Ibn al-JawziAl‑Anbya · 21:64–82

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:64–82

21:64–67Page 327

فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤

So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."

ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥

Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"

قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦

He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?

أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧

Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والثّانِي: رَجَعَ كُلٌّ مِنهم إلى نَفْسِهِ مُتَفَكِّرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: حِينَ عَبَدْتُمْ مَن لا يَتَكَلَّمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حِينَ تَتْرُكُونَ آلِهَتَكم وحْدَها وتَذْهَبُونَ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: في عِبادَةِ هَذِهِ الأصاغِرِ مَعَ هَذا الكَبِيرِ، رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: لِإبْراهِيمَ حِينَ اتَّهَمْتُمُوهُ والفَأْسُ في يَدِ كَبِيرِ الأصْنامِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ ومُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنْتُمْ ظالِمُونَ لِإبْراهِيمَ حِينَ سَألْتُمُوهُ وهَذِهِ أصْنامُكم حاضِرَةٌ فاسْألُوها، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيَوَةَ: ( نُكِّسُوا ) بِرَفْعِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( نَكَسُوا ) بِفَتْحِ النُّونِ والكافِ (p-٣٦٥)مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿نُكِسُوا﴾: قُلِبُوا، تَقُولُ: نَكَسْتُ فُلانًا عَلى رَأْسِهِ: إذا قَهَرْتَهُ وعَلَوْتَهُ.

ثُمَّ في المُرادِ بِهَذا الِانْقِلابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أدْرَكَتْهم حَيْرَةٌ، فَقالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: رَجَعُوا إلى أوَّلِ ما كانُوا يُعَرِّفُونَها بِهِ مِن أنَّها لا تَنْطِقُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: انْقَلَبُوا عَلى إبْراهِيمَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أقَرُّوا لَهُ، ولامُوا أنْفُسَهم في تُهْمَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ إضْمارُ ( قالُوا )، وفي هَذا إقْرارٌ مِنهم بِعَجْزِ ما يَعْبُدُونَهُ عَنِ النُّطْقِ، فَحِينَئِذٍ تَوَجَّهَتْ لِإبْراهِيمَ الحُجَّةُ، فَقالَ مُوَبِّخًا لَهم: ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ﴾؛ أيْ: لا يَرْزُقُكم ولا يُعْطِيكم شَيْئًا، ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ إذا لَمْ تَعْبُدُوهُ، وفي هَذا حَثٌّ لَهم عَلى عِبادَةِ مَن يَمْلِكُ النَّفْعَ والضُّرَّ. ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: النَّتَنُ لَكم، فَلَمّا ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ غَضِبُوا، فَقالُوا: حَرِّقُوهُ. وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ نَمْرُودَ اسْتَشارَهم: بِأيِّ عَذابٍ أُعَذِّبُهُ، فَقالَ رَجُلٌ: حَرِّقُوهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأرْضَ، فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

21:68–73Page 327

قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨

They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."

قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩

We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."

وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠

And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١

And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢

And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.

وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣

And We made them leaders guiding by Our command. And We inspired to them the doing of good deeds, establishment of prayer, and giving of zakāh; and they were worshippers of Us.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيقِهِ؛ لِأنَّهُ يَعِيبُها، ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾؛ أيْ: ناصِرِيها.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهم حَبَسُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَيْتٍ، ثُمَّ بَنَوْا لَهُ حَيْرًا طُولَ جِدارِهِ سِتُّونَ ذِراعًا إلى سَفْحِ جَبَلٍ مُنِيفٍ، ونادى مُنادِي المَلِكِ: أيُّها النّاسُ احْتَطِبُوا لِإبْراهِيمَ، ولا يَتَخَلَّفَنَّ عَنْ ذَلِكَ صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ، فَمِن تَخَلَّفَ أُلْقِيَ في تِلْكَ النّارِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، حَتّى إنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَقُولُ: إنْ ظَفِرْتَ بِكَذا لِأحْتَطِبَنَّ لِنارِ إبْراهِيمَ، حَتّى إذا كانَ الحَطَبُ يُساوِي رَأْسَ الجِدارِ سَدُّوا أبْوابَ الحَيْرِ وقَذَفُوا فِيهِ النّارَ، فارْتَفَعَ لَهَبُها، حَتّى إنْ كانَ الطّائِرُ لَيَمُرُّ بِها فَيَحْتَرِقُ مِن شِدَّةِ حَرِّها، ثُمَّ بَنَوْا بُنْيانًا شامِخًا، وبَنَوْا فَوْقَهُ مَنجَنِيقًا، ثُمَّ رَفَعُوا إبْراهِيمَ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ، فَرَفَعَ إبْراهِيمُ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلِ، فَقالَتِ السَّماءُ، والأرْضُ، والجِبالُ، والمَلائِكَةُ: رَبَّنا إبْراهِيمُ يُحْرَقُ فِيكَ، فائْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ، وإنْ دَعاكم فَأغِيثُوهُ؛ فَقَذَفُوهُ في النّارِ وهو ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: سِتٍّ وعِشْرِينَ، فَقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، فاسْتَقْبَلَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ (p-٣٦٧)فَلا، قالَ جِبْرِيلُ: فَسَلْ رَبَّكَ، فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾، فَلَمْ تَبْقَ نارٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ إلّا طُفِئَتْ وظَنَّتْ أنَّها عُنِيَتْ. وزَعَمَ السُّدِّيُّ أنَّ جِبْرِيلَ هو الَّذِي ناداها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ، فَأجْلَسُوهُ عَلى الأرْضِ، فَإذا عَيْنٌ مِن ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسٌ. قالَ كَعْبٌ ووَهْبٌ: فَما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ، وأقامَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقالَ غَيْرُهُما: أرْبَعِينَ أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأجْلَسَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ، وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ. وإنَّ آزَرَ أتى نَمْرُودَ فَقالَ: ائْذَنْ لِي أنْ أُخْرِجَ عِظامَ إبْراهِيمَ فَأدْفِنَها، فانْطَلَقَ نَمْرُودُ ومَعَهُ النّاسُ، فَأمَرَ بِالحائِطِ فَنُقِبَ، فَإذا إبْراهِيمُ في رَوْضَةٍ تَهْتَزُّ وثِيابُهُ تَنْدى، وعَلَيْهِ القَمِيصُ وتَحْتَهُ الطَّنْفَسَةُ، والمَلَكُ إلى جَنْبِهِ، فَناداهُ نَمْرُودُ: يا إبْراهِيمُ؛ إنَّ إلَهَكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ هَذا لِكَبِيرٌ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ ؟ قالَ: نَعِمَ، فَقامَ إبْراهِيمُ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ. فَقالَ: مَنِ الَّذِي رَأيْتُ مَعَكَ ؟ قالَ: مَلَكٌ أرْسَلَهُ إلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي، فَقالَ نَمْرُودُ: إنِّي مُقَرِّبٌ (p-٣٦٨)لِإلَهِكَ قُرْبانًا؛ لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ. فَقالَ: إذَنْ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما كُنْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ؛ لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُ لَهُ، فَذَبَحَ القُرْبانَ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿كُونِي بَرْدًا﴾؛ أيْ: ذاتَ بَرْدٍ وسَلامًا؛ أيْ: سَلامَةً. ﴿وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ وهو التَّحْرِيقُ بِالنّارِ. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ البَعُوضَ عَلَيْهِمْ، حَتّى أكَلَ لُحُومَهم وشَرِبَ دِماءَهم، ودَخَلَتْ واحِدَةٌ في دِماغِ نَمْرُودَ حَتّى أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى: أنَّهم كادُوهُ بِسُوءٍ، فانْقَلَبَ السُّوءُ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ﴾؛ أيْ: مِن نَمْرُودَ وكَيْدِهِ، ﴿وَلُوطًا﴾ وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ بْنِ تارِحَ، وكانَ قَدْ آمَنَ بِهِ، فَهاجَرا مِن أرْضِ العِراقِ إلى الشّامِ، وكانَتْ سارَّةُ مَعَ إبْراهِيمَ في قَوْلِ وهْبٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما هي ابْنَةُ مَلِكِ حَرّانَ، لَقِيَها إبْراهِيمُ فَتَزَوَّجَها عَلى أنْ لا يُغَيِّرُها، وكانَتْ قَدْ طَعَنَتْ عَلى قَوْمِها في دِينِهِمْ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾، فَفِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها أرْضُ الشّامِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وبَرَكَتُها: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِنها، وأكْثَرَ فِيها الخِصْبَ والثِّمارَ والأنْهارَ.

والثّانِي: أنَّها مَكَّةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ، ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾، وفي مَعْنى النّافِلَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الزِّيادَةِ، والمُرادُ بِها: يَعْقُوبُ خاصَّةً، فَكَأنَّهُ سَألَ واحِدًا، فَأُعْطِيَ اثْنَيْنِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ النّافِلَةَ بِمَعْنى العَطِيَّةِ، والمُرادُ بِها: إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، وهَذا مَذْهَبُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ. (p-٣٦٩)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلُّ " يَقَعُ خَبَرُهُ عَلى لَفْظِ الواحِدِ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الواحِدِ، ويَقَعُ خَبَرُهُ عَلى لَفْظِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾؛ أيْ: رُؤُوسًا يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ، ﴿يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾؛ أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِنا بِأمْرِنا إيّاهم بِذَلِكَ، ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَرائِعُ النُّبُوَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حَذْفُ الهاءِ مِن ( إقامَةِ الصَّلاةِ )قَلِيلٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ: أقامَ إقامَةً، والحَذْفَ جائِزٌ؛ لِأنَّ الإضافَةَ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ.

21:74–75Page 328

وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤

And to Lot We gave judgement and knowledge, and We saved him from the city that was committing wicked deeds. Indeed, they were a people of evil, defiantly disobedient.

وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And We admitted him into Our mercy. Indeed, he was of the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ ( لُوطٌ ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا، فالمَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وآتَيْنا لُوطًا. وذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى ( واذْكُرْ لُوطًا )، وهَذا جائِزٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ إبْراهِيمَ قَدْ جَرى، فَحُمِلَ لُوطٌ عَلى مَعْنى: واذْكُرْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا هاجَرَ لُوطٌ مَعَ إبْراهِيمَ، نَزَلَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ، ونَزَلَ لُوطٌ بِالمُؤْتَفِكَةِ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا.

فَأمّا " الحُكْمُ " فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ أقْوالًا في سُورَةِ (p-٣٧٠)( يُوسُفَ: ٢٢ ) . وأمّا القَرْيَةُ هاهُنا، فَهي سَدُومٌ، والمُرادُ: أهْلُها، والخَبائِثُ: أفْعالُهُمَ المُنْكَرَةُ، فَمِنها: إتْيانُ الذُّكُورِ، وقَطْعُ السَّبِيلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم في مَواضِعَ [ هُودٍ: ٧٨، والحِجْرِ: ٦٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾؛ أيْ: بِإنْجائِهِ مِن بَيْنِهِمْ.

21:76–77Page 328

وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].

وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧

And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُوحًا﴾ المَعْنى: واذْكُرْ نُوحًا، وكَذَلِكَ ما يَأْتِيكَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ، ﴿إذْ نادى﴾؛ أيْ: دَعا عَلى قَوْمِهِ، ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ. فَأمّا الكَرْبُ العَظِيمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ وتَكْذِيبُ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾؛ أيْ: مَنَعْناهُ مِنهم أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ بِسُوءٍ. وقِيلَ: " مِن " بِمَعْنى ( عَلى ) .

21:78–82Page 328

وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨

And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.

فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩

And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1

وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠

And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١

And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.

وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢

And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: (p-٣٧١)

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ عِنَبًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: كانَ زَرْعًا، قالَهُ قَتادَةُ.

" إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: رَعَتْ لَيْلًا، يُقالُ: نَفَشَتِ الغَنَمُ بِاللَّيْلِ، وهي إبِلٌ نَفَشٌ ونُفّاشٌ ونِفاشٌ، والواحِدُ نافِشٌ، وسَرَحَتْ وسَرَبَتْ بِالنَّهارِ. قالَ قَتادَةُ: النَّفْشُ بِاللَّيْلِ، والهَمَلُ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: النَّفْشُ: أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَّيْلِ تَرْعى بِلا راعٍ.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أحَدُهُما صاحِبُ حَرْثٍ، والآخَرُ صاحِبُ غَنَمٍ، فَتَفَلَّتَتِ الغَنَمُ فَوَقَعَتْ في الحَرْثِ، فَلَمْ تُبْقِ مِنهُ شَيْئًا، فاخْتَصَما إلى داوُدَ، فَقالَ لِصاحِبِ الحَرْثِ: لَكَ رِقابُ الغَنَمِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أوَغَيْرُ ذَلِكَ ؟ قالَ: ما هو ؟ قالَ: يَنْطَلِقُ أصْحابُ الحَرْثِ بِالغَنَمِ فَيُصِيبُونَ مِن ألْبانِها ومَنافِعِها، ويَقْبَلُ أصْحابُ الغَنَمِ عَلى الكَرْمِ، حَتّى إذا كانَ كَلَيْلَةِ نَفَشَتْ فِيهِ الغَنَمُ، دَفَعَ هَؤُلاءِ إلى هَؤُلاءِ غَنَمَهم، ودَفَعَ هَؤُلاءِ إلى هَؤُلاءِ كَرْمَهم، فَقالَ داوُدُ: قَدْ أصَبْتَ القَضاءَ، ثُمَّ حَكَمَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾، وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: داوُدُ وسُلَيْمانُ، فَذَكَرَهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهم داوُدُ وسُلَيْمانُ والخُصُومُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكُنّا لِحُكْمِهِما " عَلى التَّثْنِيَةِ. ومَعْنى (p-٣٧٢)﴿شاهِدِينَ﴾: أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنّا مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ يَعْنِي: القَضِيَّةَ والحُكُومَةَ. وإنَّما كُنِّيَ عَنْها؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن ذِكْرِ الحُكْمِ، ﴿وَكُلا﴾ مِنهُما ﴿آتَيْنا حُكْمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. قالَ الحَسَنُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَرَأيْتَ أنَّ القُضاةَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّهُ أثْنى عَلى سُلَيْمانَ لِصَوابِهِ، وعَذَرَ داوُدَ بِاجْتِهادِهِ.

فَصْلٌ

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كانَ قَضاءُ داوُدَ وسُلَيْمانَ جَمِيعًا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، ولَمْ يَكُنْ نَصًّا؛ إذْ لَوْ كانَ نَصًّا ما اخْتَلَفا. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الغَنَمِ إذا نَفَشَتْ لَيْلًا في زَرْعِ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ، فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ عَلَيْهِ الضَّمانَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا ونَهارًا، إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبُها هو الَّذِي أرْسَلَها، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا؛ لِأنَّ داوُدَ حَكَمَ بِالضَّمانِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ هَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّ داوُدَ حَكَمَ بِدَفْعِ الغَنَمِ إلى صاحِبِ الحَرْثِ، وحَكَمَ سُلَيْمانُ لَهُ بِأوْلادِها وأصْوافِها، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى مَن نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حَرْثِ رَجُلٍ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. قِيلَ: الآيَةُ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا؛ مِنها: وُجُوبُ الضَّمانِ وكَيْفِيَّتُهُ، فالنَّسْخُ حَصَلَ عَلى كَيْفِيَّتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ عَلى أصْلِهِ، فَوَجَبَ التَّعَلُّقُ بِهِ. وقَدْ رَوى حَرامُ بْنُ مُحَيِّصَةَ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ ناقَةً لِلْبَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْ، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ الأمْوالِ حِفْظُها بِالنَّهارِ، وعَلى أهْلِ المَواشِي حِفْظُها بِاللَّيْلِ» . (p-٣٧٣)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وسَخَّرْنا الجِبالَ يُسَبِّحْنَ مَعَ داوُدَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ إذا سَبَّحَ أجابَتْهُ الجِبالُ والطَّيْرُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ. وقالَ غَيْرُهُ: كانَ إذا وجَدَ فَتْرَةً، أمَرَ الجِبالَ فَسَبَّحَتْ حَتّى يَشْتاقَ هو فَيُسَبِّحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾؛ أيْ: لِذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وكُنّا نَقْدِرُ عَلى ما نُرِيدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ في المُرادِ بِاللَّبُوسِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: الدُّرُوعُ، وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ، وكانَ داوُدُ أوَّلَ مَن صَنَعَ هَذِهِ الحِلَقَ وسَرَدَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّبُوسَ: السِّلاحُ كُلُّهُ مِن دِرْعٍ إلى رُمْحٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " لُبُوسٍ " بِضَمِّ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِيُحْصِنَكم ) بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِتُحْصِنَكم ) بِالتّاءِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( لِنُحْصِنَكم ) بِالنُّونِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ: ( لِتُحَصِّنَكم ) بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( لِتُحَصِّنَكم ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مَعَ ضَمِّها. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُجاهِدٌ: ( لِنُحَصِّنَكم ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الصّادِ مَعَ تَشْدِيدِها. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لِيُحْصِنَّكم ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ الحاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ. (p-٣٧٤)

فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اسْمَ اللَّهِ لِتَقَدُّمِ مَعْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللِّباسَ؛ لِأنَّ اللَّبُوسَ بِمَعْنى اللِّباسِ مِن حَيْثُ كانَ ضَرْبًا مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ داوُدَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيمَ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ " عَلَّمْناهُ " .

وَمَن قَرَأ بِالتّاءِ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ الدِّرْعُ.

وَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِتَقَدُّمِ قَوْلُهُ: " وعَلَّمْناهُ " .

وَمَعْنى ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾: لِتُحْرِزَكم وتَمْنَعَكم، ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ يَعْنِي: الحَرْبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ: ( الرِّياحُ ) بِألِفٍ مَعَ رَفْعِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ بِالألِفِ ونَصْبِ الحاءِ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، ﴿عاصِفَةً﴾؛ أيْ: شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ يَعْنِي: بِأمْرِ سُلَيْمانَ، ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي أرْضُ الشّامِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ بَرَكَتِها في هَذِهِ السُّورَةِ [ الأنْبِياءِ: ٧٢ ]، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ، ثُمَّ تَعُودُ بِهِ إلى مَنزِلِهِ بِالشّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ عَلِمْنا أنَّ ما نُعْطِي سُلَيْمانَ يَدْعُوهُ إلى الخُضُوعِ لِرَبِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَن﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَغُوصُونَ في البَحْرِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ، ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: سِوى ذَلِكَ. ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا. وقالَ غَيْرُهُ: أنْ يَخْرُجُوا عَنْ أمْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском