Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:11–31
24:11–20Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما يَتَعَلَّقُ بِها بَعْدَها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ. وفي حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى عَشْرِ آياتٍ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَة. وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الإفْكِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي كِتابِ " المُغَنِي في التَّفْسِيرِ " فَلَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهِ، لِأنَّ غَرَضَنا اخْتِصارُ هَذا الكِتابِ لِيُحْفَظَ. فَأمّا الإفْكُ، فَهو الكَذِبُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ.
(p-١٨)وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. ورَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ هم أرْبَعَةٌ: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيِّ [بْنِ سَلُولٍ]، ومِسْطَحُ بْنُ أثاثَةٍ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ؛ والمَعْنى: إنَّكم تُؤَجَرُونَ فِيهِ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ ﴿ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ: جَزاءُ ما اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ، ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ: " كُبْرَهُ " بِضَمِّ (p-١٩)الكافِ. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كِبْرُ الشَّيْءَ: مُعْظَمُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَذْكُرُ امْرَأةً:
تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْعَرِفُ
وَفِي المُتَوَلِّي لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الَّذِي أشاعَ الحَدِيثَ، فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بِالنّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ هو الَّذِي بَدَأ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ حَسّانٌ؛ رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: ما سَمِعَتُ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ، وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ؛ فَقِيلَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟ ورَوى عَنْها مَسْرُوقُ أنَّها قالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، تَعْنِي حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ.
(p-٢٠)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْكَرَ عَلى الخائِضِينَ في الإفْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ أيَّتُها العُصْبَةُ الكاذِبَةُ قَذْفَ عائِشَةَ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾ مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ، وهم حَسّانُ ومِسْطَحٌ ﴿والمُؤْمِناتُ﴾ وهِيَ: حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِأُمَّهاتِهِمْ. والثّانِي: بِأخَواتِهِمْ. والثّالِثُ: بِأهْلِ دِينِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ﴿وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا أيُّوبٍ الأنْصارِيَّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في أمْرِ عائِشَةَ؟! فَقالَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ، أكُنْتِ يا أُمّاهُ فاعِلَتَهُ؟ قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا﴾ أيْ: هَلّا جاءَتِ العُصْبَةُ الكاذِبَةُ عَلى قَذْفِهِمْ [عائِشَةَ] ﴿بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِأرْبَعَةٍ " مُنَوَّنَةٍ؛ والمَعْنى: يَشْهَدُونَ بِأنَّهم عايَنُوا ما رَمَوْها بِهِ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ القاذِفِينَ فَقالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ: لَوْلا ما مَنَّ [اللَّهُ] بِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِي ما أفَضْتُمْ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ وخُضْتُمْ ﴿فِيهِ﴾ مِنَ الكَذِبِ والقَذْفِ (p-٢١)﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الَّذِي لَوْلا فَضْلُهُ لَأصابَهم فِيهِ العَذابُ فَقالَ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذا، فَيَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: " إذْ تُلْقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وإسْكانِ اللّامِ وقافٍ مَنقُوطَةٍ بِنُقْطَتَيْنِ مَرْفُوعَةٍ خَفِيفَةٍ؛ وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا التّاءَ والقافَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " تَتَلَقَّوْنَهُ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدُ، وأبُو حَيْوَةَ: " تَلِقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ ورَفْعِ القافِ. وقالَ الزَّجّاجُ: " تُلْقُونَهُ ": يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتُلْقُونَهُ؛ ومَعْناهُ: إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ، يُقالُ: ولَقَ يَلْقَ: إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُّ
أيْ: تُسْرِعُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " تُلْقُونَهُ " أيْ: تَقْبَلُونَهُ، ومَن قَرَأ: " تُلْقُونَهُ " أخَذَهُ مِنَ الوَلْقِ، وهو الكَذِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ القَذْفَ ﴿هَيِّنًا﴾ أيْ: سَهْلًا لا إثْمَ (p-٢٢)فِيهِ ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْرِ. ثُمَّ زادَ عَلَيْهِمْ في الإنْكارِ فَقالَ: ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَحِلُّ وما يَنْبَغِي لَنا ﴿أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ﴾ وهو يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ والتَّعَجُّبَ. ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: ألَمْ تَسْمَعْ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟! فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ ... الآيَةُ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا أنَّ أُمَّهُ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلّا قُلْتُمْ كَما قالَ سَعْدٌ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴿أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أيْ: إلى مِثْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ مِن شَرْطِ الإيمانِ تَرْكَ قَذْفِ المُحْصَنَةِ. ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْىِ.
ثُمَّ هَدَّدَ القاذِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ يَفْشُوَ القَذْفُ بِالفاحِشَةِ، وهي الزِّنا ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ يَعْنِي: الجَلْدَ ﴿والآخِرَةِ﴾ عَذابَ النّارِ. ورَوَتْ عُمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أُمِرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأمّا الثَّلاثَةُ فَتابُوا، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ فَماتَ مُنافِقًا،» وبَعْضُ العُلَماءِ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذا، ويَقُولُ: لَمْ يَضْرِبْ أحَدًا.
(p-٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ شَرَّ ما خُضْتُمْ فِيهِ وما يَتَضَمَّنُ مِن سَخَطِ اللَّهِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَعاقَبَكم فِيما قُلْتُمْ لِعائِشَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِسْطَحًا، وحَسّانَ، وحَمْنَةَ.
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: تَزْيِينَهُ لَكم قَذْفَ عائِشَةَ. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ " خُطُوات الشَّيْطانِ " وبَيانُ " الفَحْشاء والمُنْكِر " [البَقَرَةِ:١٦٨، ١٦٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زَكا مِنكُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: " ما زَكّى " بِتَشْدِيدِ الكافِ.
وَفِيمَن خُوطِبَ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ في الإفْكِ.
ثُمَّ في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما اهْتَدى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: ما أسْلَمَ، قالَهُ ابْنُ زَبَدٍ. والثّالِثُ: ما صَلَحَ، قالَهُ مُقاتِلُ. والرّابِعُ: ما طَهَّرَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُطَهِّرُ مَن يَشاءُ مِنَ (p-٢٤)الإثْمِ بِالتَّوْبَةِ والغُفْرانِ؛ فالمَعْنى: وقَدْ شِئْتُ أنْ أتُوبَ عَلَيْكُمْ، ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَلِمَ ما في نُفُوسِكم مِنَ التَّوْبَةِ والنَّدامَةِ.
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولا يَتَألَّ " بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَيْنَ التّاءِ واللّامِ وتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى وزْنِ يَتَعَلَّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِيقَ كانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ لِقَرابَتِهِ وفَقْرِهِ، فَلَمّا خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ [شَيْئًا] أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأمّا الفَضْلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو التَّفَضُّلُ، والسَّعَةُ: الجِدَّةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِهِ: أبُو بَكْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: أنْ لا يُؤْتُوا، فَحَذَفَ " لا " . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولِي القُرْبى﴾ فَإنَّهُ يَعْنِي مِسْطَحًا، وكانَ ابْنَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ، وكانَ مِسْكِينًا، وكانَ مُهاجِرًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا سَمِعَ أبُو بَكْرٍ ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: بَلى يا رَبِّ، وأعادَ نَفَقَتَهُ عَلى مِسْطَحٍ.
24:23–25Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي: العَفائِفَ ﴿الغافِلاتِ﴾ عَنِ الفَواحِشِ، ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا﴾ أيْ: عُذِّبُوا بِالجَلْدِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً. قالَ خَصِيفٌ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقُلْتُ: مَن قَذَفَ مُحْصَنَةً لَعَنَهُ اللَّهُ؟ قالَ: لا، إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عائِشَةَ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّها في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّها في المُهاجِراتِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ: بَلَغَنا أنَّ المَرْأةَ كانَتْ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً، قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ تَفْجُرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِنَّ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
(p-٢٦)فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُحْصَناتِ دُونَ الرِّجالِ؟
فالجَوابُ: [أنَّ] مَن رَمى مُؤْمِنَةً فَلا بُدَّ أنْ يَرْمِيَ مَعَها مُؤْمِنًا، فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [ النَّحْلِ:٨١] أرادَ: والبَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " يَشْهَدُ " بِالياءِ؛ وهو إقْرارُها بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنَ الفِرْيَةِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَؤُلاءِ غَيْرُ الَّذِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أنَّ ألْسِنَةَ بَعْضِهِمْ تَشْهَدُ عَلى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ: حِسابَهُمُ العَدْلَ، وقِيلَ: جَزاءَهُمُ الواجِبَ. وقَرَأ مُجاهِدُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، والأعْمَشُ: " دِينَهُمُ الحَقُّ " بِرَفْعِ القافِ ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَ يَشُكُّ في الدِّينِ، فَإذا كانَتِ القِيامَةُ عَلِمَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ لا يَتَكَلَّمُ بِها إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ لا يَتَكَلَّمُ. بِها إلّا الطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.
والثّانِي: الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ إنَّما تُلْصَقُ بِالخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَأمّا الطَّيِّباتُ والطَّيِّبُونَ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إلّا الطَّيِّباتُ.
(p-٢٧)والثّالِثُ: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ.
والرّابِعُ: الخَبِيثاتُ مِنَ الأعْمالِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ، والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الأعْمالِ، وكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ. ﴿أُولَئِكَ﴾ يَعْنِي: عائِشَةَ وصَفْوانَ ﴿مُبَرَّءُونَ﴾ أيْ مُنَزَّهُونَ ﴿مِمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الفِرْيَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجَنَّةِ.
24:27–29Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩
There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، فَلا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ نُزُولِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ساكِنٌ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ. .﴾ الآيَةُ.» ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ (p-٢٨)أيْ: بُيُوتًا لَيْسَتْ لَكم. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في باءِ البُيُوتِ، فَقَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّها، وبَعْضُهم بِكَسْرِها. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ١٨٩ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْنِسُوا. قالَ الزَّجّاجُ: و﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ في اللُّغَةِ، بِمَعْنى تَسْتَأْذِنُوا، وكَذَلِكَ هو في التَّفْسِيرِ، والِاسْتِئْذانُ: الِاسْتِعْلامُ، تَقُولُ: آذَنْتُهُ بِكَذا، أيْ: أعْلَمْتُهُ وآنَسْتُ مِنهُ كَذا، أيْ: عَلِمْتُ مِنهُ، ومِثْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النِّساءِ: ٦] أيْ: عَلِمْتُمْ. فَمَعْنى الآيَةِ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا، يُرِيدُ أهْلَها أنْ تَدْخُلُوا، أمْ لا قالَ المُفَسِّرُونَ: وصِفَةُ الِاسْتِعْلامِ أنْ تَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ؟ ولا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِكَ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، لِهَذِهِ الآيَةِ، ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن أنْ تَدْخُلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّ الِاسْتِئْذانَ خَيْرٌ فَتَأْخُذُونَ بِهِ، قالَ عَطاءُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي وأُخْتِي ونَحْنُ في بَيْتٍ واحِدٍ؟ قالَ: أيَسُرُّكَ أنْ تَرى مِنهُنَّ عَوْرَةً؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ: إنْ وجَدْتُمُوها خالِيَةً ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكم ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ: إنْ رَدُّوكم فَلا تَقِفُوا عَلى أبْوابِهِمْ وتُلازِمُوها، ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ يَعْنِي: الرُّجُوعُ خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الدُّخُولِ بِإذْنٍ وغَيْرِ إذَنٍ ﴿عَلِيمٌ﴾
(p-٢٩)* فَصْلٌ
وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، أمْ لا؟ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها عامٌّ في جَمِيعِ البُيُوتِ، ثُمَّ نُسِخَتْ مِنها البُيُوتُ الَّتِي لَيْسَ لَها أهْلٌ يَسْتَأْذِنُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مَحْكَمَتانِ، فالِاسْتِئْذانُ شَرْطٌ في الأُولى إذا كانَ لِلدّارِ أهْلٌ، والثّانِيَةُ ورَدَتْ في بُيُوتٍ لا ساكِنَ لَها، والإذْنُ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ آذِنٍ، فَإذا بَطُلَ الِاسْتِئْذانُ، لَمْ تَكُنِ البُيُوتُ الخالِيَةُ داخِلَةً في الأُولى، وهَذا أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخاناتُ والبُيُوتُ المُبَيَّنَةُ لِلسّابِلَةِ لِيَأْوُوا إلَيْها، ويُؤْوُوا أمْتِعَتَهم قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها البُيُوتُ الخَرِبَةُ، والمَتاعُ: قَضاءُ الحاجَةِ فِيها مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بُيُوتُ مَكَّةَ، قالَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.
والرّابِعُ: حَوانِيتُ التُّجّارِ الَّتِي بِالأسْواقِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّها جَمِيعُ البُيُوتِ الَّتِي لا ساكِنَ لَها، لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ إنَّما جُعِلَ لِأجْلِ السّاكِنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
فَيَخْرُجُ في مَعْنى " المَتاعِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
(p-٣٠)أحَدُهُما: الأمْتِعَةُ الَّتِي تُباعُ وتُشْتَرى. والثّانِي: إلْقاءُ الأذى مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ. والثّالِثُ: الِانْتِفاعُ بِالبُيُوتِ لِاتِّقاءِ الحَرِّ والبَرْدِ.
24:30–31Page 353
قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠
Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.
وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١
And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ في " مِن " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ. والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، لِأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالغَضِّ مُطْلَقًا، وإنَّما أُمِرُوا بِالغَضِّ عَمّا لا يَحِلُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: عَنْ أنْ تَرى فَهو أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِتارِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغَضِّ وحِفْظِ الفُرُوجِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: خَيْرٌ وأفْضَلُ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ في الأبْصارِ والفُرُوجِ. ثُمَّ أمَرَ النِّساءَ بِما أمَرَ بِهِ الرِّجالَ.
(p-٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أيْ: لا يُظْهِرْنَها لِغَيْرِ مَحْرَمٍ. وزِينَتُهُنَّ عَلى ضَرْبَيْنِ، خَفِيَّةٍ كالسِّوارَيْنِ والقِرْطَيْنِ والدُّمْلُجِ والقَلائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وظاهِرَةٍ وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: أنَّها الثِّيابُ، رَواهُ أبُو الأحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ قالَ: هو الرِّداءُ. والثّانِي: أنَّها الكَفُّ والخاتَمُ والوَجْهُ. والثّالِثُ: الكُحْلُ والخاتَمُ، رَواهُما سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: القَلْبانِ، وهُما السِّوارانِ والخاتَمُ والكُحْلُ، قالَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. والخامِسُ: الكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ، قالَهُ مُجاهِدُ. والسّادِسُ: الخاتَمُ والسِّوارُ، قالَهُ الحَسَنُ. والسّابِعُ: الوَجْهُ والكَفّانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، فَقالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الثِّيابُ، وكُلُّ شَئٍ مِنها عَوْرَةٌ حَتّى الظُّفْرُ، ويُفِيدُ هَذا تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلى شَئٍ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإنْ كانَ (p-٣٢)لِعُذْرٍ مِثْلِ أنْ يُرِيدَ أنْ يَتَزَوَّجَها أوْ يَشْهَدَ عَلَيْها، فَإنَّهُ يَنْظُرُ في الحالَيْنِ إلى وجْهِها خاصَّةً فَأمّا النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا يَجُوزُ لا لِشَهْوَةٍ ولا لِغَيْرِها، وسَواءً في ذَلِكَ الوَجْهُ والكَفّانِ وغَيْرُهُما مِنَ البَدَنِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِكَشْفِ وجْهِها؟!
فالجَوابُ: أنَّ في تَغْطِيَتِهِ مَشَقَّةً، فَعُفِيَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ وهي جُمْعُ خِمارٍ، وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها، والمَعْنى: ولْيُلْقِينَ مَقانِعَهُنَّ ﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وقِرْطَهُنَّ وأعْناقَهُنَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " عَلى جِيُوبِهِنَّ " بِكَسْرِ الجِيمِ، ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يَعْنِي: الخَفِيَّةَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُها ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَضَعْنَ الجِلْبابَ والخِمارَ إلّا لِأزْواجِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي: المُسْلِماتِ. قالَ أحْمَدُ: لا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَكْشِفَ رَأْسَها عِنْدَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، واليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ لا تَقْبَلانِ المُسْلِمَةَ.
(p-٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ بِهِ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ. وقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ، فَيَجُوزُ لِلْمَرْأةِ عِنْدَهم أنْ تُظْهِرَ لِمَمْلُوكِها ما تُظْهِرُ لِمَحارِمِها، لِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مَحْرَمٌ لَها، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى غَيْرِ وجْهِها وكَفَّيْها، وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما ذَكَرَ الإماءَ في الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُبْدِيَ زِينَتَها لِلْإماءِ، لِأنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أحْرارٌ، فَلَمّا ذَكَرَ الإماءَ زالَ الإشْكالُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ التّابِعِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ القَوْمَ ويَكُونُونَ مَعَهم لِإرْفاقِهِمْ إيّاهُمْ، أوْ لِأنَّهم نَشَؤُوا فِيهِمْ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التّابِعِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ المَرْأةُ ولا يَغارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدُ: هو الأبْلَهُ الَّذِي يُرِيدُ الطَّعامَ ولا يُرِيدُ النِّساءَ. والثّانِي: أنَّهُ العِنِّينُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: المُخَنَّثُ كانَ يَتْبَعُ الرَّجُلَ يَخْدُمُهُ بِطَعامِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَشَيانَ النِّساءِ ولا يَشْتَهِيهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْخُ (p-٣٤)الفانِي، والخامِسُ: أنَّهُ الخادِمُ، قالَهُما ابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَكْتَرِثُ بِالنِّساءِ، إمّا لِكِبَرٍ أوْ لِهِرَمٍ أوْ لِصِغَرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿غَيْرِ﴾ صِفَةٌ لِلتّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مَعْناهُ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ والمَعْنى: ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَمالِيكِهِنَّ، ولا لِتُبّاعِهِنَّ، إلّا أنْ يَكُونُوا غَيْرَ أُولِي الإرْبَةِ، والإرْبَةُ: الحاجَةُ، ومَعْناهُ: غَيْرُ ذَوِي الحاجاتِ إلى النِّساءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ الأطْفالَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ أيْ: لَمْ يَعْرِفُوها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ أيْ: بِإحْدى الرِّجْلَيْنِ عَلى الأُخْرى لِيَضْرِبَ الخَلْخالُ الخَلْخالَ فَيُعْلَمَ أنَّ عَلَيْها خَلْخالَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences