Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:62–104
23:62–67Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ فَهو يَنْطِقُ بِما يَعْمَلُونَ، ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ. ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في غَفْلَةٍ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في عَمًى عَنْ هَذا القُرْآنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾، فَيَكُونَ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكِتابِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ.
فَخَرَجَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: القُرْآنُ. والثّانِي: أعْمالُ البِرِّ. والثّالِثُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أعْمالٌ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: خَطايا سَيِّئَةٌ مِن دُونِ ذَلِكَ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن دُونِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ. (p-٤٨٢)
والثّالِثُ: أعْمالٌ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها سَيَعْمَلُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أعْمالٌ - مِن قَبْلِ الحِينِ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم عِنْدَ مَجِيئِهِ - مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إخْبارٌ بِما سَيَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِهِمَ الخَبِيثَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ لَهم مِن عَمَلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ أيْ: أغْنِياءَهم ورُؤَساءَهم، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ. وفي المُرادِ ﴿بِالعَذابِ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ضَرْبُ السُّيُوفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: الجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. و﴿يَجْأرُونَ﴾ بِمَعْنى: يَصِيحُونَ. ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾؛ أيْ: لا تَسْتَغِيثُوا مِنَ العَذابِ، ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا. ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾؛ أيْ: تَرْجِعُونَ وتَتَأخَّرُونَ عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ الكِنايَةُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمَعْنى: إنَّكم تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْتَخِرُونَ بِالبَيْتِ والحَرَمِ؛ لِأمْنِكم فِيهِ مَعَ خَوْفِ سائِرِ النّاسِ في مَواطِنِهِمْ. تَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا نَخافُ أحَدًا، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ ووُلاتُهُ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في " بِهِ " لِلْكِتابِ، فَيَكُونَ المَعْنى: تُحْدِثُ لَكم تِلاوَتُهُ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سامِرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: تَهْجُرُونَ سُمّارًا، والسّامِرُ بِمَعْنى السُّمّارِ، بِمَنزِلَةِ طِفْلٍ في مَوْضِعِ أطْفالٍ، وهو مِن سَمَرِ اللَّيْلِ. وقالَ (p-٤٨٣)ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سامِرًا "؛ أيْ: مُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا، والسَّمَرُ: حَدِيثُ اللَّيْلِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( سُمَّرًا ) بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وفَتْحِها، جَمْعُ سامِرٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( سُمّارًا ) بِرَفْعِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وألْفٍ بَعْدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَهْجُرُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. وفي مَعْناها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: تَهْجُرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ والحَقَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَهْجُرُونَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ونَبِيَّهُ ﷺ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: تَهْجُرُونَ البَيْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْمُرُ حَوْلَ البَيْتِ، وتَفْتَخِرُ بِهِ ولا تَطُوفُ بِهِ.
والرّابِعُ: تَقُولُونَ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، وهو اللَّغْوُ والهَذَيانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: قَدْ هَجَرَ الرَّجُلُ في مَنامِهِ: إذا هَذى، والمَعْنى: إنَّكم تَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما لَيْسَ فِيهِ وما لا يَضُرُّهُ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ: ( تَهْجُرُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِنَ الهَجْرِ، وهو السَّبُّ والإفْحاشُ مِنَ المَنطِقِ، يُرِيدُ: سَبُّهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ومَنِ اتَّبَعَهُ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ( تُهَجِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ ورَفْعِ التّاءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.(p-٤٨٤)
23:68–70Page 346
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، فَيَعْرِفُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلالاتِ والعِبَرِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِمْ. ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ المَعْنى: ألَيْسَ قَدْ أُرْسِلَ الأنْبِياءُ إلى أُمَمِهِمْ كَما أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ ؟ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهم؛ لِأنَّهم عَرَفُوا نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، صَغِيرًا وكَبِيرًا، ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْهُ. والجِنَّةُ: الجُنُونُ، ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.
23:71–73Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا كَما يُحِبُّونَ. وعَلى الثّانِي: لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ مِن جَعْلِ شَرِيكٍ لِلَّهِ. ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾؛ أيْ: بِما فِيهِ شَرَفُهم وفَخْرُهم، وهو القُرْآنُ. ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ أيْ: قَدْ تَوَلَّوْا عَمّا جاءَهم مِن شَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( بَلْ أتَيْناهم بِذِكْراهم فَهم عَنْ ذِكْراهم مُعْرِضُونَ ) بِألِفٍ فِيهِما. ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ عَمّا جِئْتَهم بِهِ، ﴿خَرْجًا﴾ (p-٤٨٥)قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ، [ ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ ] . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( خَرْجًا فَخَرْجُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ في الحَرْفَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ، ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ في الحَرْفَيْنِ. ومَعْنى " خَرْجًا ": أجْرًا ومالًا. ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: فَما يُعْطِيكَ رَبُّكَ مِن أجْرِهِ وثَوابِهِ، ﴿خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرّازِقِينَ﴾؛ أيْ: أفْضَلُ مَن أعْطى، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهم أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا، لا أنَّهُ قَدْ سَألَهم. والنّاكِبُ: العادِلُ، يُقالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ أيْ: عَدَلَ عَنْهُ.
23:74–77Page 346
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضُّرُّ هاهُنا: الجُوعُ الَّذِي نَزَلَ بِأهْلِ مَكَّةَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: " «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى قُرَيْشٍ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ "، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَكا إلَيْهِ الضُّرَّ وأنَّهم قَدْ أكَلُوا القَدَّ والعِظامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٨٦)
والثّانِي: أنَّهُ الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: بابٌ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيِكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( مُبْلَسُونَ ) بِفَتْحِ اللّامِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى المُبْلِسِ في ( الأنْعامِ: ٤٥ ) .
23:78–85Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: أنَّهم لا يَشْكُرُونَ أصْلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرَأكم في الأرْضِ﴾؛ أيْ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: هو الَّذِي جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ يَتَعاقَبانِ ويَخْتَلِفانِ في السَّوادِ والبَياضِ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تَرَوْنَ مِن صُنْعِهِ ؟ وما بَعْدُ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ﴾؛ أيْ: قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ: لِمَنِ الأرْضُ، ﴿وَمَن فِيها﴾ مِنَ الخَلْقِ، ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحالِها، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( لِلَّهِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا وفي اللَّذَيْنِ بَعْدَها بِألِفٍ. وقَرَأ الباقُونَ: ( لِلَّهِ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ. وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو عَلى القِياسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن قَرَأ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) فَهو جَوابُ السُّؤالِ، ومَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) فَجَيِّدٌ أيْضًا؛ لِأنَّكَ (p-٤٨٧)إذا قُلْتَ: مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارُ ؟ فَقِيلَ: لِزَيْدٍ، جازَ؛ لِأنَّ مَعْنى ( مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ ؟ ): لِمَن هي. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَقَدْ أجابَ عَلى المَعْنى دُونَ ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) بِألِفٍ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: وهو في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ بِألِفٍ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ ابْتِداءً، أقْدَرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ.
23:86–89Page 347
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦
Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧
They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"
قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨
Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩
They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَتَّقُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ. والثّانِي: تَخْشَوْنَ عَذابَهُ. فَأمّا المَلَكُوتُ فَقَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ٧٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَمْنَعُ [ مِنَ ] السُّوءِ مَن شاءَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ مَن أرادَهُ بِسُوءٍ، يُقالُ: أجْرُتُ فُلانًا؛ أيْ: حَمَيْتُهُ، وأجَرْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: حَمَيْتُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنّى تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنْ هَذا ؟
23:90–92Page 348
بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠
Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والقُرْآنِ، ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، ثُمَّ نَفاهُما عَنْهُ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾؛ أيْ: لانْفَرَدَ بِخَلْقِهِ ولَمْ يَرْضَ أنْ يُضافَ خَلْقُهُ وإنْعامُهُ إلى غَيْرِهِ، ولَمَنَعَ الإلَهَ الآخَرَ عَنِ الِاسْتِيلاءِ عَلى ما خَلَقَ، ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: غَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو [ عَمْرٍو، وابْنُ ] عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمِ ) بِالخَفْضِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمُ ) بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، والرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، ويُقَوِّيهِ أنَّ الكَلامَ الأوَّلَ قَدِ انْقَطَعَ.
23:93–98Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا تُرِيَنِّي﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والضَّحّاكُ: ( تُرِئَنِّي ) بِالهَمْزِ بَيْنَ الرّاءِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ والمَعْنى: إنْ أرَيْتَنِي ما يُوعَدُونَ مِنَ القَتْلِ والعَذابِ، فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم ولا تُهْلِكْنِي بِهَلاكِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ تَعالى ما وعَدَهم بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَجّاهُ ومَن مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: (p-٤٨٩)
أحَدُها: ادْفَعْ إساءَةَ المُسِيءِ بِالصَّفْحِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: ادْفَعِ الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: بِما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: إنّا نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ﴾؛ أيْ: ألْجَأُ وأمْتَنِعُ، ﴿بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو نَخْسُها وطَعْنُها، ومِنهُ قِيلَ لِلَعائِبِ: هُمَزَةٌ، كَأنَّهُ يَطْعَنُ ويَنْخَسُ إذا عابَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الهَمْزُ كالعَصْرِ، يُقالُ: هَمَزْتُ الشَّيْءَ في كَفِّي، ومِنهُ الهَمْزُ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يَضْغَطُ الحَرْفَ. وقالَ غَيْرُهُ: الهَمْزُ في اللُّغَةِ: الدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: دَفْعُهم بِالإغْواءِ إلى المَعاصِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَحْضُرُونِ﴾؛ أيْ: أنْ يَشْهَدُونَ، والمَعْنى: أنْ يُصِيبُونِي بِسُوءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَحْضُرُ ابْنَ آدَمَ إلّا بِسُوءٍ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ مِنهم لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ارْجِعُونِ﴾ وهو يُرِيدُ: ارْجِعْنِي ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْعَظِيمِ الشَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ [ فِيهِ ] بِما تُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [ ق: ٤٣ ]، فَجاءَ خِطابُهُ كَإخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.(p-٤٩٠)
23:99–104Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما مَضى مِن عُمْرِي. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيما تَرَكْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لا يُرْجَعُ إلى الدُّنْيا، ﴿إنَّها﴾ يَعْنِي: مَسْألَتُهُ الرَّجْعَةَ، ﴿كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾؛ أيْ: هو كَلامٌ لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ. ﴿وَمِن ورائِهِمْ﴾؛ أيْ: أمامِهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرْزَخُ: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو بَرْزَخٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: البَرْزَخُ في اللُّغَةِ: الحاجِزُ، وهو هاهُنا ما بَيْنَ مَوْتِ المَيِّتِ وبَعْثِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ في هَذِهِ النَّفْخَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها الثّانِيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ يَتَفاخَرُونَ بِها أوْ يَتَقاطَعُونَ بِها؛ لِأنَّ الأنْسابَ لا تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ، إنَّما يُرْفَعُ التَّواصُلُ والتَّفاخُرُ بِها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: (p-٤٩١)
أحَدُها: لا يَتَساءَلُونَ بِالأنْسابِ أنْ يَتْرُكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ حَقَّهُ.
والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ شَأْنِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ.
والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أيِّ قَبِيلٍ أنْتَ، كَما تَفْعَلُ العَرَبُ لِتَعْرِفَ النَّسَبَ فَتَعْرِفَ قَدْرَ الرَّجُلِ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الأعْرافِ: ٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَلْفَحُ وتَنْفَحُ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ اللَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا. والكالِحُ: الَّذِي قَدْ تَشَمَّرَتْ شَفَتُهُ عَنْ أسْنانِهِ، نَحْوَ ما تَرى [ مِن ] رُءُوسِ الغَنَمِ إذا بَرَزَتِ الأسْنانُ وتَشَمَّرَتِ الشِّفاهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ بَدَتْ أسْنانُهم وتَقَلَّصَتْ شِفاهُهم كالرَّأْسِ المَشِيطِ بِالنّارِ. ورَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: " تَشْوِيهِ النّارُ فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» " .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences