Ibn al-JawziAl‑Furqan · 25:1–24

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الفرقان

Al-Furqan

The Criterion · Meccan · 77 ayahs

25:1–3Page 359

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢

He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣

But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.

(p-٧١)سُورَةُ الفُرْقانِ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: هي مَكِّيَّةٌ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨-٧٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ: ٤٥) والفَرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

والمُرادُ بِعَبْدِهِ: مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿لِيَكُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

(p-٧٢)أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَبْدِهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: عَنِ القُرْآنِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿نَذِيرًا﴾ [أيْ]: مُخَوِّفًا مِن عَذابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَوّاهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، فَلا خَلَلَ فِيهِ ولا تَفاوُتَ. والثّانِي: قَدَّرَ لَهُ ما يُصْلِحُهُ ويُقِيمُهُ. والثّالِثُ: قَدَّرَ لَهُ تَقْدِيرًا مِنَ الأجَلِ والرِّزْقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أيْ: وهي مَخْلُوقَةٌ ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيْ: دَفْعَ ضُرٍّ، ولا جَرَّ نَفْعٍ، لِأنَّها جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها، ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ أيْ: لا تَمْلِكُ أنْ تُمِيتَ أحَدًا، ولا أنْ تُحَيِيَ أحَدًا، ولا أنْ تَبْعَثَ أحَدًا مِنَ الأمْواتِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ يَعْبُدُونَ ما هَذِهِ صِفَتُهُ، ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ؟!

25:4–6Page 360

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤

And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.

وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥

And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."

قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ ﴿إنْ هَذا﴾ أيْ: ما هَذا، يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ: كَذِبٌ ﴿افْتَراهُ﴾ أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ﴿وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ اليَهُودَ؛ وقالَ مُقاتِلٌ أشارُوا إلى عَدّاسٍ (p-٧٣)مَوْلى حُوَيْطِبٍ، ويَسارٍ غُلامِ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٍ مَوْلًى لِعامِرٍ أيْضًا، وكانَ الثَّلاثَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَقَدَ جاءُوا بِظُلْمٍ وزُورٍ، فَلَمّا سَقَطَتِ الباءُ، أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ، والزُّورُ: الكَذِبُ. ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ المَعْنى: وقالُوا: الَّذِي جاءَ بِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ: ٢٥) . قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي قالَ هَذا هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

وَمَعْنى ﴿اكْتَتَبَها﴾ أمَرَ أنْ تُكْتَبَ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " اكْتُتِبَها " بِرَفْعِ التّاءِ الأوْلى وكَسْرِ الثّانِيَةِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَتِهِمْ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ، ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها لا لِيَكْتُبَها، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كاتِبًا، ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: غُدْوَةً وعَشِيًّا. ﴿قُلْ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿أنْزَلَهُ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

25:7–9Page 360

وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧

And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?

أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨

Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الطُّرُقِ كَما يَمْشِي سائِرُ النّاسِ يَطْلُبُ المَعِيشَةَ؛ والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ ولا مَلِكٍ، لِأنَّ المَلائِكَةَ لا تَأْكُلُ، والمُلُوكُ لا تَتَبَذَّلُ في الأسْواقِ، فَعَجِبُوا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْبَشَرِ لا يَتَمَيَّزُ عَلَيْهِمْ (p-٧٤)بِشَيْءٍ؛ وإنَّما جَعَلَهُ اللَّهُ بَشَرًا لِيَكُونَ مُجانِسًا لِلَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلِكًا يَمْتَنِعُ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجَبابِرَةِ، ولِأنَّهُ أُمِرَ بِدُعائِهِمْ، فاحْتاجَ أنْ يَمْشِيَ بَيْنَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهُ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ ويَجْعَلُ لَك جِنانًا وقُصُورًا وكُنُوزًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ: يُنْزَلُ إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ أيْ: بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِن ثِمارِهِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يَأْكُلُ مِنها " بِالياءِ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نَأْكُلُ " بِالنُّونِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَكُونُ لَهُ عَلَيْنا مَزِيَّةٌ في الفَضْلِ بِأكْلِنا مِن جَنَّتِهِ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٤٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ حِينَ مَثَّلُوكَ بِالمَسْحُورِ، وبِالكاهِنِ والمَجْنُونِ والشّاعِرِ ﴿فَضَلُّوا﴾ بِهَذا عَنِ الهُدى ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَسْتَطِيعُونَ مَخْرَجًا مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والمَعْنى أنَّهم كَذَبُوا ولَمْ يَجِدُوا عَلى قَوْلِهِمْ حُجَّةً وبُرْهانًا. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً.

والثّانِي: سَبِيلًا إلى الطّاعَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

25:10–14Page 360

تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠

Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١

But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.

إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢

When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.

وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣

And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.

لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤

[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَأعْطاهُ خَيْرًا مِمّا قالُوا في الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: لَوْ شِئْتَ لَأعْطَيْتُكَ في الدُّنْيا خَيْرًا مِمّا قالُوا، لِأنَّهُ قَدْ شاءَ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا " بِرَفْعِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلْ " بِجَزْمِ اللّامِ. فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ، كانَ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ [لَكَ] قُصُورًا. ومَن رَفَعَ، فَعَلى الِاسْتِثْناءِ [المَعْنى]: ويُجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " أعَتِدنا " [النِّساءِ: ٣٧] ومَعْنى " السَّعِير " [النِّساءِ:١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ.

فَإنْ قِيلَ: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إذا رَأتْهُمْ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِالسَّعِيرِ النّارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: غَلَيانُ تَغَيُّظٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّها تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، فَيَسْمَعُونَ صَوْتَ تَغَيُّظِها وزَفِيرِها كالغَضْبانِ إذا غَلا صَدْرُهُ مِنَ الغَيْظِ.

والثّانِي: يَسْمَعُونَ فِيها تَغَيُّظَ المُعَذَّبِينَ وزَفِيرَهم، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزُّجُّ عَلى الرُّمْحِ، وهم قَدْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ، والثُّبُورُ: الهَلَكَةُ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " ثَبُورًا " بِفَتْحِ الثّاءِ.

(p-٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الثُّبُورُ مَصْدَرٌ، فَهو لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، كَما تَقُولُ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا كَثِيرًا، والمَعْنى: هَلاكُهم أكْثَرُ مِن أنْ يَدْعُوا مَرَّةً واحِدَةً ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أوَّلُ مَن يُكْسى مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إبْلِيسُ، يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، وذُرِّيَّتُهُ خَلْفَهُ وهو يَقُولُ: وا ثُبُوراهُ، وهم يُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، حَتّى يَقِفُوا عَلى النّارِ، فَيُنادِي: يا ثُبُوراهُ، ويُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾» .

25:15–16Page 361

قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥

Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.

لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦

For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ﴾ يَعْنِي: السَّعِيرَ ﴿خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، لا عَلى أنَّ في السَّعِيرِ خَيْرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ وقَعَ التَّساوِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في أنَّهُما مَنزِلانِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُما.

(p-٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿وَمَصِيرًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ المُشارُ إلَيْهِ، إمّا الدُّخُولُ وإمّا الخُلُودُ ﴿وَعْدًا﴾ وعَدَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.

وَفِي مَعْنى مَسْؤُولًا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَطْلُوبًا. وفي الطّالِبِ لَهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، سَألُوا اللَّهَ في الدُّنْيا إنْجازَ ما وعَدَهم [بِهِ] . والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ سَألَتْهُ ذَلِكَ لَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافِرٍ:٨] .

والثّانِي: أنَّ مَعْنى المَسْؤُولِ: الواجِبُ.

25:17–20Page 361

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩

So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يَحْشُرُهم " " فَيَقُولُ " بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٧٨)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَحْشُرُهم " بِالنُّونِ " فَيَقُولُ " بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " نَحْشُرُهم " " فَنَقُولُ " بِالنُّونِ فِيهِما جَمِيعًا؛ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأصْنامَ، فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ في الكَلامِ، ويُخاطِبُها ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي﴾ أيْ: أمَرْتُمُوهم بِعِبادَتِكم ﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: أخْطَأُوا الطَّرِيقَ. ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿سُبْحانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ نُوالِيهِمْ؛ والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْبُدَ نَحْنُ غَيْرَكَ، فَكَيْفَ نَدْعُو إلى عِبادَتِنا؟! فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّهَمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِعِبادَتِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنْ نُتَّخَذَ " بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ. ثُمَّ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَقالُوا: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ﴾ أيْ: أطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ وأوْسَعَتْ لَهُمُ الرِّزْقَ ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ والِاتِّعاظَ بِهِ ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْكَي. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى، البُورُ: [فِي] لُغَةِ أزْدِ عُمانَ: الفاسِدُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن بارَ يَبُورُ: إذا هَلَكَ وبَطَلَ، يُقالُ: بارَ الطَّعامُ: إذا كَسَدَ، وبارَتِ الأيِّمُ: إذا لَمْ يُرْغَبْ فِيها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِن بَوارِ الأيِّمِ، قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ، وقَوْمٌ بُورٌ، لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٧٩)

؎ يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ

وَقَدْ سَمِعْنا بِـ " رَجُلٍ بائِرٍ "، ورَأيْناهم رُبَّما جَمَعُوا " فاعِلًا " عَلى " فُعْلٍ "، نَحْوَ عائِذٍ وعُوذٍ، وشارِفٍ وشُرْفٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ: " بِما يَقُولُونَ " بِالياءِ؛ والمَعْنى: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ الآيَة؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المُشْرِكُونَ بِما تَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ( فَمًا يستطعيون صَرْفًا ولا نَصْرًا ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالياءِ. وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: فَما يَسْتَطِيعُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكم.

والثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ صَرْفًا لِعَذابِ اللَّهِ عَنْهم ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ.

وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَطِيعُونَ " بِالتّاءِ؛ والخِطابِ لِلْكُفّارِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ يُونُسَ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: الصَّرْفُ: الحِيلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَتَصَرَّفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ ﴿نُذِقْهُ﴾ في الآخِرَةِ.

وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ [وَقَتادَةُ]: " يَذُقْهُ " بِالياءِ ﴿عَذابًا كَبِيرًا﴾ أيْ: شَدِيدًا. ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، (p-٨٠)تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ رُسُلًا مِنَ المُرْسَلِينَ، فَحُذِفَتْ " رُسُلًا " لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ أيْ: إنَّهم كانُوا عَلى مَثَلِ حالِكَ، فَكَيْفَ تَكُونُ بِدَعًا مِنهُمْ؟!

فَإنْ قِيلَ: لِمَ كُسِرَتْ " إنَّهم " هاهُنا، وفُتِحَتْ في [ (بَراءَةٍ: ٥٤) في ] قَوْله: ﴿أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ عِلَّةَ فَتْحِ تِلْكَ؛ فَأمّا كَسْرُ هَذِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيها واوُ حالٍ مُضْمَرَةٌ، فَكُسِرَتْ بَعْدَها " إنَّ " لِلِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، فَأُضْمِرَتِ الواوُ هاهُنا كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافِ:٤]، والتَّأْوِيلُ: أوْ وهم قائِلُونَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ كُسِرَتْ لِإضْمارِ " مَن " قَبْلَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا مَن إنَّهم لَيَأْكُلُونَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالمَهْلِ

أرادَ: مَن دَمْعُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ، يَقُولُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا، والأعْمى بِالبَصِيرِ، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

(p-٨١)والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ، والعَرَبِيِّ بِالمَوْلى، فَإذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ فَرَأى الوَضِيعَ قَدْ سَبَقَهُ بِالإسْلامِ أنِفَ فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ كانُوا إذا رَأوْا فَقُراءَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن مَوالِينا ورَذالَتِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ لِأهْلِ البَلاءِ. وعَلى الثّانِي: لِلرُّؤَساءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى سَبْقِ المُوالِي والأتْباعِ. وعَلى الثّالِثِ: لِلْفُقَراءِ؛ فالمَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى أذى الكُفّارِ واسْتِهْزائِهِمْ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتُمْ ما وُعِدَ الصّابِرُونَ، ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بِمَن يَصْبِرُ وبِمَن يَجْزَعُ.

25:21–24Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤

The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ: لا يَخافُونَ البَعْثَ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَكانُوا رُسُلًا إلَيْنا وأخْبَرُونا بِصِدْقِكَ، (p-٨٢)﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ فَيُخْبِرُنا أنَّكَ رَسُولُهُ، ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا حِينَ سَألُوا هَذِهِ الآياتِ ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُتُوُّ في اللُّغَةِ: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في الظُّلْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ اليَوْمُ عَلى مَعْنى: لا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مُؤَكِّدٌ لِـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾؛ والمَعْنى أنَّهم يُمْنَعُونَ البُشْرى في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " يَوْم " مَنصُوبًا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: ﴿لا بُشْرى﴾، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: الكُفّارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وقَرَأ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " حُجْرًا " بِضَمِّ الحاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الحَجْرِ في اللُّغَةِ: ما حَجَرْتَ عَلَيْهِ، أيْ: مَنَعْتَ مِن أنْ يُوَصَلَ إلَيْهِ، ومِنهُ حَجْرُ القُضاةِ عَلى الأيْتامِ.

وَفِي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا. وفِيما حَرَّمُوهُ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: البُشْرى، فالمَعْنى: حَرامٌ مُحَرَّمٌ أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى، قالَهُ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ إذا عايَنُوا العَذابَ، ومَعْناهُ الِاسْتِعاذَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: كانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ مَن يَخافُهُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَ: حِجْرًا، أيْ: حَرامٌ عَلَيْكَ أذايَ، فَإذا رَأى (p-٨٣)المُشْرِكُونَ المَلائِكَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا: حِجْرًا مَحْجُورًا، يَظُنُّونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم كَما كانَ يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: قَصَدْنا وعَمَدْنا، والأصْلُ أنَّ مَن أرادَ القُدُومَ إلى مَوْضِعٍ عَمَدَ لَهُ وقَصَدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ [أيْ] مِن أعْمالِ الخَيْرِ ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً﴾ لِأنَّ العَمَلَ لا يُتَقَبَّلُ مَعَ الشِّرْكِ.

وَفِي الهَباءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما رَأيْتَهُ يَتَطايَرُ في الشَّمْسِ الَّتِي تَدْخُلُ مِنَ الكُوَّةِ مِثْلُ الغُبارِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، واللُّغَوِيُّونَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ.

والثّانِي: أنَّهُ الماءُ المِهْراقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَنْسِفُهُ الرِّياحُ وتُذْرِيهِ مِنَ التُّرابِ وحُطامِ الشَّجَرِ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّرَرُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،

والخامِسُ: أنَّهُ ما يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والمَنثُورُ: المُتَفَرِّقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ (p-٨٤)أفْضَلُ مَنزِلًا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿وَأحْسَنُ مَقِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَقِيلُ: المُقامُ وقْتَ القائِلَةِ، وهو النَّوْمُ نِصْفَ النَّهارِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ: الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحُرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском