Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:24–55
20:24–35Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧
And untie the knot from my tongue
يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨
That they may understand my speech.
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥
Indeed, You are of us ever Seeing."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾؛ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ضاقَ مُوسى صَدْرًا بِما كُلِّفَ مِن مُقاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتّى لا يَخافَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾: سَهِّلْ عَلِيَّ ما بَعَثْتَنِي لَهُ. ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِيهِ رُتَّةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ وضَعَ مُوسى في حِجْرِهِ وهو صَغِيرٌ، فَجَرَّ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ بِيَدِهِ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ لَهُ آسِيَةُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، وسَأُرِيكَ بَيانَ ذَلِكَ، قَدِّمْ إلَيْهِ جَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ، فَإنِ اجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَرَفَتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، فَأخَذَ مُوسى جَمْرَةً فَوَضَعَها في فِيهِ، فَأحْرَقَتْ لِسانَهُ وصارَ فِيهِ عُقْدَةٌ، فَسَألَ حَلَّها لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ. (p-٢٨٢)
وَأمّا الوَزِيرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الوِزارَةِ مِنَ الوِزْرِ وهو الحِمْلُ، كانَ الوَزِيرُ قَدْ حَمَلَ عَنِ السُّلْطانِ الثِّقْلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الوِزْرِ والوِزْرُ: الجَبَلُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ لِيُنَجّى مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ وزِيرُ الخَلِيفَةِ، مَعْناهُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. ونَصُبُ ﴿هارُونَ﴾ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَكُونَ " اجْعَلْ " تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي، فَيَنْتَصِبُ " وزِيرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هارُونَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَزِيرًا﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، [ ثُمَّ ] أُبْدِلَ هارُونُ مِن وزِيرٍ، والأوَّلُ أجْوَدُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُسْتَوْزَرَ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ياءِ ( أخِي ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا دُعاءٌ مِن مُوسى، والمَعْنى: اشْدُدْ بِهِ يا رَبِّ أزْرِي، وأشْرِكْهُ يا رَبِّ في أمْرِي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( أشْدِدْ ) بِالألِفِ مَقْطُوعَةً مَفْتُوحَةً، و( أُشْرِكْهُ ) بِضَمِّ الألِفِ، وكَذَلِكَ يَبْتَدِئُ بِالألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى الجَوابِ والمُجازاةِ، والوَجْهُ الدُّعاءُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ دُعاءٌ، ولِأنَّ الإشْراكَ في النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأزْرُ: الظَّهْرُ، يُقالُ: آزَرْتُ فُلانًا عَلى الأمْرِ؛ أيْ: قَوَّيْتُهُ عَلَيْهِ وكُنْتُ لَهُ فِيهِ ظَهْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾؛ أيْ: في النُّبُوَّةِ مَعِي، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾؛ أيْ: نُصَلِّي لَكَ، ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ بِألْسِنَتِنا حامِدِينَ لَكَ عَلى ما أوْلَيْتَنا مَن نِعَمِكَ، ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾؛ أيْ: عالِمًا؛ إذْ خَصَصْتَنا بِهَذِهِ النِّعَمِ.(p-٢٨٣)
20:36–42Page 313
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠
[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.
وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١
And I produced you for Myself.1
ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢
Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ.
والثّانِي: أنَّ ﴿ما يُوحى﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْم: ٥٤ ] (p-٢٨٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ. فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، [ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي ] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ. قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي. وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، (p-٢٨٥)وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ [ يُوسُف: ٤٥ ]، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟ قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ (p-٢٨٦)الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ. والفُتُونُ مَصْدَرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ. ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى. وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] .
وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ.
والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٢٨٧)
والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ. والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنِيا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى.
وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.
20:43–48Page 314
ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣
Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤
And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥
They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."
قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦
[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.
فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧
So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.
إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨
Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ فائِدَةُ تَكْرارِ الأمْرِ بِالذَّهابِ التَّوْكِيدُ. وقَدْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [ طَه: ٢٤ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( لَيْنًا ) بِإسْكانِ الياءِ؛ أيْ: لَطِيفًا رَفِيقًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: قُولا لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [ النّازِعات: ١٨، ١٩ ]، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. (p-٢٨٨)
والثّالِثُ: كَنَّياهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. فَأمّا اسْمُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٤٩ )، وفي كُنْيَتِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أبُو مُرَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أبُو مُصْعَبٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: أبُو العَبّاسِ. والرّابِعُ: أبُو الوَلِيدِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رَبًّا وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ اللَّيِّنَ: أنَّ مُوسى أتاهُ فَقالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِما جِئْتُ بِهِ وتَعْبُدُ رَبَّ العالَمِينَ عَلى أنَّ لَكَ شَبابَكَ فَلا تَهْرَمُ، وتَكُونُ مَلِكًا لا يُنْزَعُ مِنكَ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا مُتَّ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ؛ فَلَمّا جاءَ هامانُ أخْبَرَهُ بِما قالَ مُوسى، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أرى أنَّ لَكَ رَأْيًا، أنْتَ رَبٌّ أرَدْتَ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ؟ فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وحُكِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إلَهِي هَذا رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنا إلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَن يَقُولُ: أنْتَ إلَهٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " لَعَلَّ " في اللُّغَةِ: تَرَجٍّ وطَمَعٌ، تَقُولُ: لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ، فَخاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ. والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبا عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما. والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والبُرْهانِ، وإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبِلُ مِنها أمْ لا، وهم يَرْجُونَ ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهم، ومَعْنى " لَعَلَّ " مُتَصَوِّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَذْهَبُ الفَرّاءِ في هَذا: كَيْ يَتَذَكَّرَ. ورَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ، قالَ: واللَّهِ ما كانَ فِرْعَوْنُ لِيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى (p-٢٨٩)يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّهُ تَذَكَّرَ وخَشِيَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ. وقالَ كَعْبٌ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ، إنَّهُ لِمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقْسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ هارُونُ يَوْمَئِذٍ غائِبًا بِمِصْرَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى، فَتَلَقّاهُ عَلى مَرْحَلَةٍ، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ آتِيَ فِرْعَوْنَ، فَسَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَكَ مَعِي؛ فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا حِينَ التَقَيا قالا: رَبَّنا إنَّنا نَخافُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ مُوسى وحْدَهُ، وأخَبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّثْنِيَةِ لَمّا ضَمَّ إلَيْهِ هارُونَ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ التَّثْنِيَةَ عَلى الواحِدِ، فَتَقُولُ: يا زَيْدُ قُوما، يا حَرَسِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو العالِيَةِ: ( أنْ يُفْرِطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( أنْ يَفْرَطَ ) بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( أنْ يُفْرَطَ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنْ يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ؛ أيْ: قَدْ بَدَرَ، وقَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ: إذا اشْتَطَّ فِيهِ، وفَرَّطَ في الشَّيْءِ: إذا قَصَرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الفَرْطَ في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» " (p-٢٩٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يَسْتَعْصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُجاوِزُ الحَدَّ في الإساءَةِ إلَيْنا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ كَلامَكَ وأمْرَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ، ﴿أسْمَعُ﴾ أقْوالَكم، ﴿وَأرى﴾ أفْعالَكم. قالَ الكَلْبِيُّ: أسْمَعُ جَوابَهُ لَكُما، وأرى ما يُفْعَلُ بِكُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: خَلِّ عَنْهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ وكانَ يَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي العَصا. قالَ مُقاتِلٌ: أظْهَرَ اليَدَ في مَقامٍ والعَصا في مَقامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ التَّحِيَّةَ، وإنَّما مَعْناهُ: أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ، أنَّهُ لَيْسَ بِابْتِداءِ لِقاءٍ وخِطابٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾؛ أيْ: بِما جِئْنا بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ.
20:49–55Page 314
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩
[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ.
والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: (p-٢٩٢)
أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ.
والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟
والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟ فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها. وقِيلَ: الهاءُ في ﴿عِلْمُها﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) . وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ. والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ. (p-٢٩٣)وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ. و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿لأُولِي النُّهى﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ. ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences