Ibn al-JawziTaha · 20:56–76

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:56–76

20:56–64Page 315

وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.

قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧

He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?

فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨

Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1

قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩

[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1

فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١

Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."

فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢

So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.

قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣

They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].

فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤

So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ، ﴿آياتِنا كُلَّها﴾ يَعْنِي: التِّسْعَ الآياتِ، ولَمْ يَرَ كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ لِأنَّها لا تُحْصى، ﴿فَكَذَّبَ﴾؛ أيْ: نَسَبَ الآياتِ إلى الكَذِبِ وقالَ: هَذا سِحْرٌ، ﴿وَأبى﴾ أنْ يُؤْمِنَ، ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ﴾؛ أيْ: تُرِيدُ أنْ تَغْلِبَ عَلى دِيارِنا بِسِحْرِكَ فَتَمْلِكُها وتُخْرِجُنا مِنها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: فَلْنُقابِلَنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ السِّحْرِ بِمِثْلِهِ، ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أيِ: اضْرِبْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا ومِيقاتًا، ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾؛ أيْ: لا نُجاوِزُهُ، ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا مَكانًا نَتَواعَدُ لِحُضُورِنا ذَلِكَ المَكانَ، ولا يَقَعُ مِنّا خِلافٌ في حُضُورِهِ. ﴿سُوًى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( سُوًى ) بِضَمِّها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( مَكانًا سَواءً ) بِالمَدِّ والهَمْزِ والنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ السِّينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْمٌ لِلْمَكانِ النِّصْفِ فِيما بَيْنُ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ، فَتَكُونُ مَسافَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِ كَمَسافَةِ الفَرِيقِ الآخَرِ. ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، [ وقَتادَةُ ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِنَصْبِ المِيمِ. وفي هَذا اليَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: يَوْمُ عِيدٍ لَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٩٥)

والثّانِي: يَوْمُ عاشُوراءَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ، ووافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أوَّلَ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا رَفْعُ اليَوْمِ، فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، فَنابَ المَوْعِدُ عَنِ الوَقْتِ، وارْتَفَعَ بِهِ ما كانَ يَرْتَفِعُ بِالوَقْتِ إذا ظَهَرَ. فَأمّا نَصْبُهُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ. ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ مَوْضِعُ " أنْ " رَفْعٌ، المَعْنى: مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ، ﴿ضُحًى﴾؛ أيْ: إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ، المَعْنى: مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ ضُحًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( وأنْ تَحْشُرَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ: ( وأنْ يَحْشُرَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ ورَفْعِ الشِّينِ ونَصْبِ ( النّاسِ ) .

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِالنّاسِ: أهْلَ مِصْرَ، وبِالضُّحى: ضُحى اليَوْمِ، وإنَّما عَلَّقَهُ بِالضُّحى لِيَتَكامَلَ ضَوْءُ الشَّمْسِ واجْتِماعِ النّاسِ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأبْعَدَ مِنَ الرِّيبَةِ.

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: تَوَلّى عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ لِاسْتِعْدادِ ما يَلْقى بِهِ مُوسى. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أيْ: مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ، ﴿ثُمَّ أتى﴾؛ أيْ: حَضَرَ المَوْعِدُ. ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾؛ أيْ: لِلسَّحَرَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَهم في ( الأعْرافِ: ١١٤ ) . (p-٢٩٦)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى ( ألْزَمَكُمُ اللَّهُ ويْلًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى النِّداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُشْرِكُوا مَعَهُ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيَسْحَتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ( سَحَتَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( فَيُسْحِتَكم ) بِضَمِّ الياءِ مِن ( أسْحَتَ ) . قالَ الفَرّاءُ: ويُسْحِتُ أكْثَرُ، وهو الِاسْتِئْصالُ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُ اللَّهُ، وأسْحَتَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ وعَضُّ زَمانٍ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ

هَكَذا أنْشَدَ البَيْتَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ( إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ ) بِالرَّفْعِ. (p-٢٩٧)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي: السَّحَرَةُ تُناظِرُوا فِيما بَيْنَهم في أمْرِ مُوسى وتَشاوَرُوا، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾؛ أيْ: أخْفَوْا كَلامَهم مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: مِن مُوسى وهارُونَ. وقِيلَ: ﴿أسَرُّوا﴾ هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَإنّا سَنَغْلِبُهُ، وإنْ يَكُنْ مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتُمْ فَلَهُ أمْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ مُوسى قالُوا: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ولَكِنَّ هَذا كَلامُ الرَّبِّ الأعْلى، فَعَرَفُوا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، وإلى مُوسى وعَصاهُ، فَنُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ وقالُوا: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: " ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . . . " الآياتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: ( إنَّ هَذَيْنَ ) عَلى إعْمالِ ( إنَّ )، وقالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أقْرَأ ( إنَّ هَذانِ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ( إنْ ) خَفِيفَةً ( هَذانِ ) خَفِيفَةً أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ ( هاذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ. فَأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو فاحْتِجاجُهُ في مُخالَفَةِ المُصْحَفِ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ، أنَّ هَذا مِن غَلَطِ الكاتِبِ عَلى ما حَكَيْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٦٢ ] . وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَمَعْناها: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ، (p-٢٩٨)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [ الشُّعَراء: ١٨٦ ]؛ أيْ: ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ:

؎ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ∗∗∗ حَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ

أيْ: ما قَتَلْتَ إلّا مُسْلِمًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَ عَنْهُ: ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ )، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ: ( إنْ هَذانِ ) بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أعْلَمَ بِالنَّحْوِ مِنَ الخَلِيلِ. فَأمّا قِراءَةُ الأكْثَرِينَ بِتَشْدِيدِ ( إنْ ) وإثْباتِ الألِفِ في قَوْلِهِ: ( هَذانِ )، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي لُغَةٌ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وافَقَتْها لُغَةُ قُرَيْشٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ، وهو رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الرُّواةِ: أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: أتانِي الزَّيْدانِ، ورَأيْتُ الزَّيْدانِ، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ، وأنْشَدُوا:

؎ فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما

وَيَقُولُ هَؤُلاءِ: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هاهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، (p-٢٩٩)المَعْنى: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ. وقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ( إنْ ): نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، ويُنْشِدُونَ:

؎ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ

قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدِي وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا، وهو أنَّ ( إنْ ) قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ( نَعَمْ )، والمَعْنى: نَعَمْ هَذانِ لَهُما السّاحِرانِ، ويَلِي هَذا في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ، وأسْتَحْسِنُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ وبِها يُقْرَأُ، وأسْتَحْسِنُ قِراءَةَ عاصِمٍ والخَلِيلِ؛ لِأنَّهُما إمامانِ ولِأنَّهُما وافَقا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في المَعْنى، ولا أُجِيزُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو لِخِلافِ المُصْحَفِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، قالَ: ألِفُ ( هَذانِ ) هي ألِفُ ( هَذا )، والنُّونُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الواحِدِ والتَّثْنِيَةِ، كَما فَرَّقَتْ نُونُ ( الَّذِينَ ) بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ ؟ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: ( ويُذْهِبا ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( ويَذْهَبا بِالطَّرِيقَةِ ) بِألِفٍ ولامٍ مَعَ حَذْفِ الكافِ والمِيمِ.

وَفِي الطَّرِيقَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: بِدِينِكُمَ المُسْتَقِيمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِسُنَّتِكم ودِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الطَّرِيقَةِ. (p-٣٠٠)

والثّانِي: بِأمْثَلِكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِأُولِي العَقْلِ والأشْرافِ والأسْنانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْهِما. قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ: الرِّجالُ الأشْرافُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلْقَوْمِ الأشْرافِ: هَؤُلاءِ طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، وطَرائِقُ قَوْمِهِمْ.

فَأمّا ﴿المُثْلى﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي تَأْنِيثُ الأمْثَلِ، تَقُولُ في الإناثِ: خُذِ المُثْلى مِنهُما، وفي الذُّكُورِ: خُذِ الأمْثَلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى المُثْلى والأمْثَلِ: ذُو الفَضْلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ، قالَ: والَّذِي عِنْدِي أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، والمَعْنى: يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمَ المُثْلى، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ؛ أيْ: صاحِبُ طَرِيقَتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( فَأجْمِعُوا ) بِقَطْعِ الألَفِ مِن ( أجْمَعْتُ )، والمَعْنى: يَكُونُ عَزْمُكم مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلُّ أمْرُكم. قالَ الفَرّاءُ: والإجْماعُ: الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: أجْمَعَتُ عَلى الخُرُوجِ، وأجْمَعْتُ الخُرُوجَ، تُرِيدُ: أزْمَعْتُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِيَ مُجْمَعُ

يُرِيدُ: قَدْ أُحَكِّمُ وأعْزِمُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( فَأجْمَعُوا ) بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( جَمَعْتُ )، يُرِيدُ: لا تَدَعُوا مِن كَيْدِكم شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ، فَأمّا كَيْدُهم، فالمُرادُ بِهِ: سِحْرُهم ومَكْرُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ؛ لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿صَفًّا﴾؛ أيْ: صُفُوفًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " صَفّا " بِمَعْنى: جَمْعًا. قالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةً وعِشْرِينَ صَفًّا، كُلُّ ألْفِ ساحِرٍ صَفٌّ. (p-٣٠١)٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فازَ مَن غَلَبَ.

20:65–73Page 316

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥

They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."

قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦

He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].

فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧

And he sensed within himself apprehension, did Moses.

قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨

We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.

وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩

And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ. ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: (p-٣٠٢)إلى مُوسى. يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ.

فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ. وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أثَّرَ فِيهِ، (p-٣٠٣)(p-٣٠٤)(p-٣٠٥)وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ. (p-٣٠٦)

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿تَلْقَفْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ. وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) .

﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) . وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ. ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ. (p-٣٠٧)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم. قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [ الطَّوْر: ٣٨ ] . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا﴾ لَكم، ﴿وَأبْقى﴾؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جاءَنا﴾، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا.

والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ. ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿إنَّما﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. (p-٣٠٨)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ:

أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ.

والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ.

والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿وَأبْقى﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

20:74–76Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥

But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.

[ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ:

؎ ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ

]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском