Ibn al-JawziAl‑Baqarah · 2:184–190

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:184–190

2:184Page 28

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "أيّامًا" عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قالَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في هَذِهِ الأيّامِ. والعامِلُ فِيهِ "الصِّيامُ" كَأنَّ المَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ تَصُومُوا أيّامًا مَعْدُوداتٍ. وفي هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ. والثّانِي: أنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ ويَوْمَ عاشُوراءَ. والثّالِثُ: أنَّها شَهْرُ رَمَضانَ، وهو الأصَحُّ. وتَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةً في هَذا القَوْلِ، وفي القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ تَكُونُ مَنسُوخَةً ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: فَأفْطَرَ.

فَصْلٌ

وَلَيْسَ المَرَضُ والسَّفَرُ عَلى الإطْلاقِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا لَمْ يَضُرَّ بِهِ الصَّوْمُ؛ لَمْ يُجَزْ لَهُ الإفْطارُ، وإنَّما الرَّحْمَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى زِيادَةِ المَرَضِ بِالصَّوْمِ. واتَّفَقَ العُلَماءُ أنَّ السَّفَرَ مُقَدَّرٌ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِ، فَقالَ أحْمَدُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: أقَلُّهُ مَسِيرَةُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا؛ يَوْمانِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: أقَلُّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، مَسِيرَةُ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ فَرْسَخًا. وقالَ الأوْزاعِيُّ: أقَلُّهُ مَرْحَلَةُ يَوْمٍ، مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ فَراسِخَ. وقِيلَ: إنَّ السَّفَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّفَرِ الَّذِي هو الكَشْفُ، يُقالُ: سَفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها، وأسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ، فَسُمِّيَ الخُرُوجُ إلى المَكانِ البَعِيدِ: سَفَرًا، لِأنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أخْلاقِ المُسافِرِ.

(p-١٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وعَلْقَمَةَ، والزُّهْرِيِّ في آَخَرِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ أنَّهم قالُوا: كانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ وافْتَدى، يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ولا يَصُومُونَهُ فِدْيَةٌ، ثُمَّ نُسِخَتْ. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في الحامِلِ والمُرْضِعِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ: وعَلى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "فِدْيَةٌ" مُنَوَّنٌ (طَعامُ المِسْكِينِ) مُوَحَّدٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِدْيَةُ" بِغَيْرِ تَنْوِينِ "طَعامُ" بِالخَفْضِ "مَساكِينَ" بِالجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى القِراءَةِ الأُولى: عَلى كُلِّ واحِدٍ طَعامُ مِسْكِينٍ. ومِثْلُهُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ﴾ [ النُّورِ: ٤ ] . أيِ: اجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ ثَمانِينَ. قالَ أبُو زَيْدٍ: أتَيْنا الأمِيرَ فَكَسانا كُلَّنا حُلَّةً، وأعْطانا كُلَّنا مِئَةً، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنّا. قالَ: فَأمّا مَن أضافَ الفِدْيَةَ إلى الطَّعامِ، فَكَإضافَةِ البَعْضِ إلى ما هو بَعْضٌ لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ سَمّى الطَّعامَ الَّذِي يُفْدى بِهِ: فِدْيَةٌ، ثُمَّ أضافَ الفِدْيَةَ إلى الطَّعامِ الَّذِي يَعُمُّ الفِدْيَةَ وغَيْرَها، فَهو عَلى هَذا مِن بابِ: خاتَمُ حَدِيدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [فِيهِ ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مَن أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّ التَّطَوُّعَ إطْعامُ مَساكِينَ، قالَهُ طاوُسُ. والثّالِثُ: أنَّهُ زِيادَةُ المِسْكِينِ عَلى قُوَّتِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وفَعَلَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ لَمّا كَبُرَ ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأصِحّاءِ المُقِيمِينَ المُخَيَّرِينَ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ عَلى ما حَكَيْنا في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ السَّلَفِ، ولَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ إلى المَرْضى والمُسافِرِينَ، والحامِلِ، والمُرْضِعِ، إذِ الفِطْرُ في حَقِّ هَؤُلاءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وقَدْ نُهُوا عَنْ تَعْرِيضِ أنْفُسِهِمْ لِلتَّلَفِ، وهَذا يُقَوِّي قَوْلَ القائِلِينَ بِنَسْخِ الآَيَةِ.

2:185Page 28

شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥

The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

(p-١٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾

قالَ الأخْفَشُ: شَهْرُ رَمَضانَ بِالرَّفْعِ عَلى تَفْسِيرِ الأيّامِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَسَّرَها فَقالَ: هي شَهْرُ رَمَضانَ. قالَ أبُو عَبِيدٍ: وقَرَأ مُجاهِدٌ: (شَهْرُ رَمَضانَ) بِالنَّصْبِ، وأراهُ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى الإغْراءِ: عَلَيْكم شَهْرَ رَمَضانَ فَصُومُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قُلْتُ: ومِمَّنْ قَرَأ بِالنَّصْبِ مُعاوِيَةُ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، قالَ ابْنُ فارِسٍ: الرَّمْضُ: حَرُّ الحِجارَةِ مِن شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ، ويُقالُ: شَهْرُ رَمَضانَ، مِن شِدَّةِ الحَرِّ، لِأنَّهم لَمّا نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، سَمَّوْها بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، فَوافَقَ هَذا الشَّهْرَ أيّامُ رَمَضِ الحَرِّ، ويُجْمَعُ عَلى رَمَضاناتٍ، وأرْمِضاءَ، وأرْمِضَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآَنَ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآَنَ بِفَرْضِ صِيامِهِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: إنَّ القُرْآَنَ ابْتُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: والفَرْقانُ: المَخْرَجُ في الدِّينِ مِنَ الشُّبْهَةِ والضَّلالَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أيْ: مَن كانَ حاضِرًا غَيْرَ مُسافِرٍ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ ذِكْرِ المَرَضِ والسَّفَرِ في هَذِهِ الآَيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: لِأنَّ في الآَيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَنسُوخًا، فَأعادَهُ لِئَلّا يَكُونُ مَقْرُونًا بِالمَنسُوخِ.

(p-١٨٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: اليُسْرُ: الإفْطارُ في السَّفَرِ، والعُسْرُ: الصَّوْمُ فِيهِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أيْ: ذَلِكَ كانَ أيْسَرَ عَلَيْكَ فافْعَلِ: الصَّوْمَ في السَّفَرِ، أوِ الفِطْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (وَلِتُكْمِلُوا) بِإسْكانِ الكافِ خَفِيفَةُ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "وَصّى" و "أوْصى" وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِتُكْمِلُوا عِدَّةَ ما أفْطَرْتُمْ. وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِ: لا تَزِيدُوا عَلى ما افْتَرَضَ، كَما فَعَلَتِ النَّصارى، ولا تَنْقُلُوهُ عَنْ زَمانِهِ كَما نَقَلَتْهُ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا نَظَرُوا إلى هِلالِ شَوّالٍ، أنْ يُكَبِّرُوا لِلَّهِ حَتّى يَفْرَغُوا مِن عِيدِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ؟ فالجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الواوَ عَطَفَتِ اللّامَ الَّتِي بَعْدَها عَلى لامٍ مَحْذُوفَةٍ، والمَعْنى: ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ لِيُسْعِدَكم، ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى لِوُضُوحِ مَعْناها، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَصْلٌ

وَمِنَ السُّنَّةِ إظْهارُ التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، ولَيْلَةَ النَّحْرِ، وإذا غَدَوْا إلى المُصَلّى. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَتى يَقْطَعُ في عِيدِ الفِطْرِ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلُ: يَقْطَعُ بَعْدَ فَراغِ الإمامِ مِنَ الخُطْبَةِ. ونَقَلَ الأثْرَمُ: إذا جاءَ المُصَلّى، قَطَعَ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يَعْنِي: إذا جاءَ المُصَلّى وخَرَجَ الإمامُ.

2:186Page 28

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦

And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

فِي سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

والثّانِي: «أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ! كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنا دُعاءَنا، وأنْتَ تَتَزَعَّمُ أنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ السَّماءِ مَسِيرَةَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ نَعْلَمُ أيَّةَ ساعَةٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ أنْ نَدْعُوَ فِيها دَعْوانا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ قالُوا لَهُ: أيْنَ اللَّهُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا حَرُمَ في الصَّوْمِ الأوَّلِ عَلى المُسْلِمِينَ بَعْدَ النَّوْمِ الأكْلُ والجِماعُ؛ أكَلَ رَجُلٌ مِنهم بَعْدَ أنْ نامَ، ووَطِئَ رَجُلٌ بَعْدَ أنْ نامَ، فَسَألُوا: كَيْفَ التَّوْبَةُ مِمّا عَمِلُوا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى الكَلامِ: إذا سَألُوكَ عَنِّي؛ فَأعْلِمْهم أنِّي قَرِيبٌ.

وَفِي مَعْنى "أُجِيبُ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أسْمَعُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ القاسِمِ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الإجابَةِ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُونِي. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

أرادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ. وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: يَعْنِي: يَهْتَدُونَ.

فَصْلٌ

إنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ الآَيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تُعْلى يُجِيبُ أدْعِيَةَ الدّاعِينَ، وتَرى كَثِيرًا مِنَ الدّاعِينَ لا يُسْتَجابُ لَهُمْ!

(p-١٩٠)فالجَوابُ: أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ دَعا اللَّهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها قَطِيعَةُ رَحِمٍ ولا إثْمٌ؛ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ بِها إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: إمّا أنْ يُعَجِّلَ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَها لَهُ في الآَخِرَةِ، وإمّا أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها" .»

وَجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الدُّعاءَ تَفْتَقِرُ إجابَتُهُ إلى شُرُوطِ أصْلُها الطّاعَةُ لِلَّهِ، ومِنها أكْلُ الحَلالِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ يَمْنَعُ إجابَةَ الدُّعاءِ، ومِنها حُضُورُ القَلْبِ، فَفي بَعْضِ الحَدِيثِ: « "يَقْبَلُ اللَّهُ دُعاءً مِن قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ"» .

وَجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَعْتَقِدُ المَصْلَحَةَ في إجابَتِهِ إلى ما سَألَ، وقَدْ لا تَكُونُ المَصْلَحَةُ في ذَلِكَ، فَيُجابُ إلى مَقْصُودِهِ الأصْلِيِّ، وهو طَلَبُ المَصْلَحَةِ، وقَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ في التَّأْخِيرِ أوْ في المَنعِ.

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا إذا نامَ الرَّجُلُ قَبْلَ الأكْلِ والجِماعِ، حَرُما عَلَيْهِ (p-١٩١)إلى أنْ يُفْطِرَ، فَجاءَ شَيْخٌ مِنَ الأنْصارِ وهو صائِمٌ إلى أهْلِهِ، فَقالَ عَشَّوْنِي، فَقالُوا: حَتّى نُسَخِّنَ لَكَ طَعامًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ، فَجاءُوا بِالطَّعامِ، فَقالَ، قَدْ كُنْتُ نِمْتُ، فَباتَ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَأخْبَرَهُ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أرَدْتُ أهْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَقالَتْ، إنَّها قَدْ نامَتْ، فَظَنَنْتُها تَعْتَلِ، فَواقَعْتُها، فَأخْبَرَتْنِي أنَّها قَدْ نامَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ وأنْزَلَ اللَّهُ في الأنْصارِيِّ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾» هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. واخْتَلَفُوا في اسْمِ هَذا الأنْصارِيِّ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ، قالَهُ البَراءُ. والثّانِي: صِرْمَةُ بْنُ أنَسٍ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى: صِرْمَةُ بْنُ مالِكٍ. والثّالِثُ: ضَمْرَةُ بْنُ أنَسٍ. والرّابِعُ: أبُو قَيْسِ بْنُ عُمَرَ. وذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ. فَأمّا "الرَّفَثُ" فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في آَخَرِينَ: هو الجِماعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ . فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ اللِّباسَ السَّكَنُ. ومِثْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٤٧ ] . أيْ: سَكَنا. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ اللِّباسِ، لِإفْضاءِ كُلِّ واحِدٍ بِبَشْرَتِهِ إلى بَشْرَةِ صاحِبِهِ، فَكَنّى عَنِ اجْتِماعِهِما مُتَجَرِّدِينَ بِاللِّباسِ. قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ: لِباسًا وإزارًا، قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

؎ إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا

(p-١٩٢)وَقالَ غَيْرُهُ:

؎ ألّا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِي ثِقَةٍ إزارِي

يُرِيدُ بِالإزارِ: امْرَأتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ: تَخُونُونَها بِارْتِكابِ ما تَحْرُمُ عَلَيْكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَنى بِذَلِكَ فِعْلَ عُمَرَ، فَإنَّهُ أتى أهْلَهُ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أخَذَ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَبْكِي ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾: أصْلُ المُباشَرَةِ: إلْصاقُ البَشْرَةِ بِالبَشْرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالمُباشِرَةِ هاهُنا: الجِماعُ. ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمّا كانَتِ المُباشِرَةُ قَدْ تَقَعُ عَلى ما دُونُ الجِماعِ، أباحَهُمُ الجِماعَ الَّذِي يَكُونُ مِن مِثْلِهِ الوَلَدُ، فَقالَ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يُرِيدُ: الوَلَدَ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي كَتَبَ لَهُمُ الرُّخْصَةَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْلَةُ القَدْرِ. رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآَنُ، فَمَعْنى الكَلامِ: اتَّبَعُوا القُرْآَنَ، فَما أُبِيحَ لَكم وأُمِرْتُمْ بِهِ فَهو المُبْتَغى، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ، أبْيَضَ وأسْوَدَ، فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَجَعَلْتُ أقُومُ في اللَّيْلِ ولا أسَتُبِينُ الأسْوَدَ مِنَ الأبْيَضِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ؛ غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأخْبَرْتُهُ، فَضَحِكَ وقالَ: "إنْ كانَ وِسادُكَ إذًا لِعَرِيضٌ، إنَّما ذاكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ"» وقالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ﴾ ولَمْ يَنْزِلْ: (مِنَ الفَجْرِ) فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأسْوَدَ (p-١٩٣)والخَيْطَ الأبْيَضَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ زِيِّهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ (مِنَ الفَجْرِ) فَعَلِمُوا أنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.

فَصْلٌ

إذا شَكَّ في الفَجْرِ، فَهَلْ يَدَعُ السُّحُورَ أمْ لا؟ فَظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدَعُ السُّحُورَ، بَلْ يَأْكُلُ حَتّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَ الفَجْرِ. وقالَ مالِكٌ: أكْرَهُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ إذا شَكَّ في طُلُوعِ الفَجْرِ، فَإنَّ أكَلَ فَعَلَيْهِ القَضاءُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ في هَذِهِ المُباشَرَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها المُجامَعَةُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّها ما دُونُ الجِماعِ مِنَ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ المُعْتَكِفُ إذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَقِيَ امْرَأتَهُ باشَرَها إذا أرادَ ذَلِكَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ.

فَصْلٌ

الِاعْتِكافُ في اللُّغَةِ: اللَّبْثُ، يُقالُ: فُلانٌ مُعْتَكِفٌ عَلى كَذا، وعاكِفٌ. وهو فِعْلٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُنْذِرَهُ الإنْسانُ، فَيَجِبُ. ولا يَجُوزُ إلّا في مَسْجِدٍ تُقامُ فِيهِ الجَماعاتُ، ولا يُشْتَرَطُ في حَقِّ المَرْأةِ مَسْجِدٌ تُقامُ فِيهِ الجَماعَةُ، إذِ الجَماعَةُ لا تَجِبُ عَلَيْها. وهَلْ يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُباشِرَةَ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحُدُودُ ما مَنَعَ اللَّهُ مِن مُخالَفَتِها، فَلا يَجُوزُ مُجاوَزَتُها. وأصْلُ الحَدِّ في اللُّغَةِ: المَنعُ، ومِنهُ: حَدُّ الدّارِ، وهو ما يَمْنَعُ غَيْرَها مِنَ الدُّخُولِ فِيها. والحِدادُ في اللُّغَةِ: الحاجِبُ والبَوّابُ، وكُلُّ مَن مَنَعَ شَيْئًا فَهو حِدادٌ. قالَ الأعْشى:

؎ فَقُمْنا ولَمّا يَصِحْ دِيكُنا ∗∗∗ إلى جَوْنَةٍ عِنْدَ حَدّادِها

(p-١٩٤)أيْ: عِنْدَ رَبِّها الَّذِي يَمْنَعُها إلّا بِما يُرِيدُهُ. وأحَدَّتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها وحَدَّتْ، فَهي حادٌّ، ومُحِدٌّ: إذا قَطَعَتِ الزِّينَةَ، وامْتَنَعَتْ مِنها، وأحْدَدَتِ النَّظَرَ إلى فُلانٍ: إذا مَنَعْتَ نَظَرَكَ مِن غَيْرِهِ. وسُمِّيَ الحَدِيدُ حَدِيدًا، لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ بِهِ الأعْداءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَيانِ الَّذِي ذَكَرَ.

2:188Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ، وعَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ، اخْتَصَما في أرْضٍ، وكانَ عَبْدانُ هو الطّالِبُ ولا بَيِّنَةَ لَهُ، فَأرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَقَرَأ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ٧٧ ] . فَكَرِهَ أنْ يَحْلِفَ، ولَمْ يُخاصِمْ في الأرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ، مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. ومَعْنى الآَيَةِ: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والباطِلُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِن مالِكِهِ، كالسَّرِقَةِ، والغَصْبِ، والخِيانَةِ. والثّانِي: أنْ يَأْخُذَهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ، كالقِمارِ، والغِناءِ، وثَمَنِ الخَمْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الباطِلُ: الظُّلْمُ. "وَتَدْلُوا" أصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن: أدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها، ودَلَوْتُها: إذا أخْرَجْتَها. ومَعْنى أدْلى فَلانٌ بِحُجَّتِهِ: أرْسَلَها، وأتى بِها عَلى صِحَّةِ. فَمَعْنى الكَلامِ: تَعْمَلُونَ عَلى ما يُوجِبُهُ إدْلاءُ الحُجَّةِ، وتَخُونُونَ في الأمانَةِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الحُجَّةَ عَلَيْكم في الباطِنِ.

وَفِي ها "بِها" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأمْوالِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُصانِعُوا بِبَعْضِها جُوَرَةَ الحُكّامِ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الخُصُومَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أعادَ ذِكْرَ (p-١٩٥)الأكْلِ فَقالَ: "وَلا تَأْكُلُوا" "لِتَأْكُلُوا" فالجَوابُ: أنَّهُ وصَلَ اللَّفْظَةَ الأوْلى بِالباطِلِ، والثّانِيَةَ بِالإثْمِ، فَأعادَها لِلزِّيادَةِ في المَعْنى، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

2:189Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ .

هَذِهِ الآَيَةُ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿والحَجِّ﴾ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وهو «أنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا، ثُمَّ يَزِيدُ ويَمْتَلِئُ حَتّى يَسْتَدِيرَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدُقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ إلى آخِرِها، يَدُلُّ عَلى سَبَبٍ آَخَرَ، وهو أنَّهم كانُوا إذا حَجُّوا، ثُمَّ قَدِمُوا المَدِينَةَ، لَمْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ، ويَأْتُونَ البُيُوتَ مِن ظُهُورِها، فَنَسِيَ رَجُلٌ، فَدَخَلَ مِن بابٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ هَذا قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

وَفِيما كانُوا لا يَدْخُلُونَ البُيُوتَ مِن أبْوابِها لِأجْلِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الإحْرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ النَّهْشَلِيُّ. والثّانِي: لِأجْلِ دُخُولِ الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ. والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا هَمَّ أحَدُهم بِالشَّيْءِ فاحْتَبَسَ عَنْهُ؛ لَمْ يَأْتِ بَيْتَهُ مِن بابِهِ حَتّى يَأْتِيَ الَّذِي كانَ (p-١٩٦)هَمَّ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ فَعَلُوا ذَلِكَ، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ؛ فَإنَّما سَألُوهُ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ الأهِلَّةِ ونُقْصانِها، فَأخْبَرَهم أنَّها مَقادِيرٌ لِما يَحْتاجُ النّاسُ إلَيْهِ في صَوْمِهِمْ وحَجِّهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ. والأهِلَّةُ: جَمْعُ هِلالٍ. وكَمْ يَبْقى الهِلالُ عَلى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ؟ فِيهِ لِلْعَرَبِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ. والثّانِي: لِثَلاثِ لَيالٍ، ثُمَّ يُسَمّى: قَمَرًا. والثّالِثُ: إلى أنْ يَحْجُرَ، وتَحْجِيرُهُ: أنْ يَسِيرَ بِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ. والرّابِعُ: إلى أنْ يُبْهِرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ. حَكى هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ السَّرِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ، قالَ: واشْتِقاقُ الهِلالِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذا بَكى حِينَ يُولَدُ. وأهْلُ القَوْمِ بِالحَجِّ: إذا رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ، فَسُمِّيَ هِلالًا، لِأنَّهُ حِينَ يَرى يَهِلُّ النّاسُ بِذِكْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ مَثَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في البُيُوتِ وما أشْبَهَها، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ باءٍ "البِيُوتَ" وعَيْنِ "العِيُونِ" وغَيْنِ "الغِيُوبِ" ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ ضَمَّ باءَ "البُيُوتِ" وعَيْنِ "العُيُونَ" وغَيْنَ "الغُيُوبِ" وجِيمَ "الجُيُوبِ" وشِينَ "الشُّيُوخِ" ورَوى عَنْهُ قالُونُ أنَّهُ كَسَرَ باءَ "البُيُوتِ" وقَرَأ أبُو عُمَرَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ، وكَسَرَهُنَّ جَمِيعًا حَمْزَةُ، واخْتَلَفَ عَنْ عاصِمٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن ضَمَّ "البُيُوتَ" فَعَلى أصْلِ الجَمْعِ: بَيْتٌ وبُيُوتٌ، مِثْلُ: قَلْبٍ وقُلُوبٍ، وفَلْسٍ وفُلُوسٍ. ومِن كَسْرِ، فَإنَّما كَسَرَ لِلْياءِ الَّتِي بَعْدَ الباءِ، وذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَدِيءٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعَوْلٌ بِكَسْرِ الفاءِ. وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: إذا كانَ الجَمْعُ عَلى فَعَوْلٍ، وثانِيهِ ياءٌ؛ جازَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ، تَقُولُ: بُيُوتٌ وبِيُوتٌ، وشُيُوخٌ وشِيُوخٌ، وقُيُودٌ وقِيُودٌ.

2:190Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

(p-١٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمّا صَدَّ عَنِ البَيْتِ، ونَحَرَ هَدْيَهُ بِالحُدَيْبِيَةَ، وصالَحَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ؛ رَجَعَ، فَلَمّا تَجَهَّزَ في العامِ المُقْبِلِ؛ خافَ أصْحابُهُ أنْ لا تَفِي لَهم قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وأنْ يَصُدُّوهم ويُقاتِلُوهم، وكَرِهَ أصْحابُهُ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: ولا تَظْلِمُوا. وفي المُرادِ بِهَذا الِاعْتِداءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَ النِّساءَ والوِلْدانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لا تُقاتِلُوا مَن لَمْ يُقاتِلْكم قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ إتْيانٌ ما نُهُوا عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتِداؤُهم بِالقِتالِ في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ. واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ في المَنسُوخِ مِنها عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أوَّلُها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قالُوا: وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القِتالَ يُباحُ في حَقِّ مَن قاتَلَ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُباحُ في حَقِّ مَن لَمْ يُقاتِلْ، وهَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ . والثّانِي: أنَّ المَنسُوخَ مِنها: (وَلا تَعْتَدُوا) ولِهَؤُلاءِ في هَذا الِاعْتِداءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَتَلَ مَن لَمْ يُقاتِلْ. والثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ المُشْرِكِينَ بِالقِتالِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةُ، ومَعْناها عِنْدَ أرْبابِ هَذا القَوْلُ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ (p-١٩٨)الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوا أنْفُسَهم لِلْقِتالِ، فَأمّا مَن لَيْسَ بِمُعَدٍّ نَفْسَهُ لِلْقِتالِ، كالرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الفُناةِ، والزَّمْنى، والمَكافِيفِ، والمَجانِينِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُقاتِلُونَ، وهَذا حُكْمٌ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ.

فَصْلٌ

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أوَّلِ آَيَةٍ نَزَلَتْ في إباحَةِ القِتالِ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [ الحَجِّ: ٣٩ ] . قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ. والثّانِي: أنَّها هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском