Ibn al-JawziAl‑Baqarah · 2:57–66

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:57–66

2:57Page 8

وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ (p-٨٤)(الغَمامَ): السَّحابُ، سُمِّيَ غَمامًا، لِأنَّهُ يَغِمُّ السَّماءَ، أيْ: يَسْتُرُها، وكُلُّ شَيْءٍ غَطَّيْتَهُ فَقَدْ غَمَمْتَهُ، وهَذا كانَ في التِّيهِ. وفي المَنِّ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّهُ التَّرَنْجَبِينُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ صَمْغُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ يُشْبِهُ الرُّبَّ الغَلِيظَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّهُ شَرابٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ خُبْزُ الرُّقاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ، أوْ مِثْلُ النَّقِيِّ، قالَهُ وهْبٌ. والسّابِعُ: أنَّهُ عَسَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّامِنُ: أنَّهُ الزَّنْجَبِيلُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفِي السَّلْوى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ طائِرٌ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُشْبِهُ السُّمانى، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو السُّمانى. والثّانِي: أنَّهُ العَسَلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ:

؎ وقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَقَصُونا وضَرُّونا، بَلْ ضَرُّوا أنْفُسَهم.

2:58Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ .

فِي القائِلِ لَهم قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعِينَ سَنَةً. والثّانِي: أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسى. والقَرْيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَمْعِ، ومِنهُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ. والمِقْراةُ: الحَوْضُ يُجْمَعُ فِيهِ الماءُ. وفي المُرادِ بِ: هَذِهِ القَرْيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرِيحا. قالَ السُّدِّيُّ: وأرِيحا: هي أرْضٌ بَيْنَ المَقْدِسِ. والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ مِن أدانِي قُرى الشّامِ، قالَهُ وهْبٌ.

(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو يُدْعى: بابَ حِطَّةٍ. وقَوْلُهُ: (سُجَّدًا) أيْ: رُكَّعًا. قالَ وهْبٌ: أمَرُوا بِالسُّجُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إذْ رَدَّهم إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (حِطَّةً) بِالنَّصْبِ.

وَفِي مَعْنى حِطَّةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: اسْتَغْفِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي كَلِمَةٌ [أُمِرُوا أنْ يَقُولُوها ] في مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، مِن حَطَطْتُ، أيْ: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: قُولُوا: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكم، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: فَيَكُونُ المَعْنى: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكم خَطاياكم. [وَهُوَ قَوْلُ: "إلَهَ إلّا اللَّهُ" . ] .

وَلِماذا أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَقِيلَ: ( ادْخُلُوا القَرْيَةَ )، ( وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا نَغْفِرُ لَكم خطايكم ) قالَهُ وهْبٌ. والثّانِي: أنَّهم مَلُّوا المَنَّ والسَّلْوى، فَقِيلَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فَكانَ أوَّلُ ما لَقِيَهم أرِيحا، فَأُمِرُوا بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (نَغْفِرُ لَكُمْ) بِالنُّونِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (يَغْفِرُ) بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتَحِ الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ فَتْحِ الفاءِ.

2:59Page 9

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ، أمَرَهم في دُخُولِهِمْ بِفِعْلٍ وقَوْلٍ، فالفِعْلُ السُّجُودُ، والقَوْلُ: حِطَّةٌ، فَغَيَّرَ القَوْمُ الفِعْلَ والقَوْلَ.

(p-٨٦)فَأمّا تَغْيِيرُ الفِعْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم دَخَلُوا مُتَزَحِّفِينَ عَلى أوْراكِهِمْ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: أنَّهم دَخَلُوا مِن قِبَلِ أسْتاهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والرّابِعُ: أنَّهم دَخَلُوا عَلى حُرُوفِ عُيُونِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهم دَخَلُوا مُسْتَلْقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَأمّا تَغْيِيرُ القَوْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم قالُوا مَكانَ "حِطَّةٍ" حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والرّابِعُ: أنَّهم قالُوا: حَبَّةُ حِنْطَةٍ مَثْقُوبَةٍ فِيها شُعَيْرَةٌ سَوْداءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والخامِسُ: أنَّهم قالُوا: سَنْبَلاثا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

فَأمّا الرِّجْزُ؛ فَهو العَذابُ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. وأنْشَدُوا لِرُؤْيَةٍ:

؎ حَتّى وقُمْنا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ

وَفِي ماهِيَّةِ هَذا العَذابُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ، ماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ، أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وهَلَكَ سَبْعُونَ ألْفًا عُقُوبَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ أصابَهُمُ الطّاعُونُ، عُذِّبُوا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ماتُوا، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ، هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

2:60Page 9

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

(p-٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

اسْتَسْقى بِمَعْنى: اسْتَدْعى ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: اسْتَنْصَرَ.

وَفِي الحَجَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ عَيْنٌ لِمُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. واخْتَلَفُوا في صِفَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُرَبَّعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِثْلَ رَأْسِ الثَّوْرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والثّالِثُ: مِثْلُ رَأْسِ الشّاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الَّذِي ذَهَبَ بِثِيابِ مُوسى، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَكَ: ارْفَعْ هَذا الحَجَرَ، فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ، ولَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَكانَ إذا احْتاجَ إلى الماءِ ضَرَبَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِضَرْبِ أيِّ: حَجَرٍ كانَ، والأوَّلُ أثْبَتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ﴾ .

تَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، فَلَمّا عَرَّفَ بِقَوْلِهِ: "فانْفَجَرَتْ" أنَّهُ قَدْ ضَرَبَ، اكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الضَّرْبِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ . [ الشُّعَراءِ: ٦٣ ] قالَهُ الفَرّاءُ. ولَمّا كانَ القَوْمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، أخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ اثْنَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، ولِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ تَشاحَنٌ فَسَلِمُوا بِذَلِكَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ .

العَثْوُ: أشَدُّ الفَسادِ، يُقالُ: عَثِيَ، وعَثا، وعاثَ. قالَ ابْنُ الرِّقاعِ

؎ لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِيَ قَدْ عَثا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ(p-٨٨)

2:61Page 9

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .

هَذا قَوْلُهم في التِّيهِ. وعَنَوْا بِالطَّعامِ الواحِدِ: المَنُّ والسَّلْوى. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: كانَ المَنُّ يُؤْكَلُ بِالسَّلْوى، والسَّلْوى بِالمَنِّ، فَلِذَلِكَ كانا طَعامًا واحِدًا. والبَقْلُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وعَنَوْا بِهِ: البُقُولُ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: تَذْهَبُ العامَّةُ إلى أنَّ البَقْلَ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ خاصَّةً دُونَ البَهائِمِ مِنَ النَّباتِ النّاجِمِ الَّذِي يَحْتاجُ في أكْلِهِ إلى طَبْخٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما البَقْلُ: العُشْبُ، وما يَنْبُتُ الرَّبِيعُ مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ والبَهائِمُ، يُقالُ: بَقَلَتِ الأرْضُ، وأبْقَلَتْ، لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: إذا أنْبَتَ البَقْلُ. وابْتَقَلَتِ الإبِلُ: إذا رَعَتْ. قالَ أبُو النَّجْمِ يَصِفُ الإبِلَ:

؎ تَبَقَّلَتْ في أوَّلِ التَّبَقُّلِ وبَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ

وَفِي "القِثّاءِ" لُغَتانِ: كَسْرُ القافِ وضَمُّها، والكَسْرُ أجْوَدُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ القافِ. قالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والضَّمُّ لُغَةُ تَمِيمٍ، وبَعْضُ بَنِي أسَدٍ.

وَفِي "الفُومِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحِنْطَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، عَنْ أشْياخِهِ، والحَسَنُ، وأبُو مالِكٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ، يَقُولُ أهْلُها: فَوَمُوا لَنا، أيِ: اخْتَبِزُوا لَنا.

(p-٨٩). والثّانِي: أنَّهُ الثَّوْمُ، وهو قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ: "وَثَوْمِها" واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وعَلَّلَ بِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَ ما يُشاكِلُهُ، والفاءُ تُبْدَلُ مِنَ الثّاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: الجَدَثُ، والجَدَفُ: لِلْقَبْرِ، والأثافِيِّ والأثاثِي: لِلْحِجارَةِ الَّتِي تُوضَعُ تَحْتَ القِدْرِ. ومَغافِيرُ، والمَغاثِيرُ: لِضَرْبٍ مِنَ الصَّمْغِ. وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومُقاتِلٌ، والكِسائِيُّ، والنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُبُوبُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾: أيْ: أرادَ ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ أيْ: أعْلى، يُرِيدُ: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى أعْلى ما طَلَبْتُمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِمِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وإنَّما أمَرُوا بِالمِصْرِ، لِأنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ في الأمْصارِ. والثّانِي: أنَّهُ أرادَ البَلَدَ المُسَمّى بِمِصْرَ. وُفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ والأعْمَشِ "مِصْرَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أرادَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، وهَذا قَوْلُ أبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، واحْتَجَّ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ: وسُئِلَ عَنْها الأعْمَشُ، فَقالَ: هي مِصْرُ الَّتِي عَلَيْها صالِحُ بْنُ عَلِيٍّ. وقالَ مُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: سُمِّيَتْ مِصْرًا، لِأنَّها آَخِرُ حُدُودِ المَشْرِقِ، وأوَّلُ حُدُودِ المَغْرِبِ، فَهي حَدٌّ بَيْنَهُما. والمِصْرُ: الحَدُّ. وأهْلُ هَجَرَ يَكْتُبُونَ في عَهْدِهِمُ: اشْتَرى فَلانٌ الدّارَ بِمُصَوِّرِها، أيْ: بِحُدُودِها. وقالَ عَدِيُّ:

؎ وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا

(p-٩٠)وَحَكى ابْنُ فارِسٍ أنَّ قَوْمًا قالُوا: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَصْدِ النّاسِ إيّاها، كَقَوْلِهِمْ: مَصَرَتِ الشّاةُ، إذا حَلَبْتَها، فالنّاسُ يَقْصِدُونَها، ولا يَكادُونَ يَرْغَبُونَ عَنْها إذا نَزَلُوها.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ . أيِ: الزَمُوها، قالَ الفَرّاءُ: الذِّلَّةُ والذُّلُّ: بِمَعْنًى واحِدٍ وقالَ الحَسَنُ: هي الجِزْيَةُ. وفي المَسْكَنَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفَقْرُ والفاقَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هي فَقْرُ النَّفْسِ.

والثّانِي: الخُضُوعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَباءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغَضَبِ.

وَقِيلَ إلى جَمِيعِ ما ألْزَمُوهُ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وغَيْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ .

كانَ نافِعٌ يَهْمِزُ "النَّبِيِّينَ" و"الأنْبِياءَ" و"النُّبُوَّةَ" وما جاءَ مِن ذَلِكَ، إلّا في مَوْضِعَيْنِ في الأحْزابِ: ﴿تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ٥٣ ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ ٥٠ . وإنَّما تَرَكَ الهَمْزَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ لِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وباقِي القُرّاءِ لا يَهْمِزُونَ جَمِيعَ المَواضِعِ. قالَ الزَّجّاجَ: الأجْوَدُ تَرْكُ الهَمْزِ. واشْتِقاقُ النَّبِيِّ مِن: نَبَّأ، وأنْبَأ، أيْ: أخْبَرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن: نَبا يَنْبُو: إذا ارْتَفَعَ، فَيَكُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ: فَعِيلًا، مِنَ الرِّفْعَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَقْتُلُ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ يُقِيمُونَ سُوقَ بَقْلِهِمْ في آَخِرِ النَّهارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: بِغَيْرِ جُرْمٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ تَوْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الصِّفَةِ لِقَتْلِهِمْ أنَّهُ ظُلْمٌ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩١)﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ فَوَصَفَ حُكْمَهُ بِالحَقِّ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ العُدْوانُ: أشَدُّ الظُّلْمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الِاعْتِداءُ: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلٍّ شَيْءٍ.

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى، وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ عِيسى، فَآَمَنُوا بِهِ وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ مُحَمَّدٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ الإسْلامَ، كَقِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وبُحَيْرا، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وسَلْمانَ. والخامِسُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ هادَوْا في اللُّغَةِ: تابُوا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اليَهُودَ سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِ مُوسى: ﴿هُدْنا إلَيْكَ﴾، والنَّصارى لِقَوْلِ عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ . وقِيلَ سُمُّوا النَّصارى لِقَرْيَةٍ، نَزَلَها المَسِيحُ، اسْمُها: ناصِرَةُ، وقِيلَ: لِتَناصُرِهِمْ.

فَأمّا "الصّابِئُونَ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ. وكانَ نافِعٌ يَهْمِزُ كُلَّ المَواضِعِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الصّابِئِينَ: الخارِجُونَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، يُقالُ: صَبَأ فَلانٌ: إذا خَرَجَ مِن دِينِهِ. وصَبَأتِ النُّجُومُ: إذا طَلَعَتْ [وَصَبَأ نابُهُ: إذا خَرَجَ ] .

وَفِي الصّابِئِينَ سَبْعَةُ أقْوالٍ (p-٩٢)أحَدُها: أنَّهُ صِنْفٌ مِنَ النَّصارى ألْيَنُ قَوْلًا مِنهم، وهُمُ السّائِحُونَ المُحَلِّقَةُ أوْساطُ رُؤُوسِهِمْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى والمَجُوسِ، لَيْسَ لَهم دِينٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: قَوْمٌ كالمَجُوسِ، قالَهُ الحَسَنُ والحَكَمُ.

والخامِسُ: فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والسّادِسُ: قَوْمٌ يُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّابِعُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَطْ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ وكِتابٌ ونَبِيٌّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ﴾ في إعادَةِ ذِكْرِ الإيمانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَعَ المُؤْمِنِينَ طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ رَجَعَ قَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَيْهِمْ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى مَن أقامَ عَلى إيمانِهِ. والثّالِثُ: أنَّ الإيمانَ الأوَّلَ نُطْقُ المُنافِقِينَ بِالإسْلامِ. والثّانِي: اعْتِقادُ القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أقامَ الفَرائِضَ.

فَصْلٌ

وَهَلْ هَذِهِ الآَيَةُ مُحْكَمَةٌ أمْ مَنسُوخَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ، وقَدَّرُوا فِيها: إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا، ومَن آَمَنَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا. والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.(p-٩٣)

2:63Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

الخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْيَهُودِ. والمِيثاقُ: مِفْعالٌ مِنَ التَّوَثُّقِ بِيَمِينٍ أوْ عَهْدٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤَكِّدُ القَوْلَ.

وَفِي هَذا المِيثاقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَهم أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، فَكَرِهُوا الإقْرارَ بِما فِيها، فَرَفَعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْطُوا اللَّهَ عَهْدًا لِيَعْمَلُنَّ بِما في التَّوْراةِ، فَلَمّا جاءَ بِها مُوسى قَرَءُوا ما فِيها مِنَ التَّثْقِيلِ، امْتَنَعُوا مِن أخْذِها، فَرَفَعَ الطُّورَ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ ما أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الرُّسُلِ وتابِعِيهِمْ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، فَقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ يَوْمَ أخَذَ الذُّرِّيَّةَ مِن ظَهْرِ آَدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطَّوْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الجَبَلُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطَّوْرُ: الجَبَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أُنْبِتَ مِنَ الجِبالِ فَهو طُورٌ، وما لَمْ يَنْبُتْ فَلَيْسَ بِطُورٍ.

وَأيُّ الجِبالِ هُوَ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُهُما: جَبَلٌ مِن جِبالِ فِلِسْطِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَبَلٌ نَزَلُوا بِأصْلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: الجَبَلُ الَّذِي تَجَلّى لَهُ رَبُّهُ قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ إنَّما رَفَعَ الجَبَلَ عَلَيْهِمْ لِإبائِهِمُ التَّوْراةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: لِإبائِهِمُ دُخُولَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِالقُوَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: الجِدُّ والِاجْتِهادُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: العَمَلُ بِما فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: الصِّدْقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

(p-٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اذْكُرُوا ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَعْناهُ: ادْرُسُوا ما فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتَّقُونَ العُقُوبَةَ.

2:64Page 10

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِما فِيهِ مِن بَعْدِ إعْطاءِ المَواثِيقِ لَتَأْخُذُنَّهُ بِجِدٍّ، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ بِالعُقُوبَةِ.

2:65–66Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ السَّبْتُ: اليَوْمُ المَعْرُوفُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى السَّبْتِ في كَلامِ العَرَبِ: القَطْعُ يُقالُ: قَدْ سَبَتَ رَأْسَهُ: إذا حَلَقَهُ وقَطَعَ الشَّعْرَ مِنهُ، ويُقالُ: نَعْلٌ سَبْتِيَّةٌ: إذا كانَتْ مَدْبُوغَةً بِالقَرْظِ مَحْلُوقَةَ الشَّعْرِ، فَسُمِّيَ السَّبْتُ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ فِيهِ، وقَطَعَ فِيهِ بَعْضَ خَلْقِ الأرْضِ، أوْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ فِيهِ بِقَطْعِ الأعْمالِ وتَرْكِها. قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ سَبْتًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِالاسْتِراحَةِ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّهُ يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ: سَبَتَ بِمَعْنى: اسْتَراحَ.

وَفِي صِفَةِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهم حَبَسُوها يَوْمَ السَّبْتِ وأخَذُوها يَوْمَ الأحَدِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ؛ ويَجْعَلُ لَها نَهْرًا إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهْرَ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ العَمَلَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيُقْبِلُ المَوْجُ بِالحِيتانِ حَتّى يُلْقِيَها في الحَفِيرَةِ، فَيُرِيدُ الحُوتُ الخُرُوجَ فَلا يُطِيقُ، فَيَأْخُذُها يَوْمَ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-٩٥)الإشارَةُ إلى قِصَّةِ مَسْخِهِمْ.

رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: نُودِيَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ ثَلاثَةَ أصْواتٍ. نُودُوا يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَتْ طائِفَةٌ أكْثَرُ مِنَ الأُولى، ثُمَّ نُودُوا: يا أهْلَ القَرْيَةِ، فانْتَبَهَ الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبْيانُ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَجَعَلَ الَّذِينَ نَهَوْهم يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ ألَمْ نَنْهَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ بِرُؤُوسِهِمْ: بَلى. قالَ قَتادَةُ: فَصارَ القَوْمُ قِرَدَةً تَعاوى، لَها أذْنابٌ بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً.

وَفِي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ: صارَ الشُّبّانُ قِرَدَةً، والشُّيُوخُ خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهم. وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا نَحْوًا مِن سَبْعِينَ ألْفًا، وعَلى هَذا القَوْلِ العُلَماءُ، غَيْرَ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ تُمْسَخْ أبْدانُهم، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُحْيَوْا عَلى الأرْضِ إلّا ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَحْياْ مَسْخٌ في الأرْضِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ ولَمْ يَنْسِلْ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، وهَذا كانَ في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاسِئِينَ﴾: الخاسِئُ في اللُّغَةِ: المُبْعَدُ، يُقالُ لِلْكَلْبِ اخْسَأْ، أيْ: تَباعَدْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

فِي المُكَنّى عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الخَطِيئَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: العُقُوبَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الفَرّاءُ: الهاءُ: كِنايَةٌ عَنِ المُسْخَةِ الَّتِي مُسِخُوها. والثّالِثُ: أنَّها القَرْيَةُ، والمُرادُ أهْلُها، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والرّابِعُ: أنَّها الأُمَّةُ الَّتِي مُسِخَتْ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ.

وَفِي النَّكالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ العُقُوبَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: العِبْرَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لِما بَيْنَ يَدَيْها (p-٩٦)مِنَ القُرى وما خَلْفَها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الذُّنُوبِ، وما خَلْفَها: ما عَمِلُوا بَعْدَها، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ السِّنِينَ الَّتِي عَمِلُوا فِيها بِالمَعاصِي، وما خَلْفَها: ما كانَ بَعْدَهم في بَنِي إسْرائِيلَ لِئَلّا يَعْمَلُوا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وَفِي المُتَّقِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وذَكَرَهُ عَطِيَّةُ وسُفْيانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском