Ibn al-JawziAl‑Hajj · 22:23–35

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:23–35

22:23–24Page 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ولُؤْلُوٍ ) بِالخَفْضِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن خَفَضَ فالمَعْنى: يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ومِن لُؤْلُؤٍ، ومَن نَصَبَ قالَ: ويُحِلَّونَ لُؤْلُؤًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدُوا﴾؛ أيْ: أُرْشِدُوا في الدُّنْيا، ﴿إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والحَمْدُ لِلَّهِ "، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ زَيْدٍ: " واللَّهُ أكْبَرُ " .

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا ﴿صِراطِ الحَمِيدِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو طَرِيقُ الإسْلامِ.

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَفْظُ " يَصُدُّونَ " لَفْظُ مُسْتَقْبَلٍ عُطِفَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الَّذِينَ هم كافِرُونَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الكافِرِينَ والصّادِّينَ، فَأمّا خَبَرُ " إنَّ " فَمَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم هَلَكُوا.

وَفِي " المَسْجِدِ الحَرامِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: جَمِيعُ الحَرَمِ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدًا.

والثّانِي: نَفْسُ المَسْجِدِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ هَذا وقْفُ التَّمامُ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: جَعَلْناهُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، لَمْ نَخُصَّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، هَذا عَلى أنَّهُ جَمِيعُ الحَرَمِ.

والثّانِي: جَعَلْناهُ قِبْلَةً لِصَلاتِهِمْ ومَنسَكًا لِحُجَّتِهِمْ، وهَذا عَلى أنَّهُ نَفْسُ المَسْجِدِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( سَواءً ) بِالنَّصْبِ، فَيَتَوَجَّهُ الوَقْفُ عَلى ( سَواءً )، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ كَذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَ العاكِفُ والبادِي مِنَ النّاسِ مِن حَيْثُ كانا كالشّامِلِ لَهم، فَصارَ المَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلْعاكِفِ والبادِي سَواءً. فَأمّا العاكِفُ: فَهو المُقِيمُ، والبادِي: الَّذِي يَأْتِيه مِن غَيْرِ أهْلِهِ، وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: بَدا القَوْمُ: إذا خَرَجُوا (p-٤٢٠)مِنَ الحَضَرِ إلى الصَّحْراءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( البادِي ) بِالياءِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وقَفَ بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَتَيْنِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ العاكِفَ والبادِي يَسْتَوِيانِ في سُكْنى مَكَّةَ والنُّزُولِ بِها، فَلَيْسَ أحَدُهُما أحَقَّ بِالمَنزِلِ مِنَ الآخَرِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُخْرَجُ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ، ومَذْهَبُ هَؤُلاءِ أنَّ كِراءَ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِها حَرامٌ، هَذا عَلى أنَّ المَسْجِدَ: الحَرَمُ كُلُّهُ.

والثّانِي: أنَّهُما يَسْتَوِيانِ في تَفْضِيلِهِ وحُرْمَتِهِ، وإقامَةِ المَناسِكِ بِهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ. [ ومِنهم ] مَن أجازَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ، وإلَيْهِ يَذْهَبُ الشّافِعِيُّ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَسْجِدِ: الحَرَمُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْسُ المَسْجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ الإلْحادُ في اللُّغَةِ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، والباءُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٢٠ ]، وأنْشَدُوا:

؎ بِوادٍ يَمانٍ يَنْبُتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبَهانِ

المَعْنى: وأسْفَلُهُ يُنْبِتُ المَرْخَ، وقالَ آخَرُ:

؎ هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّورِ

(p-٤٢١)

وَقالَ آخَرُ:

؎ نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجِ ∗∗∗ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ

هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والباءُ قَدْ تُزادُ في الكَلامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [ العَلَق: ١ ]، ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [ مَرْيَم: ٢٤ ]، ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [ القَلَم: ٦ ]، ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [ المُمْتَحِنَة: ١ ]، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها﴾ [ الإنْسان: ٦ ]؛ أيْ: يَشْرَبُها، وقَدْ تُزادُ ( مِن ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ [ الذّارِيات: ٥٧ ]، وتُزادُ اللّامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [ الأعْراف: ١٥٤ ]، والكافُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [ الشُّورى: ١١ ]، و( عَنْ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ [ النُّور: ٦٣ ]، و( إنَّ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [ الجُمْعَة: ٨ ]، و( إنْ ) الخَفِيفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [ الأحْقاف: ٢٦ ]، و( ما ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٤٠ ]، والواوُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ [ الصّافّات: ١٠٣، ١٠٤ ] .

وَفِي المُرادِ بِهَذا الإلْحادِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَمَلُ سَيِّئَةٍ، فَعَلى هَذا تَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَعاصِي، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لا تَحْتَكِرُوا الطَّعامَ بِمَكَّةَ، فَإنَّ احْتِكارَ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. (p-٤٢٢)

والثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْتِحْلالُ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.

والخامِسُ: اسْتِحْلالُ الحَرامِ تَعَمُّدًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُؤاخَذُ الإنْسانُ إنْ أرادَ الظُّلْمَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَفْعَلْهُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إذا هَمَّ بِذَلِكَ في الحَرَمِ خاصَّةً، عُوقِبَ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ ما لَمْ يَعْمَلْها، ولَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ البَيْتِ وهو بِـ " عَدَنِ أبْيَنَ "، أذاقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَهُمُّ بِالخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وهو بِأرْضٍ أُخْرى، فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْمَلْها. وقالَ مُجاهِدٌ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ بِمَكَّةَ كَما تُضاعَفُ الحَسَناتُ. وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ ؟ فَقالَ: لا، إلّا بِمَكَّةَ؛ لِتَعْظِيمِ البَلَدِ. وأحْمَدُ عَلى هَذا يَرى فَضِيلَةَ المُجاوَرَةِ بِها، وقَدْ جاوَرَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ بِها.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿وَمَن يُرِدْ﴾: مَن يَعْمَلُ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا قَوْلُ سائِرِ مَن حَفِظْنا عَنْهُ.

22:26–29Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.

ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩

Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْنا. وقالَ مُقاتِلٌ: دَلَلْناهُ عَلَيْهِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: وإنَّما أُدْخِلَ اللّامُ عَلى أنَّ ﴿بَوَّأْنا﴾ في مَعْنى: جَعَلْنا، فَيَكُونُ بِمَعْنى ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [ النَّمْل: ٧٢ ]؛ أيْ: رِدِفَكم. وقَدْ شَرَحْنا كَيْفِيَّةَ بِناءِ البَيْتِ في ( البَقَرَةِ: ١٢٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ المَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ. وقَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في ( البَقَرَةِ: ١٢٥ ) .

وَفِي المُرادِ بِـ " القائِمِينَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: القائِمُونَ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَطاءٌ والجُمْهُورُ. والثّانِي: المُقِيمُونَ بِمَكَّةَ، حُكِيَ عَنْ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ إبْراهِيمُ: يا رَبِّ؛ وما يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ وقالَ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ؛ فَعَلا عَلى جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنْ رَبَّكم قَدْ بَنى بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأُسْمِعَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يَحُجَّ، فَأجابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. والأذانُ بِمَعْنى النِّداءِ والإعْلامِ، والمَأْمُورُ بِهَذا الأذانِ إبْراهِيمُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، (p-٤٢٤)إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المَأْمُورُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . والنّاسُ هاهُنا: اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، إلّا ما رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: عَنى بِالنّاسِ: أهْلَ القِبْلَةِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أتى البَيْتَ الَّذِي دَعا إلَيْهِ إبْراهِيمُ، فَكَأنَّهُ قَدْ أتى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ. وواحِدُ الرِّجالِ هاهُنا: راجِلٌ، مِثْلُ: صاحِبٌ وصِحابٌ، والمَعْنى: يَأْتُوكَ مُشاةً. وقَدْ رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ حَجّا ماشِيَيْنِ، وحَجَّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَجَّةً ماشِيًا مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، والنَّجائِبُ تُقادُ مَعَهُ. وحَجَّ الإمامُ أحْمَدُ ماشِيًا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾؛ أيْ: رُكْبانًا عَلى ضُمَّرٍ مِن طُولِ السَّفَرِ. قالَ الفَرّاءُ: و ﴿يَأْتِينَ﴾ فِعْلٌ لِلنُّوقِ. وقالَ الزَّجّاجُ: " يَأْتِينَ " عَلى مَعْنى الإبِلِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَأْتُونَ ) بِالواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ بَعِيدٍ. وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الفَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا﴾ [ الأنْبِياء: ٣١ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾؛ أيْ: لِيَحْضُرُوا، ﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: التِّجارَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: مَنافِعُ الآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والزَّجّاجُ في آخَرِينَ. (p-٤٢٥)

والثّالِثُ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ جَمِيعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وهو أصَحُّ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ القَصْدُ لِلتِّجارَةِ خاصَّةً، وإنَّما الأصْلُ قَصْدُ الحَجِّ، والتِّجارَةُ تَبَعٌ.

وَفِي الأيّامِ المَعْلُوماتِ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها أيّامُ العَشْرِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: تِسْعَةُ أيّامٍ مِنَ العَشْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

والثّالِثُ: يَوْمُ الأضْحى وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّها خَمْسَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: إنَّما قالَ: ﴿مَعْلُوماتٍ﴾؛ لِيَحْرِصَ عَلى عِلْمِها بِحِسابِها مِن أجْلِ وقْتِ الحَجِّ في آخِرِها. قالَ الزَّجّاجُ: والذِّكْرُ هاهُنا يَدُلُّ عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى ما يُنْحَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ . قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ المَذْكُورُ هاهُنا هو الذِّكْرُ عَلى الهَدايا الواجِبَةِ، كالدَّمِ الواجِبِ لِأجْلِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذَّكَرُ المَفْعُولُ عِنْدَ رَمْيِ الجِمارِ وتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في ذَلِكَ. (p-٤٢٦)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ يَعْنِي: الأنْعامَ الَّتِي تُنْحَرُ، وهَذا أمْرُ إباحَةٍ. وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَسْتَحِلُّونَ أكْلَ ذَبائِحِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، غَيْرَ أنَّ هَذا إنَّما يَكُونُ في الهَدْيِ المُتَطَوَّعِ بِهِ، فَأمّا دَمُ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ. وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مِن كُلِّ الهَدْيِ يُؤْكَلُ، إلّا ما كانَ مِن فِداءٍ، أوْ جَزاءٍ، أوْ نَذْرٍ. فَأمّا ﴿البائِسَ﴾ فَهو ذُو البُؤْسِ، وهو شِدَّةُ الفَقْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: حَلْقُ الرَّأْسِ، وأخْذُ الشّارِبِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، وقَصُّ الأظْفارِ، والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَناسِكُ الحَجِّ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: حَلْقُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٤٢٧)

والرّابِعُ: الشَّعْرُ والظُّفْرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ التَّفَثَ: الوَسَخُ، والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ والشَّعَثِ. وقَضاؤُهُ: نَقْضُهُ وإذْهابُهُ. والحاجُّ مُغْبَرٌّ شَعِثٌ لَمْ يَدْهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ بِالحَلْقِ، والقَلْمِ، وقَصُّ الأظْفارِ، ولِبْسُ الثِّيابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذا قَضاءُ تَفَثِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، وكَأنَّهُ الخُرُوجُ مِنَ الإحْرامِ إلى الإحْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولْيُوَفُّوا ) بِتَسْكِينِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو نَحْرُ ما نَذَرُوا مِنَ البُدْنِ. وقالَ غَيْرُهُ: ما نَذَرُوا مِن أعْمالِ البِرِّ في أيّامِ الحَجِّ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما نَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رُؤْيَةَ الكَعْبَةِ، وقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ نُذُورٌ مُطْلَقَةٌ، فالأفْضَلُ أنْ يُؤَدِّيَها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هَذا هو الطَّوافُ الواجِبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، والذَّبْحُ إنَّما يَكُونُ في يَوْمِ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الطَّوافُ المَفْرُوضُ.

وَفِي تَسْمِيَةِ البَيْتِ عَتِيقًا أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: " إنَّما سَمّى اللَّهُ البَيْتَ: العَتِيقَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ "»، وهَذا قَوْلُ مُجاهِد وقَتادَةُ. (p-٤٢٨)

والثّانِي: أنَّ مَعْنى العَتِيقِ: القَدِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ زَمانَ الطُّوفانِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ السُّورَةِ في "لْيَقْضُوا "، و" لِيُوفُوا "، و" لِيَطَّوَّفُوا " .

22:30–33Page 335

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠

That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١

Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢

That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.

لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣

For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِن أعْمالِ الحَجِّ. ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ فَيَجْتَنِبُ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ اللَّيْثُ: الحُرْمَةُ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ: ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ﴾ يَعْنِي: التَّعْظِيمَ، ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ، ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [ المائِدَة: ١ ] . ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمُهُ، يَعْنِي [ بِهِ ]: ما ذُكِرَ في ( المائِدَةِ: ٣ ) مِنَ المُنْخَنِقَةِ وغَيْرِها. وقِيلَ: وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ في حالِ إحْرامِكم، إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في الصَّيْدِ، فَإنَّهُ حَرامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾؛ أيْ: دَعُوهُ جانِبًا. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿مِنَ﴾ هاهُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ، المَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرِّجْسِ في ( المائِدَةِ: ٩٠ ) . (p-٤٢٩)

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِ الزُّورِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في الأنْعامِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ: مُسْلِمِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ. ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ، فَقالَ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَحِيقٍ﴾، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: ( فَتَخْطَفُهُ ) بِسُكُونِ الخاءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدِ الطّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ونَصْبِ الفاءِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ، وكُلُّهم فَتَحَ الطّاءَ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَ المُشْرِكَ بِاللَّهِ في بُعْدِهِ عَنِ الهُدى وهَلاكِهِ، بِالَّذِي يَخِرُّ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ حالَ المُشْرِكِ في أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا دَفْعَ ضُرٍّ يَوْمَ القِيامَةِ، بِحالِ الهاوِي مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الشَّعائِر في ( البَقَرَةِ: ١٥٨ ) .

وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها البُدْنُ. وتَعْظِيمُها: اسْتِحْسانُها واسْتِسْمانُها، ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ (p-٤٣٠)قَبْلَ أنْ يُسَمِّيَها صاحِبُها هَدْيًا، أوْ يُشْعِرَها ويُوجِبَها، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن مَنافِعِها شَيْءٌ، رَوى هَذا المَعْنى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لَكم في هَذِهِ الهَدايا مَنافِعُ بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدايا، إذا احْتَجْتُمْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، أوِ اضْطَرَرْتُمْ إلى شُرْبِ ألْبانِها، ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أنْ تَنْحَرَ.

والثّانِي: أنَّ الشَّعائِرَ: المَناسِكُ ومَشاهِدُ مَكَّةَ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالتِّجارَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ، رَواهُ أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: لَكم فِيها مَنافِعُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها﴾ يَعْنِي: الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، مِنَ اجْتِنابِ الرِّجْسِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ. وقالَ الفَرّاءُ: " فَإنَّها " يَعْنِي: الفِعْلَةُ ﴿مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾، وإنَّما أضافَ التَّقْوى إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوى تَقْوى القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾؛ أيْ: حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُها، ﴿إلى البَيْتِ﴾ يَعْنِي: عِنْدَ البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ: الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّها لا تُذْبَحُ عِنْدَ البَيْتِ، ولا في المَسْجِدِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ مَحِلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ، وهو أنْ يَطُوفُوا بِهِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ.

22:34–35Page 336

وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤

And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]

ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥

Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وبَعْضُ (p-٤٣١)أصْحابِ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. فَمَن فَتَحَ أرادَ المَصْدَرَ مِن نَسَكَ يَنْسُكُ، ومَن كَسَرَ أرادَ مَكانَ النُّسُكِ كالمَجْلِسِ والمَطْلَعِ. ومَعْنى الآيَةِ: لِكُلِّ جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ جَعَلْنا ذَبْحَ القَرابِينِ؛ ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، وإنَّما خَصَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها المَشْرُوعَةُ في القُرْبِ. والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الذَّبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَيْها كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم سِواهُ، ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾؛ أيِ: انْقادُوا واخْضَعُوا، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإخْباتِ في ( هُودٍ: ٢٣ )، وكَذَلِكَ ألْفاظُ الآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском