Ibn al-JawziAl‑Baqarah · 2:171–183

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:171–183

2:171–172Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾

(p-١٧٤)فِي مَعْنى هَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي يَنْعِقُ بِها الرّاعِي، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وثَعْلَبٍ، قالا جَمِيعًا: أضافَ المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي، ولَمْ يَقُلْ:كالغَنَمِ، والمَعْنى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرُ مِنَ الصَّوْتِ، فَلَوْ قالَ لَها الرّاعِي: ارْعِي، أوِ اشْرَبِي؛ لَمْ تَدْرِ ما يَقُولُ لَها، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يَأْتِيهِمْ مِنَ القُرْآَنِ، وإنْذارُ الرَّسُولِ، فَأُضِيفَ التَّشْبِيهُ إلى الرّاعِي، والمَعْنى في المَرْعِيِّ، وهو ظاهِرٌ في كَلامِ العَرَبِ، يَقُولُونَ: فَلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ، والمَعْنى: كَخَوْفِهِ الأسَدَ [لِأنَّ الأسَدَ هو المَعْرُوفُ بِأنَّهُ المُخَوِّفُ ] قالَ الشّاعِرُ:

؎ كانَتْ فَرِيضَةً ما تَقُولُ كَما كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ

والمَعْنى: كَما كانَ الرَّجْمُ فَرِيضَةَ الزِّنى.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَثَلُنا في وعْظِهِمْ، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، فَحَذَفَ: ومَثَّلْنا، اخْتِصارًا، إذْ كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ آَلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والَّذِي يَنْعِقُ هو الرّاعِي، يُقالُ: نَعَقَ بِالغَنَمِ، يَنْعِقُ نَعَقًا ونَعِيقًا ونُعاقًا ونُعْقانًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والفاشِي في كَلامِ العَرَبِ أنَّهُ لا يُقالُ: نَعَقَ، إلّا في الصِّياحِ بِالغَنَمِ وحْدَها، فالغَنَمُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْقِلُ المَعْنى. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ إنَّما وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ، لِأنَّهم في تَرْكِهِمْ قَبُولُ ما يَسْمَعُونَ يِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ، وكَذَلِكَ في النُّطْقِ والنَّظَرِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا المَعْنى.

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-١٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ .

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "المَيِّتَةَ" هاهُنا، وفي المائِدَةِ، والنَّحْلِ: و(بَلْدَةً مَيِّتًا) [ ق: ١١ ] . بِالتَّشْدِيدِ، حَيْثُ وقَعَ. والمَيِّتَةُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ خَرَجَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ. وقِيلَ إنَّ الحِكْمَةَ في تَحْرِيمِ المَيِّتَةِ أنَّ جُمُودَ الدَّمِ فِيها بِالمَوْتِ يُحْدِثُ، أذًى لِلْآَكِلِ، وقَدْ يُسَمّى المَذْبُوحُ في بَعْضِ الأحْوالِ: مَيِّتَةً حُكْمًا، لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ المَيِّتَةِ، كَذَبِيحَةِ المُرْتَدِّ. فَأمّا الدَّمُ؛ فالمُحَرَّمُ مِنهُ: المَسْفُوحُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [ الأنْعامِ: ١٤٥ ] . قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَأمّا الدَّمُ الَّذِي يَبْقى في خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وما يَبْقى في العُرُوقِ؛ فَهو مُباحٌ.

فَأمّا لَحْمُ الخِنْزِيرِ؛ فالمُرادُ: جُمْلَتُهُ، وإنَّما خَصَّ اللَّحْمَ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ. قالَ الزَّجّاجُ: الخِنْزِيرُ يَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى. ومَعْنى ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٧٣ ] . ما رُفِعَ فِيهِ الصَّوْتُ بِتَسْمِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ الإهْلالُ بِالحَجِّ، إنَّما هو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أُلْجِئَ بِضَرُورَةٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (فَمَنِ اضْطِرَّ) بِكَسْرِ الطّاءِ حَيْثُ كانَ. وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ في الطّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَغْيُ: قَصْدُ الفَسادٍ، يُقالُ: بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى إلى الفَسادِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ غَيْرُ باغٍ عَلى الوُلاةِ، ولا عادٍ يَقْطَعُ السَّبِيلَ، هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ. والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ، ولا مُتَعَدٍّ بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ. والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ، أيْ: مُسْتَحِلٍّ، ولا عادٍ: غَيْرُ مُضْطَّرٍّ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ. والرّابِعُ: غَيْرُ باغٍ شَهْوَتَهُ بِذَلِكَ، ولا عادٍ بِالشِّبَعِ مِنهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَصْلٌ

مَعْنى الضَّرُورَةِ في إباحَةِ المَيِّتَةِ: أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ. سُئِلَ أحْمَدُ، (p-١٧٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المُضْطَّرِّ إذا لَمْ يَأْكُلِ المَيِّتَةَ، فَذَكَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: مَنِ اضْطُّرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ فَماتَ دَخَلَ النّارَ. فَأمّا مِقْدارُ ما يَأْكُلُ؛ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَأْكُلُ مِقْدارَ ما يُقِيمُهُ عَنِ المَوْتِ. ونَقَلَ ابْنُ مَنصُورٍ: يَأْكُلُ بِقَدْرِ ما يَسْتَغْنِي. فَظاهِرُ الأُولى: أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وظاهِرُ الثّانِيَةِ: جَوازُ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

2:174Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَتَمُوا اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ، وغَيَّرُوهُ في كِتابِهِمْ. والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما يُصِيبُونَهُ مِنِ اتِّباعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَكَأنَّهم يَأْكُلُونَ النّارَ. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُ الكُفّارَ ولا يُحاسِبُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [فِيهِ ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا يُزَكِّي أعْمالَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

2:175Page 26

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ أيِ: اخْتارُوها عَلى الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّيهِمْ إلى النّارِ! قالَهُ عِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ. والثّانِي: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. وذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّ أعْرابِيًّا حَلَفَ لَهُ رَجُلٌ كاذِبًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما أصْبَرَكَ عَلى اللَّهِ، يُرِيدُ: ما أجْرَأكَ. والثّالِثُ: ما أبْقاهم في النّارِ، كَما تَقُولُ: ما أصْبَرَ فَلانًا عَلى الحَبْسِ، (p-١٧٧)أيْ: ما أبْقاهُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: فَأيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟! قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وفي "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُها: ما الَّذِي أصْبَرَهُمْ؟ قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّعَجُّبِ، كَقَوْلِكَ: ما أحْسَنَ زَيْدًا، وما أعْلَمَ عَمْرًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ التَّعَجُّبُ، واللَّهُ يُعَجِّبُ المَخْلُوقِينَ، ولا يَعْجَبُ هو كَعَجَبِهِمْ.

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ. ثُمَّ في اخْتِلافِهِمْ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اخْتَلَفُوا فِيها، فادَّعى النَّصارى فِيها صِفَةَ عِيسى، وأنْكَرَ اليَهُودُ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهم خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّهم خالَفُوا سَلَفَهم في التَّمَسِّكِ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، فَمِنهم مَن قالَ: شِعْرٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما يُعْلِّمُهُ بَشَرٌ.

والشِّقاقُ: مُعاداةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وفي مَعْنى "بَعِيدٍ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَهم مُتَباعِدٌ في مُشاقَّةِ بَعْضٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الهُدى.

2:177Page 27

۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ .

قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَجُلًا سَألَ عَنْ "البِرِّ" فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَتَلاها عَلَيْهِ.» وفِيمَن خُوطِبَ بِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ. والثّانِي: أهْلُ الكِتابَيْنِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ مَعْناها: لَيْسَ البِرُّ كُلُّهُ في الصَّلاةِ، ولَكِنَّ البِرَّ ما في هَذِهِ الآَيَةِ. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وسُفْيانَ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي؛ مَعْناها: لَيْسَ البِرَّ صَلاةُ اليَهُودِ إلى المَغْرِبِ، وصَلاةُ النَّصارى إلى المَشْرِقِ، ولَكِنَّ البِرَّ ما في هَذِهِ الآَيَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعُ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، ومُقاتِلٌ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَيْسَ البِرَّ) بِنَصْبِ الرّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كِلاهُما حَسَنٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ؛ اسْمُ "لَيْسَ" وخَبَرُها، مَعْرِفَةٌ، فَإذا اجْتَمَعا في التَّعْرِيفِ تَكافَآَ في كَوْنِ أحَدِهِما اسْمًا، والآخِرِ خَبَرًا، كَما تَتَكافَأُ النَّكِرَتانِ.

وَفِي المُرادِ بِالبِرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: الإيمانُ. والثّانِي: التَّقْوى. والثّالِثُ: العَمَلُ الَّذِي يُقَرَّبُ إلى اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آَمَنَ بِاللَّهِ. والثّانِي: ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَن آَمَنَ بِاللَّهِ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: (وَلَكِنَّ البِرَّ) بِتَخْفِيفِ نُونِ (لَكِنْ) ورَفْعِ (البِرُّ) وإنَّما ذَكَرَ اليَوْمَ الآَخِرَ، لِأنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ. وفي المُرادِ بِالكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الكُتُبِ، فَيَدْخُلُ في هَذا اليَهُودُ، لِتَكْذِيبِهِمْ بَعْضَ النَّبِيِّينَ ورَدِّهِمُ القُرْآَنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ في هاءِ "حُبِّهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى المالِ. والثّانِي: إلى الإيتاءِ. وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأها قالَ: سِوى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ.

(p-١٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ يُرِيدُ: قَرابَةَ المُعْطِي. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى: (اليَتامى والمَساكِينَ) عِنْدَ رَأْسِ ثَلاثٍ وثَمانِينَ آَيَةً مِن هَذِهِ السُّورَةِ. فَأمّا (ابْنَ السَّبِيلِ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الضَّيْفُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَمُرُّ بِكَ مُسافِرًا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: هو المُنْقَطِعُ بِهِ يُرِيدُ بَلَدًا آَخَرَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، والقاضِي أبُو يَعْلى، ويُحَقِّقُهُ: أنَّ السَّبِيلَ الطَّرِيقُ، وابْنُهُ: صاحِبُهُ الضّارِبُ فِيهِ، فَلَهُ حَقٌّ عَلى مَن يَمُرُّ بِهِ إذا كانَ مُحْتاجًا. ولَعَلَّ أصْحابَ القَوْلِ الأوَّلِ أشارُوا إلى هَذا لِأنَّهُ إنْ كانَ مُسافِرًا، فَإنَّهُ ضَيْفٌ لَمْ يَنْزِلْ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُرِيدُ سَفَرًا، ولا يَجْدُ نَفَقَةً، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشّافِعِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أيْ: في فَكِّ الرِّقابِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُكاتِبُونَ يُعانُونَ في كِتابَتِهِمْ بِما يُعْتِقُونَ بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ، والشّافِعِيِّ. والثّانِي: أنَّهم عَبِيدٌ يُشْتَرُونَ بِهَذا السَّهْمَ ويُعْتَقُونَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ. وعَنْ أحْمَدَ كالقَوْلَيْنِ.

فَأمّا البَأْساءُ؛ فَهِيَ: الفَقْرُ. والضَّرّاءُ: المَرَضُ. وحِينَ البَأْسِ: القِتالُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: تَكَلَّمُوا بِالإيمانِ وحَقَّقُوهُ بِالعَمَلِ.

2:178Page 27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ (p-١٨٠)رَوى شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ فِيهِمْ بَغْيٌ وطاعَةٌ لِلشَّيْطانِ، وكانَ الحَيُّ مِنهم إذا كانَ فِيهِمْ عِدَّةٌ ومَنعَةٌ، فَقَتَلَ عَبْدُهم عَبْدَ قَوْمٍ آَخَرِينَ؛ قالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِهِ إلّا حُرًّا، تَعَزُّزًا لِفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وإذا قَتَلَتِ امْرَأةٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِن آَخَرِينَ؛ قالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِها إلّا رَجُلًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. ومَعْنى "كُتِبَ" فُرِضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والقَصاصُ: مُقابَلَةُ الفِعْلِ بِمِثْلِهِ، مَأْخُوذٌ مِن: قَصِّ الأثَرِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ فَرْضًا والوُلَيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَفْوِ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ فَرَضَ عَلى القاتِلِ لِلْوَلِيِّ، لا عَلى الوَلِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن دَمِ أخِيهِ، أيْ: تَرَكَ لَهُ القَتْلَ، ورَضِيَ مِنهُ بِالدِّيَةِ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ عَلى أنَّ القاتِلَ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإسْلامِ، ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: مُطالَبَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، بِأمْرِ آَخِذِ الدِّيَةِ بِالمُطالَبَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لا يُرْهِقُهُ فِيها: ﴿وَأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ يَأْمُرُ المُطالَبَ بِأنْ لا يَبْخَسَ ولا يُماطِلَ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حُكْمُ اللَّهِ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُقْتَلَ قاتِلُ العَمْدِ، ولا يُعْفى عَنْهُ، ولا يُؤْخَذَ مِنهُ دِيَةٌ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَإنْ شاءَ ولِيَ المَقْتُولُ عَمْدًا، قَتَلَ وإنْ شاءَ عَفا، وإنْ شاءَ، أخَذَ الدِّيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أيْ: ظَلَمَ، فَقَتَلَ قاتِلَ صاحِبِهِ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ؛ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَقْتُلُ ولا تَقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ.

فَصْلٌ

ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ دَلِيلَ خِطابِ هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ اقْتَضى أنْ لا يُقْتَلَ العَبْدُ بِالحُرِّ، وكَذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ اقْتَضى أنْ لا يُقْتَلَ الذَّكَرُ بِالأُنْثى مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا عِنْدَ الفُقَهاءِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ الفُقَهاءَ يَقُولُونَ: دَلِيلُ الخِطابِ حُجَّةٌ ما لَمْ يُعارِضْهُ دَلِيلٌ أقْوى مِنهُ.

2:179Page 27

وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1

(p-١٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَلِمَ الرَّجُلُ أنَّهُ إنْ قَتَلَ قُتِلَ؛ أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَكانَ في ذَلِكَ حَياةً لِلَّذِي هَمَّ بِقَتْلِهِ ولِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ مِن أجْلِ القَصاصِ أمْسَكَ. وأخَذَ هَذا المَعْنى الشّاعِرُ فَقالَ:

؎ أبْلِغْ أبا مالِكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً وفي العِتابِ حَياةٌ بَيْنَ أقْوامِ

يُرِيدُ أنَّهم إذا تَعاتَبُوا أصْلَحَ مِن بَيْنِهِمُ العِتابُ. والألْبابُ: العُقُولُ، وإنَّما خَصَّهم بِهَذا الخِطابِ وإنْ كانَ الخِطابُ عامًّا، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالخِطابِ، لِكَوْنِهِمْ يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِ ويَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ الدِّماءَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ يَقْتُلَهُ فَتُقْتَلُ بِهِ.

فَصْلٌ

نَقَلَ ابْنُ مَنصُورٍ عَنْ أحْمَدَ: إذا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِعَصى، أوْ خَنَقَهُ، أوْ شَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، يُقْتَلُ مِثْلَ الَّذِي قَتَلَ بِهِ. فَظاهِرُ هَذا: أنَّ القَصاصَ يَكُونُ بِغَيْرِ السَّيْفِ، ويَكُونُ بِمِثْلِ الآَلَةِ الَّتِي قَتَلَ بِها، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. ونَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ: إذا قَتَلَهُ بِخَشَبَةٍ قُبِلَ بِالسَّيْفِ. ونَقَلَ أبُو طالِبٍ: إذا خَنَقَهُ قُتِلَ بِالسَّيْفِ. فَظاهِرُ هَذا: أنَّهُ لا يَكُونُ القَصاصُ إلّا بِالسَّيْفِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

2:180Page 27

كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وكَتَبَ عَلَيْكم، إلّا أنَّ الكَلامَ إذا طالَ اسْتَغْنى عَنِ العَطْفِ (p-١٨٢)بِالواوِ وعُلِمَ أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الواوِ، ولَيْسَ المُرادُ: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ يُوصِيَ أحَدُكم عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ حِينَئِذٍ، وإنَّما المَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ تُوصُوا وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى الوَصِيَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: إذا أنا مُتُّ، فَلِفُلانٍ كَذا. فَأمّا الخَيْرُ هاهُنا؛ فَهو المالُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

وَفِي مِقْدارِ المالِ الَّذِي تَقَعُ هَذِهِ الوَصِيَّةُ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُ سَبْعُمِائَةُ دِرْهَمٍ فَما فَوْقَها، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: سِتُّونَ دِينارًا فَما فَوْقَها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ الفاضِلُ عَنْ نَفَقَةِ العِيالِ. قالَتْ عائِشَةُ لِرَجُلٍ سَألَها: إنِّي أُرِيدُ الوَصِيَّةَ، فَقالَتْ: كَمْ مالِكٍ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آَلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ. قالَتْ: هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعْهُ لِعِيالِكَ. والخامِسُ: أنَّهُ مِنَ ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. والسّادِسُ: أنَّهُ القَلِيلُ والكَثِيرُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. فَأمّا المَعْرُوفُ؛ فَهو الَّذِي لا حَيْفَ فِيهِ.

فَصْلٌ

وَهَلْ كانَتِ الوَصِيَّةُ نَدْبًا أوْ واجِبَةً؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ نَدْبًا. والثّانِي: أنَّها كانَتْ فَرْضًا، وهو أصَحُّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ﴾ ومَعْناهُ: فُرِضَ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِآَيَةِ المِيراثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَسَخَتْها: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [ النِّساءِ: ٧ ] . والعُلَماءُ مُتَّفِقُونَ عَلى نَسْخِ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ وهم مُخْتَلِفُونَ في الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ: هَلْ تَجِبُ الوَصِيَّةُ لَهُمْ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، أصَحُّهُما أنَّها لا تَجِبُ لِأحَدٍ.

2:181Page 27

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١

Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن بَدَّلَ أمْرَ الوَصِيَّةِ بَعْدَ سَماعِهِ إيّاها، فَإنَّما إثْمُهُ (p-١٨٣)عَلى مُبْدِلِهِ، لا عَلى المُوصِي، ولا عَلى المُوصى لَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما قَدْ قالَهُ المُوصِي ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَفْعَلُهُ المُوصى إلَيْهِ.

2:182Page 28

فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ (مُوصٍ) ساكِنَةَ الواوِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوصٍ" مَفْتُوحَةَ الواوِ مُشَدَّدَةَ الصّادِ. وفي المُرادِ بِالخَوْفِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ. والثّانِي: نَفْسُ الخَوْفِ. فَعَلى الأوَّلِ؛ يَكُونُ الجَوْرُ قَدْ وُجِدَ. وعَلى الثّانِي: يَخْشى وُجُودَهُ. و "الجَنَفُ": المَيْلُ عَنِ الحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: جَنَفًا، أيْ: مَيْلًا، أوْ إثْمًا، أيْ: قَصَدَ الإثْمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَنَفُ: الخَطَأُ، والإثْمُ: العَمْدُ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الجَنَفُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ يُسَمّى بِهِ المُخْطِئُ والعامِدُ، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ عَقَلُوا الجَنَفَ عَلى المُخْطِئِ، والإثْمَ عَلى العامِدِ.

وَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها: مَن حَضَرَ رَجُلًا يَمُوتُ، فَأسْرَفَ في وصِيَّتِهِ، أوْ قَصَّرَ عَنْ حَقٍّ؛ فَلْيَأْمُرْهُ بِالعَدْلِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناها: مَن أوْصى بِجَوْرٍ، فَرْدَّ ولَيُّهُ وصِيَّتَهُ، أوْ رَدَّها إمامٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ؛ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الَّذِينَ أوْصى لَهم، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُوصِي أفادَ مَفْهُومَ الخِطابِ أنَّ هُناكَ مُوصًى لَهُ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

؎ وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي؟! ∗∗∗ أألْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ∗∗∗ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي

فَكَنّى في البَيْتِ الأوَّلِ عَنِ الشَّرِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الخَيْرَ وحْدَهُ، لِما في مَفْهُومِ اللَّفْظِ مِنَ الدَّلالَةِ.

2:183Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

(p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ .

الصِّيامُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ في الجُمْلَةِ، يُقالُ: صامَتِ الخَيْلُ: إذا أمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ، وصامِتِ الرِّيحُ: إذا أمْسَكَتْ عَنِ الهُبُوبِ. والصَّوْمُ في الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنِ الإمْساكِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والجِماعِ مَعَ انْضِمامِ النِّيَّةِ إلَيْهِ. وفي الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والرَّبِيعُ. والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ في كافِ ﴿كَما كُتِبَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصَفْتِهِ، لا في عَدَدِهِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَتَبَ عَلَيْهِمْ إذا نامَ أحَدُهم قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ لَمْ يَحْلَّ لَهُ أنْ يَطْعَمَ إلى القابِلَةِ، والنِّساءُ عَلَيْهِمْ حَرامٌ لَيْلَةَ الصِّيامِ، وهو عَلَيْهِمْ ثابِتٌ. وقَدْ أُرْخِصَ لَكم. فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٨٧ ] . فَإنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ صَوْمِ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَ صَوْمِ المُسْلِمِينَ. والثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الأيّامِ. ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ فَرَضَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى مَن قَبْلَهم. قالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: كانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِرَمَضانَ. قالَ مَعْمَرُ عَنْ قَتادَةَ: كانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلى النّاسِ قَبْلَ رَمَضانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآَيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ . والثّانِي: أنَّهُ فَرَضَ عَلى مَن قَبْلَنا صَوْمَ رَمَضانَ بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقَدَّمَ النَّصارى يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، وأخَّرُوا يَوْمًا، ثُمَّ قالُوا: نُقَدِّمُ عَشْرًا ونُؤَخِّرُ عَشْرًا. وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: اشْتَدَّ عَلى النَّصارى صَوْمُ رَمَضانَ، فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِمْ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا (p-١٨٥)فَجَعَلُوا صِيامًا في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وقالُوا: نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّرُ بِها ما صَنَعْنا. فَعَلى هَذا تَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ لِأنَّ الصِّيامَ وصْلَةٌ إلى التُّقى، إذْ هو يَكُفُّ النَّفْسَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا تَتَطَلَّعُ إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ مَحْظُوراتِ الصَّوْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском