Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:32–42
24:32–34Page 354
وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢
And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣
But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤
And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
(p-٣٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، يُقالُ: رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، ورَجُلٌ أرْمَلٌ وامْرَأةٌ أرْمَلَةٌ، ورَجُلٌ بِكْرٌ وامْرَأةٌ بِكْرٌ: إذا لَمْ يَتَزَوَّجا وامْرَأةٌ ثَيِّبٌ ورَجُلٌ ثَيِّبٌ: إذا كانا قَدْ تَزَوَّجا، ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكُمْ، يُقالُ، عَبْدٌ وعِبادٌ وعَبِيدٌ، كَما يُقالُ: كَلْبٌ وكِلابٌ وكُلَيْبٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " مِن عَبِيدِكم " .
(p-٣٦)قالَ المُفَسِّرُونَ والمُرادُ بِالآيَةِ النَّدْبُ. ومَعْنى الصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ. والمُرادُ بِالعِبادِ: المَمْلُوكُونَ، فالمَعْنى: زَوِّجُوا المُؤْمِنِينَ مِن عَبِيدِكم ووَلائِدِكم. ثُمَّ رَجَعَ إلى الأحْرارِ فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَأخْبَرَهم أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: ولْيَطْلُبِ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ ما يَنْكِحُ بِهِ مِن صَداقٍ ونَفَقَةٍ. وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ عَلَيْكم بِالباءَةِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيامِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ» " .
(p-٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ واجِبٌ، قالَهُ عَطاءُ، وعَمْرٍو بْنُ دِينارٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّها نَزَلَتْ في غُلامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى يُقالُ لَهُ: صُبَيْحٌ، سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكاتَبَهُ حُوَيْطِبُ عَلى مِائَةِ دِينارٍ ووَهَبَ لَهُ مِنها عِشْرِينَ دِينارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم مالًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، وعَطاءُ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، يَعْنِي: الكَسْبَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ دِينًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: إنْ عَلِمْتُمْ أنَّهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الخَيْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: إنْ أقامُوا الصَّلاةَ، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ. والسّادِسُ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم صِدْقًا ووَفاءً قالَهُ إبْراهِيمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأغْنِياءِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هو سَهْمُ الرِّقابِ يُعْطى مِنهُ المُكاتَبُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلسّادَةِ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا مُكاتَبِيهِمْ مِن كِتابَتِهِمْ شَيْئًا.
قالَ أحْمَدُ والشّافِعِيُّ: الإيتاءُ واجِبٌ، وقَدَّرَهُ أحْمَدُ بِرُبْعِ مالِ الكِتابَةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: لا يَجِبُ الإيتاءُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ (p-٣٨)أنَّهُ كاتَبَ غُلامًا لَهُ يُقالُ لَهُ: أبُو أُمَيَّةَ فَجاءَهُ بِنَجْمِهِ حِينَ حَلَّ؛ فَقالَ: اذْهَبْ يا أبا أُمَيَّةَ فاسْتَعِنْ بِهِ في مُكاتَبَتِكَ، قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أخَّرْتَهُ حَتّى يَكُونَ في آخِرِ النُّجُومِ ؟ فَقالَ: يا أبا أُمَيَّةَ، إنِّي أخافُ أنْ لا أُدْرِكَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثٍ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ، قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ لَهُ جارِيَتانِ، مُعاذَةُ ومُسَيْكَةُ، فَكانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، ويَأْخُذُ مِنهُما الضَّرِيبَةَ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، يُؤاجِرُونَ إماءَهم، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَتْ مُعاذَةُ لِمُسَيْكَةَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنا مِنهُ، وإنَّ كانَ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنا أنْ نَدَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في سِتِّ جَوارٍ كُنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ: مُعاذَةَ، ومُسَيْكَةَ، وأُمَيْمَةَ، وقُتَيْلَةَ، وعَمْرَةَ، وأرْوى. فَأمّا الفَتَياتُ، فَهُنَّ الإماءُ. والبِغاءُ: الزِّنا. والتَّحَصُّنُ: التَّعَفُّفُ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الكَلامَ ورَدَ عَلى سَبَبٍ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَخَرَجَ النَّهْيُ عَنْ صِفَةِ السَّبَبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ.
(p-٣٩)والثّانِي: أنَّهُ إنَّما شَرَطَ إرادَةَ التَّحَصُّنِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَأمّا إذا لَمْ تُرِدِ المَرْأةُ التَّحَصُّنَ، فَإنَّها تَبْغِي بِالطَّبْعِ.
والثّالِثُ: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى " إذْ "، ومِثْلُهُ: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٧٨] ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ:١٣٩] .
والرّابِعُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإمائِكُمْ﴾ ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو كَسْبُهُنَّ وبَيْعُ أوْلادِهِنَّ ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لِلْمُكْرَهاتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ: " مُبَيِّناتٍ " بِكَسْرِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ [النُّورِ: ٣٤، ٤٦]، وآخَرِ سُورَةِ (الطَّلاقِ: ١١)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ: شَبَهًا مِن حالِهِمْ بِحالِكم أيُّها المُكَذِّبُونَ، وهَذا تَخْوِيفٌ لَهم أنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم.
24:35Page 354
۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥
Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٤٠)وَبِهِ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وبَيانُ هَذا أنَّ النُّورَ في اللُّغَةِ: الضِّياءُ، وهو الَّذِي تَصِلُ بِهِ الأبْصارُ إلى مُبْصَراتِها، فَوَرَدَ النُّورُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَهْدِي المُؤْمِنِينَ ويُبَيِّنُ لَهم ما يَهْتَدُونَ بِهِ، والخَلائِقُ بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ.
والثّانِي: مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " اللَّهُ نَوَّرَ " بِفَتْحِ النُّونِ والواوِ وتَشْدِيدِها ونَصْبِ الرّاءِ " السَّماواتِ " بِالخَفْضِ " والأرْضَ " بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ، فَتَقْدِيرُهُ: مَثُلُ نُورِ المُؤْمِنِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وكانَ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَآنِ: " مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ "
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ قالَهُ سُفْيانُ.
فَأمّا المِشْكاةُ، فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها في مَوْضِعِ الفَتِيلَةِ مِنَ القِنْدِيلِ الَّذِي هو كالأُنْبُوبِ، والمِصْباحُ: الضَّوْءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها القِنْدِيلُ، والمِصْباحُ: الفَتِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّها الكُوَّةُ الَّتِي لا مَنفَذَ لَها، والمِصْباحُ: السِّراجُ، قالَهُ كَعْبٌ، وكَذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: المِشْكاةُ: الكُوَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِنافِذَةٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المِشْكاةُ: (p-٤١)الكُوَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن كَلامِ العَرَبِ، والمِصْباحُ السِّراجُ.
وَإنَّما ذَكَرَ الزُّجاجَةَ، لِأنَّ النُّورَ في الزُّجاجِ أشَدُّ ضَوْءًا مِنهُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " في زَجاجَةٍ الزَّجاجَةُ " بِفَتْحِ الزّايِ فِيهِما وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما. قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: مَعْنى الآيَةِ: كَمَثَلِ مِصْباحٍ في مِشْكاةٍ، فَهو مِنَ المَقْلُوبِ.
فَأمّا الدُّرِّيُّ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ " دِرِّيءٌ " بِكَسْرِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى عَلى هَذا: إنَّهُ مِنَ الكَواكِبِ الدَّرارِيءِ، وهي اللّاتِي يَدْرَأْنَ عَلَيْكَ، أيْ: يَطَّلِعْنَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن دَرَأ يَدْرَأُ: إذا انْدَفَعَ مُنْقَضًّا فَتَضاعَفَ نُورُهُ، يُقالُ: تَدارَأ الرَّجُلانِ: إذا تَدافَعا. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ كَسْرَ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ والزُّهْرِيِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " دُرِّيٌّ " بِضَمِّ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ (p-٤٢)وَتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " دَرِّيءٌ " بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مَهْمُوزًا مَقْصُورًا. قالَ الزَّجّاجُ: الدُّرِّيُّ: مَنسُوبٌ إلى أنَّهُ كالدُّرِّ في صَفائِهِ وحُسْنِهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: الدُّرِّيُّ: الَّذِي يُشْبِهُ الدُّرَّ، والدِّرِّيُّ: جارٍ، والدَّرِّيُّ: يَلْتَمِعُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: بِضَمِّ الدّالِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ إثْباتِ الهَمْزَةِ والمَدِّ، قالَ الزَّجّاجُ: فالنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يَعْرِفُونَ الوَجْهَ في هَذا؛ وقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ هَذا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ " فُعِّيلٌ " إلّا أعْجَمِيٌّ، مِثْلُ مُرِّيقٍ، وما أشْبَهَهُ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ: المُرِّيقُ: العُصْفُرُ، أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، ولَيْسَ في كَلامِهِمُ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فُعِّيلٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ عَنْ أبِي الخَطّابِ: كَوْكَبٌ دُرِّيءٌ: مِنَ الصِّفاتِ، ومِنَ الأسْماءِ: المُرِّيقُ: العُصْفُرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوقَدُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو عَمْرٍو: بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وتَشْدِيدِ القافِ ونَصْبِ الدّالِ، يُرِيدانِ المِصْباحَ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُوقَدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يُوقَدُ " بِالياءِ مَضْمُومَةً مَعَ ضَمِّ الدّالِ، يُرِيدُونَ المِصْباحَ أيْضًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقَدُ " بِضَمِّ التّاءِ والدّالِ، يُرِيدُونَ الزُّجاجَةَ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَقْصُودُ: مِصْباحُ الزُّجاجَةِ، فَحَذَفَ المُضافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ: مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، فَحَذَفَ المُضافَ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾؛ والمُرادُ بِالشَّجَرَةِ هاهُنا: شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، (p-٤٣)وَبَرَكَتُها مِن وُجُوهٍ، فَإنَّها تَجْمَعُ الأُدْمَ والدُّهْنَ والوَقُودَ، فَيُوقَدُ بِحَطَبِ الزَّيْتُونِ ويُغْسَلُ بِرَمادِهِ الإبْرَيْسَمُ، ويُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ أسْهَلَ اسْتِخْراجٍ، ويُورِقُ غُصْنُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ هاهُنا دُونَ غَيْرِها، لِأنَّ دُهْنَها أصْفى وأضْوَأُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بَيْنَ الشَّجَرِ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها في الصَّحْراءِ لا يُظِلُّها جَبَلٌ ولا كَهْفٌ، ولا يُوارِيها شَيْءٍ، فَهو أجْوَدُ لِزَيْتِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّها مِن شَجَرِ الجَنَّةِ، لا مِن شَجَرِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ أيْ: يَكادُ مِن صَفائِهِ يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تُصِيبَهُ النّارُ بِأنْ يُوقَدَ بِهِ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: النّارُ عَلى الزَّيْتِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المِصْباحُ نُورٌ، والزُّجاجَةُ نُورٌ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نُورُ النّارِ، ونُورُ الزَّيْتِ، ونُورُ الزُّجاجَةِ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٤٤)أحَدُها: لِنُورِ القُرْآنِ. والثّانِي: لِنُورِ الإيمانِ. والثّالِثُ: لِنُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والرّابِعُ: لِدِينِهِ الإسْلامِ.
فَصْلٌ
فَأمّا وجْهُ هَذا المَثَلِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شَبَّهَ نُورَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالمِصْباحِ النَّيِّرِ؛ فالمِشْكاةُ جَوْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، فَهو مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَمّاهُ شَجَرَةً مُبارَكَةً، لِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِن صُلْبِهِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، يَكادُ مُحَمَّدٌ ﷺ يَتَبَيَّنُ لِلنّاسِ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ. وقالَ القُرَظِيُّ: المِشْكاةُ: إبْراهِيمُ، والزُّجاجَةُ: إسْماعِيلُ، والمِصْباحُ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَبَّهَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بِالمِشْكاةِ، وعَبْدَ اللَّهِ بِالزُّجاجَةِ، ومُحَمَّدًا ﷺ بِالمِصْباحِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ نُورَ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِالمِصْباحِ، فالمِشْكاةُ: قَلْبُهُ، والمِصْباحُ: نُورُ الإيمانِ فِيهِ. وقِيلَ: المِشْكاةُ: صَدْرُهُ، والمِصْباحُ: القُرْآنُ والإيمانُ اللَّذانِ في (p-٤٥)صَدْرِهِ، والزُّجاجَةُ: قَلْبُهُ، فَكَأنَّهُ مِمّا فِيهِ مِنَ القُرْآنِ والإيمانِ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ، وهي الإخْلاصُ، فَمَثَلُ الإخْلاصِ عِنْدَهُ كَشَجَرَةٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدِ احْتَرَسَ مِن أنْ تُصِيبَهُ الفِتَنُ، فَإنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإنْ قالَ صَدَقَ، وإنْ حَكَمَ عَدَلَ، فَقَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى كَما يَكادُ هَذا الزَّيْتُ يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ اشْتَدَّ نُورُهُ، فالمُؤْمِنُ كَلامُهُ نُورٌ، وعَمَلُهُ نُورٌ، ومَدْخَلُهُ نُورٌ، ومَخْرَجُهُ نُورٌ، ومَصِيرُهُ إلى نُورٍ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ شَبَّهَ القُرْآنَ بِالمِصْباحِ يُسْتَضاءُ بِهِ ولا يُنْقَصُ، والزُّجاجَةُ: قَلْبُ المُؤْمِنِ، والمِشْكاةُ: لِسانُهُ وفَمُهُ، والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ: شَجَرَةُ الوَحْيِ، تَكادُ حُجَجُ القُرْآنِ تَتَّضِحُ وإنْ لَمْ نَقْرَأْ. وقِيلَ: تَكادُ حُجَجُ اللَّهِ تُضِيءُ لِمَن فَكَّرَ فِيها وتَدَبَّرَها ولَوْ لَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ، ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ نُورٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مَعَ ما قَدْ قامَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ والإعْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ أيْ: ويُبَيِّنُ اللَّهُ الأشْباهَ لِلنّاسِ؛ تَقْرِيبًا إلى الأفْهامِ، وتَسْهِيلًا لِسُبُلِ الإدْراكِ.
24:36–38Page 354
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦
[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1
رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧
[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -
لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨
That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " في " مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، (p-٤٦)فالمَعْنى: كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ فَتَكُونَ فِيها تَكْرِيرًا عَلى التَّوْكِيدِ؛ والمَعْنى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ رِجالٌ في بُيُوتٍ.
فَإنْ قِيلَ: المِشْكاةُ إنَّما تَكُونُ في بَيْتٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخِطابِ المُتَلَوِّنِ الَّذِي يُفْتَحُ بِالتَّوْحِيدِ ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطَّلاقِ:١] .
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فالمَعْنى: في كُلِّ بَيْتٍ مِشْكاةٌ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالبُيُوتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: بُيُوتُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَأمّا ﴿أذِنَ﴾ فَمَعَناهُ: أمَرَ. وفي مَعْنى ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنْ تُعَظَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنْ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
(p-٤٧)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَوْحِيدُهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُتْلى فِيها كِتابُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يُسَبِّحُ " بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِها. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيَوَةَ: " تُسَبِّحُ " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ الحاءِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ. ثُمَّ في صَلاةِ الغُدُوِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: صَلاةُ الضُّحى، رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ . وفي صَلاةِ الآصالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ أيْ لا تُشْغِلُهم ﴿تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: التُّجّارُ: الجَلّابُونَ، والباعَةُ: المُقِيمُونَ. وقالَ الواقِدَيُّ: التِّجارَةُ ها هُنا بِمَعْنى الشِّراءِ.
(p-٤٨)وَفِي المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ. ورَوى سالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
والثّانِي: عَنِ القِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإقامِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: أدائِها لِوَقْتِها وإتْمامِها.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةَ، فَما مَعْنى إعادَتِها؟
فالجَوابُ: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم يُقِيمُونَها بِأدائِها في وقْتِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَن كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ازْدادَ بَصِيرَةً بِرُؤْيَةِ ما وُعِدَ بِهِ؛ ومَن كانَ قَلْبُهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، رَأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَتَقَلَّبُ، تَنْظُرُ مِن أيْنَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم، أمِن قِبَلِ اليَمِينِ، أمْ مِن قَبْلِ الشِّمالِ؟ وأيُّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ، أذاتَ اليَمِينِ أمْ ذاتَ الشِّمالِ؟ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ فَتَبْلُغُ إلى الحَناجِرِ، وتَتَقَلَّبُ الأبْصارُ إلى الزَّرَقِ بَعْدَ الكَحَلِ والعَمى بَعْدَ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ المَعْنى: يُسَبِّحُونَ اللَّهَ لِيَجْزِيَهم ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: لِيَجْزِيَهم بِحَسَناتِهِمْ. فَأمّا مَساوِئُهم فَلا يَجْزِيهِمْ بِها ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ (p-٤٩)ما لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأعْمالِهِمْ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧) .
24:39–40Page 355
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩
But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّرابُ: ما رَأيْتَهُ مِنَ الشَّمْسِ كالماءِ نِصْفَ النَّهارِ، والآلُ: ما رَأيْتَهُ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وهو يَرْفَعُ كُلَّ شَيْءٍ، والقِيعَةُ والقاعُ واحِدٌ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " بِقِيعاتٍ " . وقالَ الزَّجّاجُ: القِيعَةُ جَمْعُ قاعٍ، مِثْلُ جارٍ وجِيرَةٍ، والقِيعَةُ والقاعُ: ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ نَباتٌ، فالَّذِي يَسِيرُ فِيهِ يَرى كَأنَّ فِيهِ ماءً يَجْرِي، وذَلِكَ هو السَّرابُ، والآلُ مِثْلُ السَّرابِ، إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ وقْتَ الضُّحى- كالماءِ- بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ- وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ- ماءً، حَتّى إذا جاءَ إلى مَوْضِعِ السَّرابِ رَأى أرْضًا لا ماءَ فِيها، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الكافِرَ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ عَمَلَهُ قَدْ نَفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ- كَظَنِّ الَّذِي يَظُنُّ السَّرابَ ماءً- وعَمَلُهُ قَدْ حَبِطَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أيْ: قَدِمَ عَلى اللَّهِ ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ: جازاهُ بِعَمَلِهِ؛ وهَذا في الظّاهِرِ خَبَرٌ عَنِ الظَّمْآنِ، والمُرادُ بِهِ الخَبَرُ عَنِ الكافِرِ.
(p-٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مُفَسَّرٌ في (البَقَرَةِ: ٢٠٢) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ في هَذا المَثَلِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لِعَمَلِ الكافِرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِقَلْبِ الكافِرِ في أنَّهُ لا يَعْقِلُ ولا يُبْصِرُ، قالَهُ الفَرّاءُ. فَأمّا اللُّجِّيُّ، فَهو العَظِيمُ اللُّجَّةِ، وهو العَمِيقُ (يَغْشاهُ) أيْ: يَعْلُو ذَلِكَ البَحْرَ ﴿مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ المَوْجِ مَوْجٌ، والمَعْنى: يَتْبَعُ المَوْجَ مَوْجٌ، حَتّى كانَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿مِن فَوْقِهِ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ ﴿سَحابٌ﴾ .
ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ظُلُماتٌ﴾ يَعْنِي: ظُلْمَةَ البَحْرِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ [الأوَّلِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ] الَّذِي فَوْقَ المَوْجِ، وظُلْمَةَ السَّحابِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " سَحابُ ظُلُماتٍ " مُضافًا ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ يَعْنِي: إذا أخْرَجَها مُخْرِجٌ، ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَرَها، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. قالَ: لِأنَّ في دُونِ هَذِهِ الظُّلُماتِ لا يُرى الكَفُّ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: لَمْ يَرَها البَتَّةَ، لِأنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ وصْفِ تَكاثُفِ الظُّلُماتِ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مَعْدُومَةٌ، فَبانَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ﴿يَكَدْ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، بِمَنزِلَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٤٠] .
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ، قالَهُ المُبَرِّدُ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا كَما تَقُولُ: ما كِدْتُ أبْلُغُ إلَيْكَ، وقَدْ بَلَغْتَ، قالَ الفَرّاءُ: وهَذا وجْهُ العَرَبِيَّةِ.
فَصْلٌ
فَأمّا وجْهُ المَثَلِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا بِالنُّورِ، (p-٥١)ضَرَبَ لِلْكافِرِ هَذا المَثَلَ بِالظُّلُماتِ؛ والمَعْنى: أنَّ الكافِرَ في حَيْرَةٍ لا يَهْتَدِي لِرُشْدٍ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ: ظُلْمَةُ الشِّرْكِ وظُلْمَةُ المَعاصِي. وقالَ بَعْضُهم: ضَرَبَ الظُّلُماتِ مَثَلًا لِعَمَلِهِ، والبَحْرَ اللُّجِّيُّ لِقَلْبِهِ، والمَوْجَ لِما يَغْشى قَلْبَهُ مِنَ الشِّرْكِ والجَهْلِ والحَيْرَةِ، والسَّحابَ لِلرَّيْنِ والخَتْمِ عَلى قَلْبِهِ، فَكَلامُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلُماتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: دِينًا وإيمانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: هِدايَةً، قالَهُ الزَّجّاجُ.
24:41–42Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَةِ: ٣٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ﴾ أيْ: وتُسَبِّحُ لَهُ الطَّيْرُ ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ: باسِطاتٍ أجْنِحَتَها في الهَواءِ. وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ، فَهي خارِجَةٌ عَنْ جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرَها ﴿قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّلاةُ، لِبَنِي آدَمَ، والتَّسْبِيحُ، لِغَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاةَ المُصَلِّي وتَسْبِيحَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
(p-٥٢)والثّانِي: أنَّهُ المُصَلِّي والمُسَبِّحُ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: قَدْ عَلِمَ المُصَلِّي والمُسَبِّحُ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَهُ، أيْ: قَدْ عَرَفَ ما كُلِّفَ مِن ذَلِكَ. والثّانِي: قَدْ عَلِمَ المُصَلِّي صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ، أيْ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ.
وَقَرَأ قَتادَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: " كُلٌّ قَدْ عُلِمَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ " صَلاتُهُ وتَسْبِيحُهُ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences