Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:83–101
2:83Page 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذا المِيثاقُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لَهم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِالياءِ عَلى الإخْبارِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: ووَصَّيْناهم بِآَبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ خَيْرًا. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: أُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا، وآَمُرُكَ بِهِ خَيْرًا والمَعْنى: آَمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ، ثُمَّ تُحْذَفُ "أنْ" فَيُوصَلُ الخَيْرُ، بِالوَصِيَّةِ والأمْرِ. قالَ الشّاعِرُ
؎ عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا
؎ خَيْرًا بِها كَأنَّنا جافَوْنا
وَأمّا الإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ؛ فَهو بِرُّهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصِيبَهُما الغُبارُ. وقالَتْ عائِشَةُ: ما بَرَّ والِدَهُ مَن شَدَّ النَّظَرَ إلَيْهِ. وقالَ عُرْوَةُ: لا تَمْتَنِعْ عَنْ شَيْءٍ أحَبّاهُ.
(p-١٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذِي القُرْبى﴾ أيْ: ووَصَّيْناهم بِذِي القُرْبى أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم. وأمّا اليَتامى؛ فَجَمْعُ: يَتِيمٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: اليُتْمُ في النّاسِ، مِن قِبَلِ الأبِ، وفي غَيْرِ النّاسِ: مِن قِبَلِ الأُمِّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ ثَعْلَبٌ: اليُتْمُ مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ: الِانْفِرادُ. فَمَعْنى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: مُنْفَرِدٌ عَنْ أبِيهِ. وأنْشَدْنا
؎ أفاطِمُ إنِّي هالِكٌ فَتَبِينِي ∗∗∗ ولا تَجْزَعِي كُلُّ النِّساءِ يَتِيمُ
قالَ: يُرْوى: يَتِيمٌ ويَئِيمُ. فَمَن رَوى يَتِيمَ بِالتّاءِ؛ أرادَ: كُلُّ النِّساءِ ضَعِيفٌ مُنْفَرِدٌ. ومَن رَوى بِالياءِ أرادَ: كُلُّ النِّساءِ يَمُوتُ عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ وقالَ: أنْشَدَنا ابْنُ الأعْرابِيِّ:
؎ ثَلاثَةُ أحْبابٍ: فَحُبُّ عَلاقَةٍ ∗∗∗ وحُبُّ تَمَلّاقٍ وحُبٌّ هو القَتْلُ
قالَ: فَقُلْنا لَهُ: زِدْنا، فَقالَ: البَيْتُ يَتِيمٌ: أيْ: مُنْفَرِدٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ، زالَ عَنْهُ اسْمُهُ اليُتْمُ. يُقالُ: مِنهُ يَتَمَ يَيْتَمُ يُتْمًا ويَتْمًا. وجَمْعُ اليَتِيمِ: يَتامى، وأيْتامٌ. وكُلُّ مُنْفَرِدٍ عِنْدَ العَرَبِ يَتِيمٌ ويَتِيمَةٌ. قالَ: وقِيلَ: أصْلُ اليُتْمِ: الغَفْلَةُ، وبِهِ سُمِّيَ اليَتِيمُ، لِأنَّهُ يَتَغافَلُ عَنْ بِرِّهِ. والمَرْأةُ تُدْعى: يَتِيمَةٌ ما لَمْ تُزَوَّجْ، فَإذا تَزَوَّجَتْ زالَ عَنْها اسْمُ اليُتْمِ، وقِيلَ: لا يَزُولُ عَنْها اسْمُ اليُتْمِ أبَدًا. وقالَ أبُو عَمْرٍو اليُتْمُ: الإبْطاءُ، ومِنهُ أُخِذَ اليَتِيمُ، لِأنَّ البِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ. "والمَساكِينَ": جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ، كَأنَّ المِسْكِينَ قَدْ أسْكَنَهُ الفَقْرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (حُسْنًا) بِضَمِّ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والتَّثْقِيلِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ "حَسَنًا" فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَسَنُ لُغَةً في الحُسْنِ، كالبُخْلِ، والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وجاءَ ذَلِكَ في الصِّفَةِ كَما جاءَ في الِاسْمِ، ألا تَراهم قالُوا: العَرَبُ والعُرْبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَسَنُ مَصْدَرًا كالكُفْرِ والشُّكْرِ والشُّغْلِ، وحُذِفَ المُضافُ مَعَهُ، كَأنَّهُ (p-١١٠)قالَ قُولُوا قَوْلًا ذا حَسَنٍ. ومَن قَرَأ (حَسَنًا) جَعَلَهُ صِفَةً، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: قُولُوا لِلنّاسِ قَوْلًا حَسَنًا، فَحُذِفَ المَوْصُوفَ.
واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ. ومَعْناهُ: اصْدُقُوا وبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ.
والثّانِي: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ أبُو العالِيَةِ: قُولُوا لِلنّاسِ مَعْرُوفًا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: كَلِّمُوهم بِما تُحِبُّونَ أنْ يَقُولُوا لَكم. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ مُساهَلَةُ الكُفّارِ في دُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ. فَعَلى هَذا؛ تَكُونُ مَنسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم. وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أوْلَّوْهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا. والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ في زَمانِهِ.
2:84–85Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دَمَ بَعْضٍ، ولا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دارِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالعَهْدِ، وأنْتُمُ اليَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلى ذَلِكَ، فالإقْرارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى سَلَفِهِمْ، والشّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى خَلَفِهِمْ. ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا. رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَكانُوا يُقاتِلُونَ في حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفائِها النَّضِيرَ وحُلَفاءَها، وكانَتْ (p-١١١)النَّضِيرُ تُقاتِلُ قُرَيْظَةَ وحُلَفاءَها، فَيَغْلِبُونَهم ويُخَرِّبُونَ الدِّيارَ ويُخْرِجُونَ مِنها، فَإذا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتُعَيِّرُهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهُمْ؟! فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، حَرُمَ عَلَيْنا قَتْلُهم. فَتَقُولُ العَرَبُ: فَلِمَ تُقاتِلُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفاؤُنا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ:
2:86Page 13
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تُظاهِرُونَ) وفي (التَّحْرِيمِ) (تَظاهَرا) بِتَخْفِيفِ الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ الظّاءِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ (تُظاهِرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ؛ أدْغَمَ التّاءَ في الظّاءِ، لِمُقارَبَتِها لَها، فَخَفَّفَ بِالإدْغامِ. ومَن قَرَأ (تُظاهِرُونَ) خَفِيفَةً؛ حَذَفَ التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها أُولَئِكَ مِنَ اللَّفْظِ، فَخَفَّفَ بِالحَذْفِ. والتّاءُ الَّتِي أدْغَمَها ابْنُ كَثِيرٍ هي الَّتِي حَذَفَها عاصِمٌ. ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ (تَظَّهَرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، فالتَّظاهُرُ: التَّعاوُنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ، فَكَأنَّ التَّظاهُرَ: أنْ يُجْعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ [أوْ مِنَ القَوْمِ ] الآَخَرِ ظَهْرًا لَهُ يَتَقَوّى بِهِ، ويَسْتَنِدُ إلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: والإثْمُ: المَعْصِيَةُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ أصْلُ الأسْرِ: الشَّدُّ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ (أسارى) وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ (أسْرى) قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَجْمَعُونَ الأسِيرَ "أسارى" وأهْلُ نَجْدٍ أكْثَرُ كَلامِهِمْ "أسْرى" وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جَرِيحٌ وجَرْحى، وصَرِيعٌ وصَرْعى. ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو قالَ: الأسارى: ما شُدُّوا، والأسْرى: في أيْدِيهِمْ، إلّا أنَّهم لَمْ يُشَدُّوا. وقالَ الزَّجّاجُ: "فَعَلى" جَمْعٍ لِكُلِّ ما أُصِيبَ بِهِ النّاسُ في أبْدانِهِمْ وعُقُولِهِمْ. يُقالُ: هالِكٌ وهَلْكى، ومَرِيضٌ ومَرْضى، وأحْمَقُ (p-١١٢)وَحَمْقى، وسَكْرانُ وسَكْرى، فَمَن قَرَأ: (أسارى)؛ فَهي جَمْعُ الجَمْعِ. تَقُولُ: أسِيرٌ وأسْرى وأُسارى جَمْعُ أسْرى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُفادُوهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ: (تَفْدُوهُمْ) وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: (تُفادُوهُمْ) بِألِفٍ. والمُفاداةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ وأخْذُ شَيْءٍ مَكانَهُ.
﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ وهُوَ: فِكاكُ الأسْرى. ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهُوَ: الإخْراجُ والقَتْلُ. وقالَ مُجاهِدٌ: تَفْدِيهِ في يَدِ غَيْرِكَ، وتَقْتُلُهُ أنْتَ بِيَدِكَ. ؟!
وَفِي المُرادِ بِالخِزْيِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قَتْلُ قُرَيْظَةَ ونَفْيُ النَّضِيرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ. وقالَ مُقاتِلٌ: باعُوا الآَخِرَةَ بِما يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنْيا.
2:87Page 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يُرِيدُ التَّوْراةَ. وقَفَّيْنا: أتْبَعْنا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا. يُقالُ: قَفَوْتُ الرَّجُلَ: إذا سِرْتُ في أثَرِهِ. والبَيِّناتُ: الآَياتُ والواضِحاتُ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإحْياءِ المَوْتى. وأيَّدْناهُ: قَوَّيْناهُ. والأيْدُ: القُوَّةُ.
وَفِي رُوحِ القُدُسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ. والقُدْسُ: الطَّهارَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، في آَخَرِينَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ: (بِرُوحِ القُدْسِ) ساكِنَةَ الدّالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ فِيهِ حَسَنانِ، نَحْوُ: العُنْقُ والعُنُقُ، والطُّنْبُ والطُّنُبُ.
وَفِي تَأْيِيدِهِ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. ذَكَرَها الزَّجّاجُ. أحَدُها: أنَّهُ أيَّدَ بِهِ ظاهِرَ حُجَّتِهِ وأمْرَ دِينِهِ.
(p-١١٣). والثّانِي: لِدَفْعِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْهُ إذْ أرادُوا قَتْلَهُ. والثّالِثُ: أنَّهُ أيَّدَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإنْجِيلُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
2:88Page 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ اللّامِ، وقَرَأ قَوْمٌ، مِنهُمُ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها. قالَ الزَّجّاجُ: قَرَأ: (غُلْفٌ) بِتَسْكِينِ اللّامِ، فَمَعْناهُ: ذَواتُ غُلْفٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: قُلُوبُنا في أوْعِيَةٍ. ومَن قَرَأ (غُلُفٌ) بِضَمِّ اللّامِ، فَهو جَمْعُ "غِلافٍ" فَكَأنَّهم قالُوا: قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَما بِالُها لا تَفْهَمُ وهي أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ؟! فَعَلى الأوَّلِ، يَقْصِدُونَ إعْراضَهُ عَنْهم، كَأنَّهم يَقُولُونَ: ما نَفْهَمُ شَيْئًا وعَلى الثّانِي: يَقُولُونَ: لَوْ كانَ قَوْلُكَ حَقًّا لِقَبِلَتْهُ قُلُوبُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَقَلِيلٌ مَن يُؤْمَنُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى قَلِيلٌ ما يُؤْمِنُونَ بِهِ. قالَ مُعَمَّرُ: يُؤْمِنُونَ بِقَلِيلٍ مِمّا في أيْدِيهِمْ، ويَكْفُرُونَ بِأكْثَرِهِ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: فَما يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ: هَذا عَلى لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ، يَقُولُونَ: قَلَّما رَأيْتُ مِثْلَ هَذا الرَّجُلِ، وهم يُرِيدُونَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ. والرّابِعُ: فَيُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: فَإيمانُهم قَلِيلٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. وحَكى في "ما" قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ. والثّانِي: أنَّ ما تَجْمَعُ جَمِيعَ الأشْياءِ ثُمَّ تَخُصُّ بَعْضَ ما عَمَّتْهُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها.
2:89–90Page 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠
How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، ونَقِيضِها: "نِعْمَ" واشْتَرَوْا، بِمَعْنى: باعُوا. والَّذِي باعُوها بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: (بَغْيًا) قالَ قَتادَةُ: حَسَدًا. ومَعْنى الكَلامِ: كَفَرُوا بَغْيًا، لِأنْ نَزَّلَ اللَّهُ الفَضْلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: (بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ. والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ. والثّانِي: لِعَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ. رَواهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ حِينَ قالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [ المائِدَةِ: ٦٤ ] . والثّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ. رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ. والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ. قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والخامِسُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْراةَ. والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ قالَهُ مُجاهِدٌ. والمَهِينُ: المُذِلُّ.
2:91Page 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ؛ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يَعْنُونَ: التَّوْراةَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِما سِواهُ. ومِثْلُهُ ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٢٤ ] قالَهُ الفَرّاءُ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: بِما بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ يَعُودُ عَلى ما وراءَهُ.
﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ فَإنَّ الأنْبِياءَ، جاءُوا بِتَأْيِيدِ التَّوْراةِ. وإنَّما نَسَبَ القَتْلَ إلى المُتَأخِّرِينَ لِأنَّهم في ذَلِكَ عَلى رَأْيِ المُتَقَدِّمِينَ. (p-١١٥)وَتَقْتُلُونَ بِمَعْنى: قَتَلْتُمْ، فَوَضَعَ المُسْتَقْبَلَ في مَوْضِعِ الماضِي، لِأنَّ الوَهْمَ لا يَذْهَبُ إلى غَيْرِهِ. وأنْشَدُوا في ذَلِكَ:
؎ شَهِدَ الحَطِيئَةَ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ
أرادَ: يَشْهَدُ.
2:92–93Page 14
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢
And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣
And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: ما في الألْواحِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الآَياتُ التِّسْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي هاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، فَمَعْناهُ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى المَجِيءِ، لِأنَّ "جاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلى المَجِيءِ وفي ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ، قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ؛ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: سُقُوا حُبَّ العِجْلِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وهو الحُبُّ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩٧ ] [أيْ: وقْتَ الحَجِّ ] وقَوْلُهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٩ ] [أيْ: أجَعَلْتُمْ صاحِبَ سِقايَةِ الحاجِّ ] . وقَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [ يُوسُفَ: ٨٢ ] [أيْ: أهْلُهُا ] وقَوْلُهُ: ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ [ الإسْراءِ: ٧٥ ] . أيْ: ضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ﴾ [ الحَجِّ: ٤٠ ] . أيْ: بُيُوتُ صَلَواتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [ سَبَإ: ٣٠ ] . أيْ: مَكْرُكم فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [ العَلَقِ: ١٧ ] أيْ: أهْلُهُ. (p-١١٦)وَمِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ أُنْبِئَتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ. وقالَ الآَخَرُ
؎ وشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بَيْنَ أهْلِهِ
أيْ: وشَرُّ المَنايا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أهْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ أيْ: أنْ تُكَذِّبُوا المُرْسَلِينَ، وتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَكْتُمُوا الهُدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: الجَحْدِ، فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ، وعَبَدْتُمُ العِجْلَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ "إنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ فَبِئْسَ الإيمانُ إيمانٌ يَأْمُرُكم بِعِبادَةِ العِجْلِ، وقَتْلُ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
2:94–96Page 15
قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤
Say, [O Muḥammad], "If the home of the Hereafter with Allāh is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."
وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥
But never will they wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦
And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ ووَلَدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِلْمِهِمْ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صادِقٌ، أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، وأكْبَرُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ مِنهم. والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ: قَتْلُ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبُهم، وتَبْدِيلُ التَّوْراةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لَهُ، والمَعْنى: ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ في حالِ دُعائِهِمْ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا. وفي "الَّذِينَ أشْرَكُوا" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، (p-١١٧)والزَّجّاجُ. والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ في الهاءِ والمِيمِ مِن "أحَدِهِمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ، قالَ مُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذَكَرَ "ألْفَ سَنَةٍ" لِأنَّها نِهايَةٌ ما كانَتِ المَجُوسُ تَدْعُو بِها لِمُلُوكِها، كانَ المَلِكُ يَحْيا بِأنْ يُقالَ: لَهُ عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ، وألْفَ مَهْرَجانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هُوَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أحَدِهِمُ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ، تَقْدِيرُهُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ هو كِنايَةٌ عَمّا جَرى مِنَ التَّعْمِيرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ جَعَلَ "أنْ يُعَمَّرَ" مُبَيِّنًا عَنْهُ، كَأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ.
2:97–99Page 15
قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧
Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."
مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨
Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩
And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أقْبَلَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ، ﷺ فَقالُوا: مَن يَأْتِيكَ مِنَ المَلائِكَةِ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، فَقالُوا: ذاكَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ، ذاكَ عَدُوُّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي تَلِيها.»
وَفِي جِبْرِيلَ إحْدى عَشْرَةَ لُغَةً.
إحْداها: جِبْرِيلُ، بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو. قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:
؎ وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ
(p-١١٨)وَقالَ عِمْرانُ بْنُ حَطّانٍ:
؎ والرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لا كَفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا
وَقالَ حَسّانُ:
؎ وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفاءُ
واللُّغَةُ الثّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ: فَعْلِيلٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وقالَ الفَرّاءُ: لا أشْتَهِيها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فِعْلِيلٌ، ولا أرى الحَسَنَ قَرَأها إلّا وهو صَوابٌ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
والثّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ، وبَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِيلَ، وبِها قَرَأ، الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ جَرِيرٌ:
؎ عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبَجَبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا
والرّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٌ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ، مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ مَدٍّ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِلِ، رَواها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
والخامِسَةُ جَبْرَئِلُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
والسّادِسَةُ: جِبْرائِيلُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَعَ الألِفِ.
والسّابِعَةُ: جِبْرايِيلُ بِيائَيْنِ بَعْدَ الألِفِ أوَّلَهُما مَكْسُورَةٌ.
والثّامِنَةُ: جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ ونُونٍ مَكانَ اللّامِ.
والتّاسِعَةُ: جِبْرِينُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وبَنُونٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: في جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ.
(p-١١٩)وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ مُصْحَفَ عُثْمانَ" جِبْرائِلَ، بِفَتْحِ الجِيمِ وإثْباتٍ الألِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَها ياءٌ. وجَبْرَئِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ونُونٌ.
فَأمّا مِيكائِيلُ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ.
إحْداهُنَّ: مِيكالُ، مِثْلُ: مِفْعالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.
والثّانِيَةُ: مِيكائِيلَ بِإثْباتِ ياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: مِيكاعِيلُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
والثّالِثَةُ: مِيكائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ مِن غَيْرِ ياءٍ، مِثْلُ مِيكاعِلُ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ شَنَبُوذَ، وابْنُ الصَّباحِ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ.
والرّابِعَةُ: مِيكَئِلُ، عَلى وزْنِ: مِيكَعِلُ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.
والخامِسَةُ: مِيكائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَها ياءٌ ونُونٌ بَعْدَ الألِفِ، ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ الكِسائِيُّ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، اسْمانِ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُما، فَلَمّا جاءا عَرَّبَتْهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ذَهَبَ إلى أنَّ "إيلَ" اسْمُ اللَّهِ، واسْمُ المَلِكِ، "جَبْرَ" و"مِيكا" . وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، ومَعْنى مِيكائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ، وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ أعادَ ذِكْرَهُما لِشَرَفِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٦٨ ] . وإنَّما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم كافِرُونَ بِهَذِهِ العَداوَةِ.
2:100–101Page 15
أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠
Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ. والكِتابُ: التَّوْراةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: القُرْآَنُ. والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، لِأنَّ الكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ نَبَذُوا التَّوْراةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences