Ibn al-JawziAl‑Baqarah · 2:40–56

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:40–56

2:40Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ .

إسْرائِيلُ: هو يَعْقُوبُ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَعْناهُ: عَبْدُ اللَّهِ. وقَدْ لَفَظَتْ بِهِ العَرَبُ عَلى أوْجُهٍ، فَقالَتْ: إسْرائِلُ، وإسْرالُ، وإسْرائِيلُ، وإسْرائِينُ.

قالَ أُمَيَّةُ:

؎ إنَّنِي زارِدُ الحَدِيدِ عَلى النّا سِ دُرُوعًا سَوابِغَ الأذْيالِ ∗∗∗ لا أرى مَن يُعِينُنِي في حَياتِي ∗∗∗ غَيْرُ نَفْسِي إلّا بَنِي إسْرالِ

وَقالَ أعْرابِيٌّ صادَ ضَبًّا، فَأتى بِهِ أهْلَهُ:

؎ يَقُولُ أهْلُ السُّوقِ لَمّا جِينا: ∗∗∗ هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا

أرادَ: هَذا مِمّا مُسِخَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

والنِّعْمَةُ: المِنَّةُ، مِثْلُها: النَّعْماءُ. والنَّعْمَةُ، بِفَتْحِ النُّونِ: التَّنَعُّمُ، وأرادَ بِالنِّعْمَةِ: النِّعَمُ فَوَحَّدَها، لِأنَّهم يَكْتَفُونَ بِالواحِدِ مِنَ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ التَّحْرِيمُ: أيْ: ظُهَراءَ.

وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها ما اسْتَوْعَدَهم مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي (p-٧٣)فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آَبائِهِمْ وأجْدادِهِمْ إذْ أنْجاهم مِن آَلِ فِرْعَوْنَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم، وأعْطاهُمُ التَّوْراةُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ.

وَإنَّما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما أعْطى آَباءَهم، لِأنَّ فَخْرَ الآَباءِ فَخْرٌ لِلْأبْناءِ، وعارُ الآَباءِ عارٌ عَلى الأبْناءِ.

والثّالِثُ: أنَّها جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَصْرِيفِ الأحْوالِ.

والمُرادُ مِن ذِكْرِها: شُكْرُها، إذْ مَن لَمْ يَشْكُرْ فَما ذَكَرَ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: أوْفَيْتُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: وفَيْتُ، بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ وأنْشَدَ:

؎ أمّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما وفّى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَيْتُ بِالعَهْدِ، وأوْفَيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرَ.

وَفِي المُرادِ بِعَهْدِهِ: أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ امْتِثالُ الأوامِرِ، واجْتِنابُ النَّواهِي، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [ المائِدَةِ: ١٣ ] قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أيْ: خافُونِ.

2:41Page 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، فَإنَّ القُرْآَنَ يُصَدِّقُهُما أنَّهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُوافِقُهُما في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ .

(p-٧٤)﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ .

إنَّما قالَ: أوَّلُ كافِرٍ، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ إلى الكُفْرِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذِ المُبادِرُ لَمْ يَتَأمَّلِ الحُجَّةَ، وإنَّما بادَرَ بِالعِنادِ، فَحالُهُ أشَدُّ. وقِيلَ: وتَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ بَعْدَ أنْ آَمَنَ، والخِطابُ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ.

وَفِي هائِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى المَنزِلِ، قالَهُ ابْنُ مسُعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى ما مَعَهم، لِأنَّهم إذا كَتَمُوا وصْفَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مَعَهم، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ .

أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا [بِآَياتِي ] ثَمَنًا قَلِيلًا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. والثّانِي: بَقاءُ رِئاسَتِهِمْ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ الدِّينِ.

2:42Page 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

تَلْبِسُوا: بِمَعْنى تَخْلِطُوا. يُقالُ: لَبَّسْتُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ، أُلْبِسُهُ: إذا عَمَيْتُهُ عَلَيْهِمْ، وتَخْلِيطُهُمْ: أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ مِنَ العَرَبِ.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

2:43Page 7

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ .

يُرِيدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وهي هاهُنا اسْمُ جِنْسٍ، والزَّكاةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ، والزِّيادَةُ. يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ يَزْكُو زُكاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الزَّكاةِ في كَلامِ العَرَبِ: الزِّيادَةُ والنَّماءُ، فَسُمِّيَتْ زَكاةً، لِأنَّها تَزِيدُ في المالِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ، وتُوَفِّرُهُ، وتَقِيهِ مِنَ الآَفاتِ. ويُقالُ: هَذا أزْكى مِن ذاكَ، أيْ: أزْيَدُ فَضْلًا مِنهُ.

(p-٧٥)

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ .

أيْ: صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ، والصَّحابَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ الرُّكُوعَ، لِأنَّهُ لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ. وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

2:44Page 7

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤

Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِقَرابَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ في السِّرِّ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ حَقٌّ. والألِفُ في "أتَأْمُرُونَّ" ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ.

وَفِي "البَرِّ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ التَّمَسُّكُ بِكِتابِهِمْ، كانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِهِ ولا يَقُومُونَ بِهِ. والثّانِي: اتِّباعُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، كانُوا يَأْمُرُونَ بِها، ويَبْخَلُونَ. ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ. وفي "الكِتابِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، فَلا يَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلْيَهُودِ.

2:45Page 7

وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥

And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ الأصْلُ في الصَّبْرِ: الحَبْسُ، فالصّابِرُ حابِسٌ لِنَفْسِهِ عَنِ الجَزَعِ. وسُمِّيَ الصّائِمُ صابِرًا لِحَبْسِهِ نَفْسَهُ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، والمَصْبُورَةُ: البَهِيمَةُ تُتَّخَذُ غَرَضًا. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ هاهُنا: الصَّوْمُ.

وَفِيما أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَدَمُ الرِّئاسَةِ، وهو خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، ووَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ أنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآَخِرَةِ، ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا.

(p-٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّها﴾ في المُكَنّى عَنْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها الكَعْبَةُ والقِبْلَةُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الصَّلاةَ، دَلَّتْ عَلى القِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها الِاسْتِعانَةُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ دَلَّ عَلى الِاسْتِعانَةِ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ قالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: الكَبِيرَةُ: الثَّقِيلَةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [ الشُّورى: ١٣ ] أيْ: ثِقَلٌ، والخُشُوعُ في اللُّغَةِ: التَّطامُنُ والتَّواضُعُ، وقِيلَ: السُّكُونُ.

2:46Page 7

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .

الظَّنُّ هاهُنا: بِمَعْنى اليَقِينِ، ولَهُ وُجُوهٌ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِ "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" .

2:47Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ يَعْنِي: عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

2:48Page 7

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آَباءَها الأنْبِياءَ تَشْفَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَآَيَسَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآَيَةِ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ [فِيهِ ] إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا عَذابَ يَوْمٍ، أوْ ما في يَوْمٍ. والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ و"تَجْزِي" بِمَعْنى تَقْضِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: جَزى الأمْرَ عَنِّي يَجْزِي، بِغَيْرِ هَمْزٍ، أيْ: قَضى عَنِّي، وأجْزَأنِي بُجْزِئُنِي، مَهْمُوزٌ، أيْ: كَفانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ﴾ قالُوا المُرادُ بِالنَّفْسِ هاهُنا: النَّفْسُ الكافِرَةُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

(p-٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا تَقْبَلُ مِنها شَفاعَة ) .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، إلّا أنَّ قَتادَةَ فَتَحَ الياءَ، ونَصَبَ الشَّفاعَةَ، لِيَكُونَ الفِعْلُ لِلَّهِ تَعالى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ هَذا الفِعْلَ مُؤَنَّثٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يُلْحِقَ المُسْنَدَ أيْضًا عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ التَّأْنِيثَ في الِاسْمِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى، كَما أنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي الآَيَةِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يُقْبَلُ مِنها فِيهِ شَفاعَةٌ. والشَّفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخالِفُ الوِتْرَ، وذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الشَّفِيعِ يَشْفَعُ سُؤالُ المَشْفُوعِ لَهُ.

فَأمّا "العَدْلُ" فَهو الفِداءُ، وسُمِّيَ عَدْلًا، لِأنَّهُ يُعادِلُ المُفَدّى. واخْتَلَفَ اللُّغَوِيُّونَ: هَلِ "العَدْلُ" و"العِدْلُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها، يَخْتَلِفانِ، أمْ لا؟ فَقالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والعِدْلُ بِكَسْرِها: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن جِنْسِهِ، فَهو المَثَلُ، تَقُولُ: عِنْدِي عَدْلُ غُلامِكَ، بِفَتْحِ العَيْنِ: إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وعِنْدِي عِدْلُ غُلامِكَ، بِكَسْرِ العَيْنِ: إذا كانَ غُلامٌ يَعْدِلُ غُلامًا. وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّ العَدْلَ والعِدْلَ في مَعْنى المَثَلِ، وأنَّ المَعْنى واحِدٌ، سَواءٌ كانَ المَثَلُ مِنَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِ الجِنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

2:49Page 8

وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩

And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا إذْ نَجَّيْناكم، وهَذِهِ النِّعَمُ عَلى آَبائِهِمْ كانَتْ. وفي آَلِ فِرْعَوْنَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وهَلِ الآَلُ والأهْلُ بِمَعْنًى، أوْ يَخْتَلِفانِ؟ فِيهِ قَوْلانِ: وقَدْ شَرَحْتُ مَعْنى الآَلِ في كِتابِ "النَّظائِرِ" وفِرْعَوْنُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو لَقَبُهُ. وفي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: الوَلِيدُ بْنُ (p-٧٨)مُصْعَبٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: فَيَطُوسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. والرّابِعُ: مُغِيثٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم. يُقالُ: فَلانٌ يَسُومُكَ خَسْفًا، أيْ: يُوَلِّيكَ ذُلًّا واسْتِخْفافًا. وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ. وكانَ الزَّجّاجُ يَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾، وأبى هَذا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، فَقالَ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما في مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَقالَ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٦ ] وإنَّما سُوءُ العَذابِ: اسْتِخْدامُهم في أصْعَبِ الأعْمالِ، وقالَ: الفَرّاءُ: المَوْضِعُ الَّذِي طُرِحَتْ فِيهِ الواوُ، تَفْسِيرٌ لِصِفاتِ العَذابِ، والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الواوُ، يُبَيِّنُ أنَّهُ قَدْ مَسَّهم مِنَ العَذابِ غَيْرُ الذَّبْحِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يُعَذِّبُونَكم بِغَيْرِ الذَّبْحِ وبِالذَّبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَبِقُونَ نِساءَكم، أيْ: بَناتَكم. وإنَّما اسْتَبَقُوا نِساءَهم لِلِاسْتِذْلالِ والخِدْمَةِ.

وَفِي البَلاءِ هَهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ النِّقْمَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ "ذا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ عائِدًا عَلى سَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُعُودُ عَلى النَّجاةِ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ. قالَ أبُو العالِيَةِ: وكانَ السَّبَبُ في ذَبْحِ الأبْناءِ، أنَّ الكَهَنَةَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: سَيُولَدُ العامُ بِمِصْرَ غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، فَقَتَلَ الأبْناءَ. قالَ الزَّجّاجُ: فالعَجَبُ مِن حُمْقِ فِرْعَوْنَ، إنْ كانَ الكاهِنُ عِنْدَهُ صادِقًا، فَما يَنْفَعُ القَتْلُ؟! وإنْ كانَ كاذِبًا؛ فَما مَعْنى القَتْلِ؟!

2:50Page 8

وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الفَرَقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ و"بِكُمْ" بِمَعْنى "لَكُمْ" . وإنَّما ذَكَرَ آَلَ فِرْعَوْنَ دُونَهُ، لِأنَّهُ (p-٧٩)قَدْ عَلِمَ كَوْنَهُ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِن نَظَرِ العَيْنِ، مَعْناهُ: وأنْتُمْ تَرَوْنَهم يَغْرَقُونَ. والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [ الفَرْقانُ: ٤٥ ] قالَهُ الفَرّاءُ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ بِكْرُ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَقالَ: لا تَتْبَعُوهم حَتّى يَصِيحَ الدِّيكُ، لِيَلْتَئِذٍ. قالَ أبُو السَّلِيلِ: لَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هِيهِ أبا خالِدٍ، فَأخَذَهُ أفْكَلُ، يَعْنِي: رِعْدَةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: تَفَرَّقَ الماءُ يَمِينًا وشِمالًا كالجَبَلَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ، وفِيهِما كُوًى يَنْظُرُ كُلُّ سِبْطٍ إلى الآَخِرِ. قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا رَآَهُ فِرْعَوْنُ مُتَفَرِّقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ البَحْرَ فَرَقَ مِنِّي، فانْفَتَحَ لِي؟! فَأتَتْ خَيْلُ فِرْعَوْنَ فَأبَتْ أنْ تَقْتَحِمَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةَ، فَتَشامَتَ الحِصْنُ رِيحُ الماذَيانَةِ، فاقْتَحَمَتْ في إثْرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، ودَخَلَ آَخِرُهم أمَرَ البَحْرَ أنْ يَأْخُذَهم، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ.

2:51Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ .

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو: "وَعَدْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي (الأعْرافِ) و(طَهَ) ووافَقَهُما أبانُ عَنْ عاصِمٍ في (البَقَرَةِ) خاصَّةً. وقَرَأ الباقُونَ "واعَدْنا" بِألِفٍ. ووَجْهُ القِراءَةِ الأُولى: إفْرادُ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الثّانِيَةِ: أنَّهُ لَمّا قَبِلَ مُوسى وعْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، صارَ ذَلِكَ مُواعَدَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى. ومِثْلُهُ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٣٥ ] .

وَمَعْنى الآَيَةِ: وعَدْنا مُوسى تَتِمَّةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، أوِ انْقِضاءِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ومُوسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: مُوشا، فَمُو: هو الماءُ، وشا: هو الشَّجَرُ، لِأنَّهُ وجَدَ عِنْدَ (p-٨٠)الماءِ والشَّجَرِ، فَعَرَّبَ بِالسِّينِ. ولِماذا كانَ هَذا الوَعْدُ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأخْذِ التَّوْراةِ.

والثّانِي: لِلتَّكْلِيمِ. وفي هَذِهِ المُدَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِإعْطاءِ التَّوْراةِ. والثّانِي: أنَّها ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِلتَّكْلِيمِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللَّيالِي دُونَ الأيامِ، لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ التَّأْرِيخُ بِاللَّيالِي، لِأنَّ أوَّلَ شَهْرٍ لَيْلُهُ، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّيالِي، لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ هَذِهِ الأيّامَ ويُواصِلُها بِاللَّيالِي، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّيالِيَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

2:52Page 8

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ.

الإشارَةُ إلى اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا انْطَلَقَ مُوسى، واسْتَخْلَفَ هارُونَ، قالَ هارُونُ: يا بَنِي إسْرائِيلَ: إنَ الغَنِيمَةَ لا تَحِلُّ لَكم، وإنَّ حُلِيَّ القِبْطِ غَنِيمَةٌ فاجْمَعُوهُ واحْفُرُوا لَهُ حَفِيرَةً، فادْفِنُوهُ، فَإنْ أحَلَّهُ مُوسى فَخُذُوهُ، وإلّا كانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ، فَفَعَلُوا. قالَ السُّدِّيُّ: وكانَ جِبْرِيلُ قَدْ أتى إلى مُوسى لِيَذْهَبَ بِهِ إلى رَبِّهِ، فَرَآَهُ السّامِرِيُّ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: إنَّ لِهَذا شَأْنًا، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن أثَرِ حافِرِ الفَرَسِ، فَقَفَها في الحَفِيرَةِ، فَظَهَرَ العِجْلُ. وقِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ أمَرَهم بِإلْقاءِ ذَلِكَ الحُلِيِّ، وقالَ إنَّما طالَتْ غَيْبَةُ مُوسى عَنْكم لِأجْلِ ما مَعَكم مِنَ الحُلِيِّ، فاحْفُرا لَها حَفِيرَةً وقَرِّبُوهُ إلى اللَّهِ، يَبْعَثْ لَكم نَبِيَّكم، فَإنَّهُ كانَ عارِيَةً، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي سَبَبِ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ عِجْلًا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ السّامِرِيَّ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَكانَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، . والثّانِي: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا مَرُّوا عَلى قَوْمٍ (p-٨١)يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم، أعْجَبَهم ذَلِكَ، فَلَمّا سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ؛ أخْرَجَ السّامِرِيُّ لَهم في غَيْبَتِهِ عِجْلًا لِما رَأى مِنِ اسْتِحْسانِهِمْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِ العِجْلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ السّامِرِيَّ كانَ صَوّاغًا، فَصاغَهُ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ، قالَهُ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم حَفَرُوا حَفِيرَةً، وألْقَوْا فِيها حُلِيَّ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وعُوارِيهِمْ تُنَزُّهًا عَنْها، فَألْقى السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ، فَصارَ عِجْلًا. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَ لَحْمًا ودَمًا وجَسَدًا، فَقالَ لَهُمُ السّامِرِيُّ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى قَدْ جاءَ، وأخْطَأ مُوسى الطَّرِيقَ فَعَبَدُوهُ ودَفَنُوا حَوْلَهُ.

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ الكِتابُ: التَّوْراةُ. وفي الفُرْقانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ ما في التَّوْراةِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَيَكُونُ الفُرْقانُ نَعْتًا لِلتَّوْراةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الكِتابُ، فَكَرَّرَهُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ. قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

فَألْقى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

وَقالَ عَنْتَرَةُ:

؎ أقْوى وأفْقَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ

هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والرّابِعُ: أنَّهُ فَرَقَ البَحْرَ لَهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ. والخامِسُ: أنَّهُ القُرْآَنُ. ومَعْنى الكَلامِ: لَقَدْ آَتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

2:54Page 8

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (p-٨٢)القَوْمُ: اسْمٌ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ [ الحُجُراتُ: ١١ ] . وقالَ زُهَيْرٌ:

؎ وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أُقَوْمٌ آَلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟!

وَإنَّما سُمُّوا قَوْمًا، لِأنَّهم يَقُومُونَ بِالأُمُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكْسِرُونَ الهَمْزَةَ مِن غَيْرِ اخْتِلاسٍ ولا تَخْفِيفٍ. ورَوى اليَزِيدِيُّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بارِئِكُمْ) بِجَزْمِ الهَمْزَةِ. رَوى عَنْهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "بارِئِكُمْ" مَهْمُوزَةً غَيْرَ مُثَقَّلَةٍ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: كانَ أبُو عُمَرَ يَخْتَلِسُ الحَرَكَةَ فِي: "بارِئِكُمْ" و: "يَأْمُرُكُمْ" وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا تَتَوالى فِيهِ الحَرَكاتُ، فَيَرى مِن سَمْعِهِ أنَّهُ قَدْ أسْكَنَ ولَمْ يَسْكُنْ.

والبارِئُ: الخالِقُ. ومَعْنى ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِيَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَعْبُدْ لِيَقْتُلَ مَن عَبَدَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْعابِدِينَ فَحَسْبُ، أمَرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفِيٌّ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ "ذا" في "ذَلِكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى القَتْلِ. والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى التَّوْبَةِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا لِمُوسى: كَيْفَ يَقْتُلُ الآَباءُ الأبْناءَ، والإخْوَةُ الإخْوَةَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: فَما آَيَةُ تَوْبَتِنا؟ (p-٨٣)قالَ أنْ يَقُومَ السِّلاحُ فَلا يَقْتُلُ، وتُرْفَعَ الظُّلْمَةُ. فَقَتَلُوا حَتّى خاضُوا في الدِّماءِ، وصاحَ الصِّبْيانُ: يا مُوسى: العَفْوَ العَفْوَ. فَبَكى مُوسى، فَنَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وقامَ السِّلاحُ، وارْتَفَعَتِ الظُّلْمَةُ. قالَ مُجاهِدٌ: بَلَغَ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا. قالَ قَتادَةُ: جَعَلَ القَتْلَ لِلْقَتِيلِ شَهادَةً، ولِلْحَيِّ تَوْبَةً.

2:55–56Page 8

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ.﴾

فِي القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ أتاهم بِكِتابِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً؛ فَيَقُولُ هَذا كِتابِي. وفي "جَهْرَةً" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، أيْ: جَهَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّها الرُّؤْيَةُ البَيِّنَةُ، أيْ: أرَناهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنّا بِشَيْءٍ، يُقالُ: فَلانٌ يَتَجاهَرُ بِالمَعاصِي، أيْ: لا يَسْتَتِرُ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى "الصّاعِقَةِ": ما يُصْعَقُونَ مِنهُ، أيْ: يَمُوتُونَ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم ماتُوا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، فَقالَ هُناكَ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ والإفاقَةُ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، والبَعْثِ لِلْمَيِّتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَقَعُ مَيِّتًا. والثّانِي: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى إحْياءِ بَعْضٍ. والثّالِثُ: تَنْظُرُونَ العَذابَ كَيْفَ يَنْزِلُ بِكم، وهو قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ نارٌ فَأحْرَقَتْهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском