Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:21–29
2:21Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ دُونَ غَيْرِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. و"النّاسُ" اسْمٌ لِلْحَيَوانِ الآَدَمِيِّ. وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَحَرُّكِهِمْ في مُراداتِهِمْ. والنَّوْسُ: الحَرَكَةُ. وقِيلَ: سُمُّوا أُناسًا لِما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ. (p-٤٨)وَفِي المُرادِ بِالعِبادَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: التَّوْحِيدُ، . والثّانِي: الطّاعَةُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والخَلْقُ: والإيجادُ. وإنَّما ذَكَرَ مَن قَبْلَهم، لِأنَّهُ أبْلُغُ في التَّذْكِيرِ، وأقْطَعُ لِلْجَحْدِ، وأحْوَطُ في الحُجَّةِ. وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ مَن قَبْلَهم، لِيُنَبِّهَهم عَلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِهِمْ مِن إثابَةِ مُطِيعٍ، ومُعاقِبَةِ عاصٍ.
وَفِي "لَعَلَّ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى كَيْ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ:
؎ وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثِّقِ
؎ فَلْمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَلَمْعِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ
يُرِيدُ: لِكَيْ نَكُفَّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ وقُطْرُبٌ وابْنُ كَيْسانَ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى التَّرَجِّي، ومَعْناها: اعْبُدُوا اللَّهَ راجِينَ لِلتَّقْوى، ولِأنْ تَقُوا أنْفُسَكم بِالعِبادَةِ - عَذابُ رَبِّكم. وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ الشِّرْكَ، وقالَ الضَّحّاكُ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ النّارَ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَعَلَّكم تُطِيعُونَ.
2:22Page 4
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢
[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ .
إنَّما سُمِّيَتِ الأرْضُ أرْضًا لِسِعَتِها، مِن قَوْلِهِمْ: أرِضَتِ القُرْحَةُ: إذا اتَّسَعَتْ.
وَقِيلَ: لِانْحِطاطِها عَنِ السَّماءِ، وكُلُّ ما سَفَلَ: أرْضٌ، وقِيلَ: لِأنَّ النّاسَ يَرُضُّونَها بِأقْدامِهِمْ، وسُمِّيَتِ السَّماءُ سَماءً لِعُلُوِّها. قالَ الزَّجّاجُ: وكُلُّ ما عَلا عَلى الأرْضِ فاسْمُهُ بِناءً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البِناءُ هاهُنا بِمَعْنى السَّقْفِ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّحابِ.
﴿ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ.
**
(p-٤٩)﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ يَعْنِي: شُرَكاءَ، أمْثالًا. يُقالُ: هَذا نِدُّ هَذا، ونِدِيدُهُ. وفِيما أُرِيدَ بِالأنْدادِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، . والثّانِي: رِجالٌ كانُوا يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماءَ، وأنْزَلَ الماءَ، وفَعَلَ ما شَرَحَهُ في هَذِهِ الآَياتِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
الثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ في كِتابِكُمُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ.
والثّالِثُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ العِلْمُ هاهُنا بِمَعْنى العَقْلِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلٍ ما ذَكَرَهُ أحَدٌ سِواهُ. ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
والسّادِسُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها حِجارَةٌ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ.
2:23Page 4
وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣
And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ .
سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا: هَذا الَّذِي يَأْتِينا بِهِ مُحَمَّدٌ لا يُشْبِهُ الوَحْيَ، وإنّا لَفي شَكٍّ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ. و"إنَّ" هاهُنا لِغَيْرِ شَكٍّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهم مُرْتابُونَ، ولَكِنَّ هَذا عادَةُ العَرَبِ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي. وقِيلَ: إنَّها هاهُنا بِمَعْنى إذْ، قالَ أبُو زَيْدٍ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٧٨ ] .
**
(p-٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّورَةُ تُهْمَزُ ولا تُهْمَزُ، فَمَن هَمَزَها جَعَلَها مِن أسْأرَتْ، يَعْنِي [أفْضَلَتْ ] لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآَنِ، ومَن لَمْ يَهْمِزْها جَعَلَها مِن سُورَةِ البِناءِ، أيْ: مَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ. قالَ النّابِغَةُ في النُّعْمانِ:
؎ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلِكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
والسُّورَةُ في هَذا البَيْتِ: سُورَةُ المَجْدِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن سُورَةِ البِناءِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما سُمِّيَتِ السُّورَةُ سُورَةً لِأنَّهُ يَرْتَفِعُ فِيها مِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، مِثْلُ سُورَةِ البِناءِ. مَعْنى: أعْطاكَ سُورَةً، أيْ: مَنزِلَةَ شَرَفٍ ارْتَفَعَتْ إلَيْها عَنْ مَنازِلِ المُلُوكِ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ سُورَةً لِشَرَفِها، تَقُولُ العَرَبُ: لَهُ سُورَةٌ في المَجْدِ، أيْ: شَرَفٌ وارْتِفاعٌ، أوْ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآَنِ مِن قَوْلِكَ: أسَأرْتُ سُؤْرًا، أيْ: أبْقَيْتُ بَقِيَّةً، وفي هاءِ "مِثْلِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى القُرْآَنِ المُنَزَّلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ هَذا العَبْدِ الأُمِّيِّ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ: تَكُونُ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَلى الأوَّلِ: تَكُونُ زائِدَةً.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: اسْتَعِينُوا مِنَ المَعُونَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ والفَرّاءُ. والثّانِي: اسْتُغِيثُوا مِنَ الِاسْتِغاثَةِ، وأنْشَدُوا:
؎ فَلَمّا التَقَتْ فُرْسانُنا ورِجالُهم دَعَوْا يا لَ كَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ
وَهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: (p-٥١)وَفِي شُهَدائِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: أنَّهم آَلِهَتُهم قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمُّوا شُهَداءَ، لِأنَّهم يُشْهِدُونَهم، ويُحْضِرُونَهم. وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم عَبَدُوهم لِيَشْهَدُوا لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أعْوانُهم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوا بِناسٍ يَشْهَدُونَ أنَّ ما تَأْتُونَ بِهِ مِثْلَ القُرْآَنِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم إنَّ هَذا القُرْآَنَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
2:24Page 4
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤
But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ في هَذِهِ الآَيَةِ مُضْمَرٌ مُقَدَّرٌ، يَقْتَضِي الكَلامُ تَقْدِيمَهُ، وهو أنَّهُ لَمّا تَحَدّاهم بِما في الآَيَةِ الماضِيَةِ مِنَ التَّحَدِّي، فَسَكَتُوا عَنِ الإجابَةِ؛ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ، ولَمْ يَفْعَلُوا.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ: الحَطَبُ، وبِضَمِّها: التَّوَقُّدُ، كالوَضُوءِ بِالفَتْحِ: الماءُ، وبِالضَّمِّ: المَصْدَرُ، وهُوَ: اسْمُ حَرَكاتِ المُتَوَضِّئِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وقُودُها، بِضَمِّ الواوِ، والِاخْتِيارُ الفَتْحُ. والنّاسُ أوْقَدُوا فِيها بِطَرِيقِ العَذابِ، والحِجارَةِ، لِبَيانِ قُوَّتِها وشِدَّتِها، إذْ هي مُحْرِقَةٌ لِلْحِجارَةِ. وفي هَذِهِ الحِجارَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أصْنامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّانِي: أنَّها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وهي أشَدُّ الأشْياءِ حَرًّا، إذا أُحْمِيَتْ يُعَذَّبُونَ بِها. ومَعْنى "أُعِدَّتْ": هُيِّئَتْ. وإنَّما خَوْفُهم بِالنّارِ إذا لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ القُرْآَنِ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوهُ، وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثَبَتَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، وصارَ الخِلافُ عِنادًا، وجَزاءُ المُعانِدِينَ النّارُ.(p-٥٢)
2:25Page 5
وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥
And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
البِشارَةُ: أوَّلُ خَبَرٍ يَرِدُ عَلى الإنْسانِ، وسُمِّيَ بِشارَةً، لِأنَّهُ يُؤَثِّرُ في بَشْرَتِهِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا، أثَرُ المَسَرَّةِ والِانْبِساطِ، وإنَّ شَرًّا، أثَرُ الانْجِماعِ والغَمِّ، والأغْلَبُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِالخَيْرِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [ النِّساءِ: ١٣٨ ] .
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .
يَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ صالِحٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قالَ: أخْلِصُوا الأعْمالَ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أقامُوا الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ. فَأمّا الجَنّاتُ، فَجَمْعُ جَنَّةٍ. وسَمِّيَتِ الجَنَّةُ جَنَّةً، لِاسْتِتارِ أرْضِها بِأشْجارِها، وسُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا، لِاسْتِتارِهِمْ، والجَنِينُ مِن ذَلِكَ، والدِّرْعُ جَنَّةٌ، وجَنَّ اللَّيْلُ: إذا سَتَرَ، وذَكَرَ عَنِ المُفَضَّلِ أنَّ الجَنَّةَ: كُلُّ بُسْتانٍ فِيهِ نَخْلٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ كَثَفَ وكَثُرَ وسَتَرَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهو جَنَّةٌ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها لا مِن تَحْتِ أرْضِها.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: هَذا الَّذِي طُعِمْنا مِن قَبْلُ، فَرِزْقُ الغَداةِ كَرِزْقِ العَشِيِّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ إذا جُنِيَ خَلَفَهُ مِثْلُهُ، فَإذا رَأوْا ما خَلَفَ الجَنى، اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ.
**
(p-٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ .
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مُتَشابِهٌ في المَنظَرِ واللَّوْنِ، مُخْتَلِفٌ في الطَّعْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَشابِهٌ في جَوْدَتِهِ، لا رُدِئَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يُشْبِهُ ثِمارَ الدُّنْيا في الخِلْقَةِ والِاسْمِ، غَيْرَ أنَّهُ أحْسَنُ في المَنظَرِ والطَّعْمِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ الِامْتِنانِ بِمُتَشابِهِهِ، وكُلَّما تَنَوَّعَتِ المَطاعِمُ واخْتَلَفَتْ ألْوانُهُا كانَ أحْسَنَ؟! فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَشابِهُ المَنظَرِ مُخْتَلِفُ الطَّعْمِ، كانَ أغْرَبَ عِنْدَ الخُلُقِ وأحْسَنَ، فَإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ تُفّاحَةً فِيها طَعْمُ سائِرِ الفاكِهَةِ، كانَ نِهايَةً في العَجَبِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَشابِهٌ في الجَوْدَةِ؛ جازَ اخْتِلافُهُ في الألْوانِ والطُّعُومِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ يُشْبِهُ صُورَةَ ثِمارِ الدُّنْيا مَعَ اخْتِلافِ المَعانِي؛ كانَ أطْرَفَ وأعْجَبَ وكُلُّ هَذِهِ مَطالِبٌ مُؤَثِّرَةٌ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: في الخُلُقِ، فَإنَّهُنَّ لا يَحِضْنَ ولا يَبُلْنَ، ولا يَأْتِينَ الخَلاءَ. وفي الخُلُقِ، فَإنَّهُنَّ لا يَحْسُدْنَ، ويَغِرْنَ، ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَقِيَّةٌ عَنِ القَذى والأذى. قالَ الزَّجّاجُ: و"مُطَهَّرَةٌ" أبْلَغُ مِن طاهِرَةٍ، لِأنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ. والخُلُودُ: البَقاءُ الدّائِمُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ.
2:26Page 5
۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ .
فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الحَجُّ ٧٣ ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ (p-٥٤)اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [ العَنْكَبُوتُ: ٤١ ] . قالَتِ اليَهُودَ: وما هَذا مِنَ الأمْثالِ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩ ] قالَ المُنافِقُونَ: اللَّهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الأمْثالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ نَحْوُهُ.
والحَياءُ بِالمَدِّ: الِانْقِباضُ والِاحْتِشامُ، غَيْرَ أنَّ صِفاتِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ لا يَطَّلِعُ لَها عَلى ماهِيَةٍ، وإنَّما تَمُرُّ كَما جاءَتْ. وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "إنَّ رَبَّكم حَيِيٌّ كَرِيمٌ"» وقِيلَ: مَعْنى لا يَسْتَحْيِي: لا يَتْرُكُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ مَعْنى لا يَسْتَحْيِي: لا يَخْشى. ومَثَلُهُ: ﴿وَتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [ الأحْزابِ: ٣٧ ] أيْ: تَسْتَحْيِي مِنهُ. فالِاسْتِحْياءُ والخَشْيَةُ يَنُوبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآَخَرِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: لا يَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَذْكُرَ شَبَهًا، واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ المَثَلِ أنْ يَبِينَ لِلْمَضْرُوبِ لَهُ الأمْرُ الَّذِي ضَرَبَ لِأجَلِهِ، فَيَنْجَلِي غامِضُهُ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ .
ما زائِدَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ والبَصْرِيِّينَ. وأنْشَدُوا لِلنّابِغَةِ:
؎ [قالَتْ ]: ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا [إلى حَمامَتِنا أوْ نِصْفِهِ فَقَدَ ]
وَذَكَر أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ المَعْنى ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ "بَيْنَ" و"إلى" إذْ كانَ في نَصْبِ البَعُوضَةِ، ودُخُولِ الفاءِ في "ما" الثّانِيَةِ؛ دَلالَةٌ عَلَيْهِما، كَما قالَتْ (p-٥٥)العَرَبُ: مُطِرْنا مازِبالَةَ فالثَّعْلَبِيَّةُ، ولَهُ عِشْرُونَ ما ناقَةً فَجَمَلًا، وهي أحْسَنُ النّاسِ ما قَرَنا فَقَدَّما [يَعْنُونَ: ما بَيْنَ قَرْنِها إلى قَدَمِها ] . وقالَ غَيْرُهُ: نَصَبَ البَعُوضَةَ عَلى البَدَلِ مِنَ المَثَلِ.
وَرَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: "بَعُوضَةٌ" بِالرَّفْعِ، عَلى إضْمارِ هو. والبَعُوضَةُ: صَفِيرَةُ البَقِّ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما فَوْقَها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: فَما فَوْقَها في الكِبَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: فَما فَوْقَها في الصِّغَرِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: فَما دُونَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ يَكُونُ الفَوْقُ بِمَعْنى: دُونَ، وهو مِنَ الأضْدادِ، ومِثْلُهُ: الجَوْنُ؛ يُقالُ: لِلْأسْوَدِ والأبْيَضِ. والصَّرِيمِ: الصُّبْحُ، واللَّيْلُ. والسُّدْفَةُ: الظُّلْمَةُ، والضَّوْءُ. والحُلَلُ: الصَّغِيرُ، والكَبِيرُ. والنّاهِلُ: العَطْشانُ، والرَّيّانُ. والماثِلُ: القائِمُ، واللّاطِئُ بِالأرْضِ والصّارِخُ: المُغِيثُ، والمُسْتَغِيثُ. والهاجِدُ: المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، والنّائِمُ. والرَّهْوَةُ: الِارْتِفاعُ، والِانْحِدارُ. والتَّلْعَةُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، وما انْهَبَطَ مِنَ الأرْضِ. والظَّنُّ: يَقِينٌ، وشَكٌّ. والأقْراءُ: الحَيْضُ، والِاطِّهارُ. والمُفَرَّعُ في الجَبَلِ: المِصْعَدُ، والمُنْحَدَرُ. والوَراءُ: خَلْفًا، وقَدّامًا. وأسْرَرْتُ الشَّيْءَ: أخْفَيْتُهُ، وأعْلَنْتُهُ. وأخْفَيْتُ الشَّيْءَ: أظْهَرْتُهُ وكَتَمَتْهُ. ورَتَوْتُ الشَّيْءَ: شَدَدْتُهُ، وأرْخَيْتُهُ. وشَعَّبْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ، وفَرَّقْتُهُ. وبِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: بِعْتُهُ، واشْتَرَيْتُهُ. وشَرَيْتُ الشَّيْءَ: اشْتَرَيْتُهُ، وبِعْتُهُ. والحَيُّ خُلُوفٌ: غُيَّبٌ، ومُخْتَلِفُونَ.
**
واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ هَلْ هو مِن تَمامِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦ ] أوْ هو مُبْتَدَأٌ مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
(p-٥٦)أحَدُهُما: أنَّهُ تَمامُ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهم قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، يَضِلُّ بِهِ هَذا، ويَهْدِي بِهِ هَذا؟! [ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ والخَبَرُ عَنِ اللَّهِ ] فَقالَ اللَّهُ: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦ ] .
والثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.
فَأمّا الفِسْقُ؛ فَهو في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ، يُقالُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ: إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها. فالفاسِقُ: الخارِجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.
وَفِي المُرادِ بِالفاسِقِينَ هاهُنا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.
2:27Page 5
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ .
هَذِهِ صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ، وقَدْ سَبَقَتْ فِيهِمُ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ. والنَّقْضُ: ضِدُّ الإبْرامِ، ومَعْناهُ: حِلُّ الشَّيْءِ بَعْدَ عَقْدِهِ. ويَنْصَرِفُ النَّقْضُ إلى كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ، فَنَقْضُ البِناءِ: تَفْرِيقُ جَمْعِهِ بَعْدَ إحْكامِهِ. ونَقُضُ العَهْدِ: الإعْراضُ عَنِ المَقامِ عَلى أحْكامِهِ.
وَفِي هَذا العَهْدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما عَهِدَ إلى أهْلِ الكِتابِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والوَصِيَّةُ بِاتِّباعِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآَنِ، فَأقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آَدَمَ مِن ظَهْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَنَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْ ذَلِكَ العَهْدَ فَقَدْ ثَبَتَ بِخَبَرِ الصّادِقِ، فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ.
وَفِي "مِن" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، . والثّانِي: أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ نَقْضِ العَهْدِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ. وفي هاءِ "مِيثاقِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، . والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَهْدِ، فَتَقْدِيرُهُ: بَعْدَ إحْكامِ التَّوْفِيقِ فِيهِ.
(p-٥٧)وَفِي: الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُوصِلَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ. أحَدُها: الرَّحِمُ والقَرابَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الإيمانُ بِاللَّهِ، وأنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، فَآَمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي فَسادِهِمْ في الأرْضِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُهُمُ النّاسَ إلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ بِالمَعاصِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ عَلى مَن جاءَ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، لِيَمْنَعُوا النّاسَ مِنَ الإسْلامِ.
والخُسْرانُ في اللُّغَةِ: النُّقْصانُ.
2:28Page 5
كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨
How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ في كَيْفَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اعْجَبُوا مِن هَؤُلاءِ كَيْفَ يَكْفُرُونَ، وقَدْ ثَبَتَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. تَقْدِيرُهُ: ويَحْكُمُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ قالَ العَجّاجُ:
؎ أطْرَبا وأنْتَ قَنَسْرِي [والدَّهْرُ بِالإنْسانِ دَوّارِي ]
أرادَ: أتَطْرَبُ وأنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟! قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
**
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ .
قالَ الفَرّاءُ أيْ: وقَدْ كُنْتُمْ أمْواتًا. ومِثْلُهُ ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٩٠ ] أيْ: قَدْ حَصِرَتْ. ومِثْلُهُ: ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [ يُوسُفَ: ٢٦ ] أيْ: فَقَدْ كَذَبَتْ، ولَوْلا إضْمارُ "قَدْ" لَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ في الكَلامِ.
وَفِي الحَياتَيْنِ، والمَوْتَتَيْنِ أقْوالٌ. أصَحُّها: أنَّ المَوْتَةَ الأُولى، كَوْنُهم نُطَفًا وعُلَقًا (p-٥٨)وَمُضَغًا، فَأحْياهم في الأرْحامِ، ثُمَّ يُمِيتُهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إلى الدُّنْيا، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وثَعْلَبٍ، والزَّجّاجِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، وابْنِ الأنْبارِيِّ.
2:29Page 5
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩
It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِأجْلِكم، فَبَعْضُهُ لِلِانْتِفاعِ، وبَعْضُهُ لِلِاعْتِبارِ.
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ إلى خُلُقِها، والسَّماءِ: لَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناها، مَعْنى الجَمْعِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ .
وَأيُّهُما أسْبَقُ في الخَلْقِ: الأرْضُ، أمِ السَّماءُ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الأرْضُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: السَّماءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تَكْمِيلِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَدَأ بِخَلْقِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: جَمَعَ خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُتَوالِيَةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ في يَوْمَيْنِ.
والعَلِيمُ: جاءَ عَلى بِناءِ: فَعِيلٍ، لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ بِكَمالِ العِلْمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences