، عَلى النَّهْيِ عَنِ السُّؤالِ عَنْهم.

(p-١٣٨)وَجَوَّزَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَسْألُ عَنْهم فَإنَّهم في أمْرٍ عَظِيمٍ. فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِما هم فِيهِ. فَأمّا الجَحِيمُ؛ فَقالَ الفَرّاءُ: الجَحِيمُ: النّارُ، والجَمْرُ عَلى الجَمْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَحِيمُ: النّارُ المُسْتَحْكِمَةُ المُتَلَظِّيَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الوَقُودِ، وقَدْ جَحَمَ فَلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ وقُودَها، ويُقالُ: لَعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ تُوَقُّدِها. ويُقالُ: لِوَقُودِ الحَرْبِ، وهو شِدَّةُ القِتالِ فِيها: جاحِمٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الجاحِمُ: المَكانُ الشَّدِيدُ الحُرِّ. قالَ الأعْشى:

؎ يُعِدُّونَ لِلْهَيْجاءِ قَبْلَ لِقائِها غَداةَ اخْتِضارِ البَأْسِ والمَوْتُ جاحِمٌ

وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الجَحِيمُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: إنَّما سُمِّيَتِ النّارُ جَحِيمًا، لِأنَّها أُكْثِرَ وُقُودُها، مِن قَوْلِ العَرَبِ: جَحَمْتُ النّارَ أجْحَمُها: إذا أكْثَرْتَ لَها الوَقُودَ.

قالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ:

؎ يَرى طاعَةَ اللَّهِ الهُدى وخِلافَهُ ∗∗∗ الضَّلالَةُ يُصْلِي أهْلَها جاحِمُ الجَمْرِ

2:120Page 19

وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمّا صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ يَئِسُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ الهُدْنَةَ، ويُطْمِعُونَهُ في أنَّهُ إنْ هادَنَهم وافَقُوهُ؛ فَنَزَلَتْ، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمِلَّةُ في اللُّغَةِ: السُّنَّةُ والطَّرِيقُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و(هُدى اللَّهِ) هاهُنا: الإسْلامُ. وفي الَّذِي جاءَهُ مِنَ العِلْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ التَّحَوُّلُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ البَيانُ بِأنَّ دِينَ اللَّهِ الإسْلامُ. والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآَنُ. والرّابِعُ: (p-١٣٩)العِلْمُ بِضَلالَةِ القَوْمِ. ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ﴾ يَنْفَعُكَ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَمْنَعُكَ مِن عُقُوبَتِهِ.

2:121–124Page 19

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وفي الكِتابِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الكِتابِ. والثّانِي: عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ. وفي إبْراهِيمَ سِتُّ لُغاتٍ. أحَدُها: إبْراهِيمُ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَّةُ. والثّانِيَةُ: إبْراهم. والثّالِثَةُ: إبْراهَمْ والرّابِعَةُ: إبْراهِمْ، ذَكَرَهُنَّ الفَرّاءُ. والخامِسَةُ: إبْراهامُ. والسّادِسَةُ: إبَرَهَمُ. قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ:

؎ عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمٌ

وَقالَ أيْضًا:

؎ نَحْنُ آَلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ ∗∗∗ لَمْ يَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبَرِهِيمَ

وَفِي الكَلِماتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ. أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ؛ فالفَرْقُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ. وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظافِرِ، وحَلْقُ (p-١٤٠)العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِطابَةُ بِالماءِ، والخِتانُ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها عَشْرٌ، سِتٌّ في الإنْسانِ، وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ. فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، والغَسْلُ يَوْمَ الجُمْعَةِ. والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ. رَواهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها المَناسِكُ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، والهِجْرَةِ، والنّارِ، وذَبْحِ ولَدِهِ، والخِتانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّها كُلُّ مَسْألَةٍ في القُرْآَنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥ ] . ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ فَمَن قالَ: هي أفْعالٌ فَعَلَها؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ. ومَن قالَ: هي دَعَواتٌ ومَسائِلٌ؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: أجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِنَّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قَرَأ: (إبْراهِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الباءِ، عَلى مَعْنى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ، ويَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أمْ لا؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ في الذُّرِّيَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آَدَمَ كالذَّرِّ. والثّانِي: أنَّ أصْلَها ذَرُّورَةٌ، عَلى وزْنِ: فَعْلُولَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرّاءِ الأخِيرَةِ ياءٌ، فَصارَتْ: ذُرْوِيَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، فَصارَتْ: ذُرِّيَّةً، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وصَوَّبَ الأوَّلَ.

وَفِي العَهْدِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الإمامَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: الدِّينُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والخامِسُ: (p-١٤١)النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والسّادِسُ: الأمانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والسّابِعُ: المِيثاقُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: العُصاةُ، قالَهُ عَطاءٌ.

2:125Page 19

وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ البَيْتُ هاهُنا: الكَعْبَةُ، والألِفُ واللّامُ تَدْخُلُ لِلْمَعْهُودِ، أوْ لِلْجِنْسِ، فَلَمّا عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الجِنْسَ؛ انْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمُثابُ والمَثابَةُ واحِدٌ، كالمُقامِ والمَقامَةِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَثابَةُ: المَعادُ، مِن قَوْلِكَ: ثُبْتُ إلى كَذا، أيْ: عُدْتُ إلَيْهِ، وثابَ إلَيْهِ جِسْمُهُ بَعْدَ العِلَّةِ: إذا عادَ، فَأرادَ: أنَّ النّاسَ يَعُودُونَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْنًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّ مَن أحْدَثَ حَدِيثًا في غَيْرِهِ، ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ؛ فَهو آَمِنٌ، ولَكِنْ يَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ لا يُبايِعُوهُ، ولا يُطْعِمُوهُ، ولا يَسْقُوهُ، ولا يُؤْوُوهُ، ولا يُكَلَّمْ حَتّى يَخْرُجَ، فَإذا خَرَجَ؛ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ، والمُرادُ جَمِيعُ الحَرَمِ، كَما قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ والمُرادُ: الحَرَمُ كُلُّهُ لِأنَّهُ لا يَذْبَحُ في الكَعْبَةِ، ولا في المَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ الحُكْمِ، لا عَلى وجْهِ الخَبَرِ فَقَطْ.

وَفِي ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، قالَهُ عَطاءٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: الحَجُّ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ. والثّالِثُ: الحَجَرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو الأصَحُّ. «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى، فَنَزَلَتْ.»

(p-١٤٢)وَفِي سَبَبِ وُقُوفِ إبْراهِيمَ عَلى الحَجَرِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ جاءَ يَطْلُبُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: انْزِلْ، فَأبى، فَقالَتْ: فَدَعْنِي أغْسِلْ رَأْسَكَ، فَأتَتْهُ بِحَجْرٍ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ، وهو راكِبٌ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ وقَدْ غابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الآَخَرِ وغَسَلَتْهُ، فَغابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِن شِعارِهِ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ قامَ عَلى الحَجَرِ لِبِناءِ البَيْتِ، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَرَأ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (واتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الخاءِ؛ عَلى الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى الخَبَرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أيْنَ تَرَوْنَ أنْ نُصَلِّيَ؟" فَقالَ عُمَرُ: إلى المَقامِ، فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾» وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ فَتْحِ الخاءِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: وإذِ اتَّخَذُوا. ويُؤَكِّدُ الفَتْحَ في الخاءِ أنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ، وهو قَوْلُهُ: وعَهِدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ: أمَرْناهُما وأوْصَيْناهُما. وإسْماعِيلُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وفِيهِ لُغَتانِ: إسْماعِيلُ، وإسْماعِينُ. وأنْشَدُوا:

؎ قالَ جِوارِي الحَيِّ لَمّا جِينا هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْماعِينا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ والشِّرْكِ، وقَوْلِ الزُّورِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ؛ فَما مَعْنى أمَرَهُما بِتَطْهِيرِهِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَتْ هُناكَ أصْنامٌ، فَأُمِرا بِإخْراجِهِا، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ابْنِياهُ مُطَهَّرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ. والعاكِفُونَ: المُقِيمُونَ، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ عُكُوفًا: إذا أقامَ، ومِنهُ: الِاعْتِكافُ. وقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ في (p-١٤٣)كُلِّ لَيْلَةٍ ويَوْمَ عِشْرِينَ ومِائَةَ رَحْمَةٍ يَنْزِلُ عَلى هَذا البَيْتَ: سِتُّونَ لِلطّائِفِينَ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وعِشْرُونَ لِلنّاظِرِينَ" .»

2:126Page 19

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ البَلَدُ: صَدْرُ القُرى، والبالِدُ: المُقِيمُ بِالبَلَدِ، والبَلْدَةُ: الصَّدْرُ، ووَضَعَتِ النّاقَةُ بَلْدَتَها: إذا بَرَكَتْ، والمُرادُ بِالبَلَدِ هاهُنا: مَكَّةُ. ومَعْنى ﴿آمِنًا﴾: ذا أمْنٍ. وأمْنُ البَلْدَةِ مَجازٌ، والمُرادُ: أمِنَ مِن فِيهِ. وفي المُرادِ بِهَذا الأمْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَتْلِ. والثّانِي: مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ. والثّالِثُ: مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ. قالَ مُجاهِدٌ: قالَ إبْراهِيمَ: لِمَن آَمَنَ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ومَن كَفَرَ فَسَأرْزُقُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (فَأُمَتِّعُهُ) بِالتَّخْفِيفِ، مِن أمْتَعْتَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. مِن: مُتِّعْتُ. والإمْتاعُ: إعْطاءُ ما تَحْصُلُ بِهِ المُتْعَةُ. والمُتْعَةُ: أخْذُ الحَظِّ مِن لَذَّةِ ما يَشْتَهِي. وبِماذا يُمَتِّعُهُ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِالأمْنِ. والثّانِي: بِالرِّزْقِ.

والِاضْطِّرارُ: الإلْجاءُ إلى الشَّيْءِ، والمَصِيرُ: ما يَنْتَهِي إلَيْهِ الأمْرُ.

2:127–129Page 20

وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2

رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."

القَواعِدُ: أساسُ البَيْتِ، واحِدُها: قاعِدَةٌ. فَأمّا قَواعِدُ النِّساءِ؛ فَواحِدَتُها: قاعِدٌ، وهي العَجُوزُ. ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ: يَقُولانِ: رَبَّنا، فَحَذَفَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [ الرَّعْدِ: ٢٥ ] . أرادَ: يَقُولُونَ. و(السَّمِيعُ) بِمَعْنى: السّامِعُ، لَكِنَّهُ أبْلُغُ، لِأنَّ بِناءَ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. قالَ الخَطّابِيُّ: ويَكُونُ السَّماعُ بِمَعْنى القَبُولِ والإجابَةِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «:"أعُوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ"» أيْ: لا يُسْتَجابُ. وقَوْلُ المُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ: قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَن حَمَدَهُ. وأنْشَدُوا:

؎ دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ

الإشارَةُ إلى بِناءِ البَيْتِ.

رَوى أنَسٌ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تَحُجُّ إلى البَيْتِ قَبْلَ آَدَمَ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أُهْبِطَ آَدَمُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: يا آَدَمُ اذْهَبْ فابْنِ لِي بَيْتًا فَطُفْ بِهِ، واذْكُرْنِي حَوْلَهُ كَما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي. فَأقْبَلَ يَسْعى حَتّى انْتَهى إلى البَيْتِ الحَرامِ، وبَناهُ مِن خَمْسَةِ أجُبِلٍ: مِن لِبْنانَ، وطُورِ سَيْناءَ، وطُورِ زِيتا، والجُودِيِّ، وحِراءَ، فَكانَ آَدَمُ أوَّلَ مَن أسَّسَ البَيْتَ، وطافَ بِهِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ الطُّوفانَ، فَدَرَسَ مَوْضِعَ البَيْتِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ؛ ضاقَ بِهِ ذَرْعًا، ولَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ السَّحابَةِ، فِيها رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ عَلِّمْ عَلى ظِلِّي، فَلَمّا عَلَّمَ ارْتَفَعَتْ. وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يَبْنِي عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ، قالَ: وحَفَرَ إبْراهِيمُ مِن تَحْتِ السِّكِّينَةِ، فَأبْدى عَنْ قَواعِدَ، ما تُحَرِّكُ القاعِدَةَ مِنها دُونَ ثَلاثِينَ رَجُلًا. فَلَمّا بَلَغَ مَوْضِعَ الحَجَرِ، قالَ لِإسْماعِيلَ: (p-١٤٥)التَمِسْ لِي حَجَرًا، فَذَهَبَ يَطْلُبُ حَجَرًا، فَجاءَ جِبْرِيلُ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ، فَوَضَعَهُ، فَلَمّا جاءَ إسْماعِيلُ، قالَ: مَن جاءَكَ بِهَذا الحَجَرِ؟ قالَ: جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَتَّكِلْ عَلى بِنائِي وبِنائِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ: رَفَعا القَواعِدَ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ قَبْلَ ذَلِكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِبِناءِ البَيْتِ؛ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَبْنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ رِيحًا، فَكَنَسَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ عَنِ الأساسِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ البَيْتُ عَلَيْهِ قَبْلَ الطُّوفانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُسْلِمُ في اللُّغَةِ: الَّذِي قَدِ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ، وخَضَعَ. والمَناسِكُ: المُتَعَبِّداتُ. فَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ مَنسَكٌ ومَنسِكٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعابِدِ: ناسِكٌ. وتُسَمّى الذَّبِيحَةُ المُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ: النَّسِيكَةُ. وكَأنَّ الأصْلَ في النُّسُكِ إنَّما هو مِنَ الذَّبِيحَةِ لِلَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ: مَذابِحُنا. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: هي جَمِيعُ أفْعالِ الحَجِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَأرِنا) بِجَزْمِ الرّاءِ. و ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [ الأعْرافِ: ١٤٣ ] . و ﴿أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٩ ] . وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (أرِنا) بِكَسْرِ الرّاءِ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الرّاءَ مِن (أرِنا اللَّذَيْنِ) وحْدَها. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: (أرِنا) وكَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ يَجْزِمُ الرّاءَ، فَيَقُولُ: (أرْنا مَناسِكَنا) وقَرَأ بِها بَعْضُ الثِّقاتِ. وأنْشَدَ بَعْضُهُمْ:

؎ قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرِ لَنا دَقِيقًا ∗∗∗ واشْتَرِ فَعَجِّلْ خادِمًا لَبِيقًا

وَأنْشَدَنِي الكِسائِيُّ:

؎ ومَن يَتَّقِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَهُ ∗∗∗ ورِزْقُ اللَّهِ مُؤْتابٌ وغادِي

قالَ قَتادَةُ: أراهُما اللَّهُ مَناسِكَهُما: المَوْقِفُ بِعَرَفاتٍ، والإفاضَةُ مِن جَمْعٍ، ورَمْيُ الجِمارِ، والطَّوافُ، والسَّعْيُ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِنَ البَيْتِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَأراهُ الطَّوافَ، (p-١٤٦)ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةُ العَقَبَةَ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمُ سَبْعًا، وقالَ لَهُ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ. ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةَ الوُسْطى، فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ، فَقالَ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ. ثُمَّ أتى بِهِ الجَمْرَةَ القُصْوى، فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ. فَقالَ لَهُ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ، ثُمَّ أتى بِهِ مِنى، فَقالَ: هاهُنا يَحْلِقُ النّاسُ رُؤُوسَهم، ثُمَّ أتى بِهِ جَمْعًا، فَقالَ: هاهُنا يُجْمَعُ النّاسُ، ثُمَّ أتى بِهِ عَرَفَةَ، فَقالَ: أعَرَفْتَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ عَرَفاتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ في الهاءِ والمِيمِ مِن (فِيهِمْ) قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ. والثّانِي: عَلى أهْلِ مَكَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾ والمُرادُ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَدْ رَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، «أنَّهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما كانَ بَدْءُ أمْرِكَ؟ قالَ: "دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ"» والكِتابُ: القُرْآَنُ. والحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ: الحِكْمَةُ: الفِقْهُ والحَلالُ والحَرامُ، ومَواعِظُ القُرْآَنِ. وسُمِّيَتِ الحِكْمَةُ حِكْمَةً، لِأنَّها تَمْنَعُ مِنَ الجَهْلِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَأْخُذُ الزَّكاةَ مِنهم فَيُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والفَرّاءُ. والثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يَدْعُوهم إلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ.

(p-١٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: العِزُّ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: بِمَعْنى الغَلَبَةِ، يَقُولُونَ: مَن عَزَّ بَزَّ. أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ. يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعُزُّ، بِضَمِّ العَيْنِ مَن يَعُزُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ ص: ٢٨ ] . والثّانِي: بِمَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعَزُّ، بِفَتْحِ العَيْنِ مَن يَعَزُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى نَفّاسَةِ القِدْرِ، يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِ العَيْنِ، مَن يَعِزُّ. ويَتَناوَلُ مَعْنى العَزِيزِ عَلى أنَّهُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ، ولا مِثْلَ لَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском