Ibn al-JawziAl‑Furqan · 25:56–77

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:56–77

25:56–60Page 365

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

(p-٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ وهَذا تَوْكِيدٌ لِصِدْقِهِ، لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ لاتَّهَمُوهُ، ﴿إلا مَن شاءَ﴾ مَعْناهُ: لَكِنَّ مَن شاءَ ﴿أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ بِإنْفاقِ مالِهِ في مَرْضاتِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أسْألُكم لِنَفْسِي. وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَلِماتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩، البَقَرَةِ: ٣٠، الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾، و " بِهِ " بِمَعْنى: " عَنْهُ "، قالَ [عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ]:

فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ

وَفِي هاءِ " بِهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: إلى اسْمِهِ الرَّحْمَنِ، لِأنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ. والثّالِثُ: إلى ما ذَكَرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي " الخَبِير " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: (p-٩٩)سَلْنِي فَأنا الخَبِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: [أنَّهُ] القُرْآنُ، قالَهُ شَمِرٌ. والرّابِعُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقِيلَ: سَلُوا مُسْلِمَةَ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خاطِب مُوسى في التَّوْراةِ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ سِواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحِمْنَ اليَمامَةِ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَأْمُرُنا " بِالياءِ، أيْ: لِما يَأْمُرُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، ومَعْناهُ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ﴿وَزادَهُمْ﴾ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ ﴿نُفُورًا﴾ أيْ: تُباعُدًا مِنَ الإيمانِ.

25:61–62Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الحِجْرِ: ١٦) . والمُرادُ بِالسِّراجِ: الشَّمْسُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سُرُجًا " بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ وإسْقاطِ الألِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ: الشَّمْسَ: والكَواكِبَ العِظامَ؛ ويَجُوزُ " سُرْجًا " بِتَسْكِينِ الرّاءِ، مِثْلَ رُسْلٍ ورُسُلٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمّا اقْتَرَنَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ وهَجُ حَرِّها، جَعَلَها لِأجْلِ الحَرارَةِ سِراجًا، ولَمّا عَدِمَ ذَلِكَ في القَمَرِ جَعَلَهُ نُورًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُخالِفُ الآخَرَ في اللَّوْنِ، فَهَذا أبْيَضُ، وهَذا (p-١٠٠)أسْوَدُ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ وأهْلُ اللُّغَةِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ:

؎ بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ

أيْ: إذا ذَهَبَتْ طائِفَةٌ جاءَتْ طائِفَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يَتَّعِظَ ويَعْتَبِرَ بِاخْتِلافِهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ: " يَذْكُرُ " خَفِيفَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وهي في مَعْنى: يَتَذَكَّرُ، ﴿أوْ أرادَ﴾ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى فِيهِما.

25:63–67Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

(p-١٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يُمَشَّوْنَ " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ والشِّينِ وبِالتَّشْدِيدِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما نَسَبُهم إلَيْهِ لِاصْطِفائِهِ إيّاهم كَقَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعْرافِ: ٧٣]، ومَعْنى " هَوْنًا " مَشْيًا رُوَيْدًا، ومِنهُ يُقالُ: أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما. وقالَ مُجاهِدٌ: يَمْشُونَ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: سَدادًا. وقالَ الحَسَنُ: لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإثْمِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ بِها أنَّهم يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَكم غَيْرُ السَّلامِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ.

(p-١٠٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ؛ يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، إنَّما المَبِيتُ إدْراكُ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ غَرامًا﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبٌ مَعانِيها.

أحَدُها: دائِمًا، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: مُوجِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: مُلِحًّا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُفارِقُ. والرّابِعُ: هَلاكًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والخامِسُ: أنَّ الغَرامَ في اللُّغَةِ: أشَدُّ العَذابِ، قالَ الشّاعِرُ:

وَيَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفا رِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا

قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: بِئْسَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ ومَوْضِعُ الإقامَةِ هي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " يَقْتِرُوا " مَفْتُوحَةَ الياءِ مَكْسُورَةَ التّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَقْتُرُوا " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُقْتِرُوا " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الإسْرافَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ، والإقْتارَ: التَّقْصِيرُ عَمّا لا بُدَّ (p-١٠٣)مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا أنْ يَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهى.

والثّانِي: [أنَّ] الإسْرافَ: الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وإنْ قَلَّ، والإقْتارَ: مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ﴾ يَعْنِي الإنْفاقَ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ ﴿قَوامًا﴾ أيْ: عَدْلًا؛ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ، بِفَتْحِ القافِ: الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِكَسْرِها: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.

25:68–70Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: " أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ " قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: " أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ "، قُلْتُ: (p-١٠٤)ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: " أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ "، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ» .

والثّانِي: «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنْ وحْشِيًّا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأجِرْنِي حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أراكَ عَلى غَيْرِ جِوارٍ، فَأمّا إذا أتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأنْتَ في جِوارِي حَتّى تَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، قالَ: فَإنِّي أشْرَكْتُ بِاللَّهِ وقَتَلْتُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وزَنَيْتُ، فَهَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِّي تَوْبَةً؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: أرى شَرْطًا، فَلَعَلِّي لا أعْمَلُ صالِحًا، أنا في جِوارِكَ حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ:٤٨]، فَدَعاهُ فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: ولَعَلِّي مِمَّنْ لا يَشاءُ [اللَّهُ]، أنا في جِوارِكَ حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، فَقالَ: نَعَمْ، الآنَ لا أرى شَرْطًا، فَأسْلَمَ»، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهَذا وحْشِيٌّ هو قاتِلُ حَمْزَةَ؛ وفي هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورِ عَنْهُ نَظَرٌ، وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ، والمَحْفُوظُ في إسْلامِهِ غَيْرُ هَذا، وأنَّهُ قَدِمَ (p-١٠٥)مَعَ رُسُلِ الطّائِفِ فَأسْلَمَ مِن غَيْرِ اشْتِراطٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ مَعْناهُ: يَعْبُدُونَ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ قَتْلِ النَّفْسِ بِالحَقِّ في (الأنْعامِ: ١٥١) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " يُلَقَّ " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْقَ جَزاءً. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: وهو وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَلْقَ عُقُوبَةً، وأنْشَدَ:

؎ [جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا] والعُقُوقُ لَهُ أثامُ؟؟؟

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ جَزْمًا عَلى الجَزاءِ. قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: يُقالُ: قَدْ لَقِيَ أثامَ ذَلِكَ، أيْ: جَزاءَ ذَلِكَ، وسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ يَذْهَبانِ إلى أنَّ مَعْناهُ: يَلْقَ جَزاءَ الأثامِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وإنَّما جَزَمَ " يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ " لِأنَّ مُضاعَفَةَ العَذابِ لُقِيُّ الآثامِ، فَلِذَلِكَ جُزِمَتْ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا

لِأنَّ الإتْيانَ هو الإلْمامُ، فَجَزَمَ " تُلْمِمْ " لِأنَّهُ بِمَعْنى " تَأْتِي. وقَرَأ الحَسَنُ: " يُضَعَّفْ "، وهو جَيِّدٌ بالِغٌ؛ تَقُولُ: ضاعَفْتُ الشَّيْءَ وضَعَّفْتُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ: " يُضاعَفُ " بِالرَّفْعِ عَلى تَفْسِيرِ " يَلْقَ أثامًا " كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما لُقِيُّ الأثامِ؟ فَقِيلَ: يُضاعَفُ لِلْآثِمِ العَذابُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيَوَةَ: " يُضْعَفْ " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الضّادِ وفَتْحِ العَيْنِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو حُصَيْنٍ الأسَدِيُّ، والعُمَرِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّ العَيْنَ مَكْسُورَةٌ، و " العَذابَ " بِالنَّصْبِ.

(p-١٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُدْ﴾ وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: " ويُخْلَدْ " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ اللّامِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا اللّامَ.

فَصْلٌ

وَلِعُلَماءِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ وفي ناسِخِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النِّساءِ: ٩٣]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وكانَ يَقُولُ " هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، والَّتِي في " النِّساءِ " مَدَنِيَّةٌ. والثّانِي: أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ [النِّساء: ٤٨] . والثّالِثُ: أنَّ الأُولى نُسِخَتْ بِالثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةٌ؛ والخُلُودُ إنَّما كانَ لِانْضِمامِ الشِّرْكِ إلى القَتْلِ والزِّنا. وفَسادُ القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ لا يُوجِبُ تَخْلِيدًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ وقَدْ بَيَّناهُ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٩٣)، والشِّرْكُ لا يُغْفَرُ إذا ماتَ المُشْرِكُ عَلَيْهِ، والِاسْتِثْناءُ لَيْسَ بِنَسْخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ سَنَتَيْنِ. ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إلا مَن تابَ﴾ فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحَهُ بِها، وبِـ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفَتْحِ: ١]»

(p-١٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّبْدِيلِ وفي زَمانِ كَوْنِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهم إيمانًا وقَتْلَهم إمْساكًا، وزِناهم إحْصانًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي أنَّ هَذا يَكُونُ في الآخِرَةِ، قالَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

وَقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِ المُؤْمِنِ إذا غَفَرَها لَهُ حَسَناتٍ، حَتّى إنَّ العَبْدَ يَتَمَنّى أنْ تَكُونَ سَيِّئاتُهُ أكْثَرَ مِمّا هي. وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ودَّ قَوْمٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا اسْتَكْثَرُوا مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَقِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾، ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُ ذُنُوبِهِ وتُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا، كَذا وكَذا، وهو مَقَرٌّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً» "، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " .

25:71–74Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

(p-١٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن تابَ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أنَّها عَنِ الذُّنُوبِ المَذْكُورَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَزْنِ، ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ فَإنِّي قَدْ قَدَّمْتُهم وفَضَّلْتُهم عَلى مَن قاتَلَ نَبِيِّي واسْتَحَلَّ مَحارِمِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مَن أرادَ التَّوْبَةَ وقَصَدَ حَقِيقَتَها، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يُرِيدَ اللَّهَ بِها ولا يَخْلِطْ بِها ما يُفْسِدُها؛ وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ مَن تَجَرَ فَإنَّهُ يَتَّجِرُ في البَزِّ ومَن ناظَرَ فَإنَّهُ يُناظِرُ في النَّحْوِ، أيْ: مَن أرادَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ هَذا الفَنَّ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى [هَذِهِ] الآيَةِ: ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا، فَإنَّ ثَوابَهُ وجَزاءَهُ يَعْظُمانِ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الَّذِي أرادَ بِتَوْبَتِهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ يُؤَدِّي عَنْ هَذا المَعْنى، كَفى مِنهُ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: إذا تَكَلَّمْتَ فاعْلَمْ (p-١٠٩)أنَّكَ تُكَلِّمُ الوَزِيرَ، أيْ: تُكَلِّمُ مَن يَعْرِفُ كَلامَكَ ويُجازِيكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يُونُسَ: ٧١] أيْ: فَإنِّي أتَوَكَّلُ عَلى مَن يَنْصُرُنِي ولا يُسْلِمُنِي. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ مَرْجِعًا يَقْبَلُهُ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّنَمُ؛ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزُّورَ صَنَمٌ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، ومَكْحُولٌ؛ ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَسْمَعُونَ الغِناءَ. والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ. والرّابِعُ: لَعِبٌ كانَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: الكَذِبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والسّادِسُ: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. والسّابِعُ: أعْيادُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّامِنُ: مَجالِسُ الخَنا، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.

(p-١١٠)وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَعاصِي قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أذى المُشْرِكِينَ إيّاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الباطِلُ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنُّوا عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنُّوا عَنْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَرُّوا حُلَماءَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: مَرُّوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ جاوَزُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا﴾ أيْ: وُعِظُوا ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ وهي القُرْآنُ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَتَغافَلُوا عَنْها كَأنَّهم صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوها، عُمْيٌ لَمْ يَرَوْها. وقالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَثْبُتُوا عَلى حالَتِهِمُ الأُولى كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا ولَمْ يَرَوْا، وإنْ لَمْ يَكُونُوا خَرُّوا حَقِيقَةً؛ تَقُولُ العَرَبُ: شَتَمْتُ فُلانًا فَقامَ يَبْكِي، وقَعَدَ يَنْدُبُ، وأقْبَلَ يَعْتَذِرُ، وظَلَّ يَتَحَيَّرُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قامَ ولا قَعَدَ.

(p-١١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وذُرِّيّاتِنا " عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، [وَحَفْصٌ] عَنْ عاصِمٍ: " وذَرِّيَّتَنا " عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيَوَةَ: " قُرّاتِ أعْيُنٍ " يَعْنُونَ: مَن يَعْمَلُ بِطاعَتِك فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟ قالَ: لا، بَلْ في الدُّنْيا، وأيُّ شَيْءٍ أقَرُّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ مِن أنْ يَرى زَوْجَتَهُ ووَلَدُهُ يُطِيعُونَ اللَّهَ، واللَّهِ ما طَلَبَ القَوْمُ إلّا أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَتَقَرُّ أعْيُنُهم. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿قُرَّةَ﴾ لِأنَّها فُعْلٌ، والفُعْلُ لا يَكادُ يُجْمَعُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٤] فَلَمْ يَجْمَعْهُ؛ والقُرَّةُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَرَّتْ عَيْنُهُ قُرَّةً، ولَوْ قِيلَ: قُرَّةُ عَيْنٍ أوْ قِراتُ أعْيُنٍ كانَ صَوابًا. وقالَ غَيْرُهُ: أصِلُ القُرَّةِ مِنَ البَرْدِ، لِأنَّ العَرَبَ تَتَأذّى بِالحَرِّ، وتَسْتَرْوِحُ إلى البَرْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اجْعَلْنا أئِمَّةً يُقْتَدى بِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ غَيْرُهُ: هَذا مِنَ الواحِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] .

والثّانِي: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِالمُتَّقِينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مِنَ المَقْلُوبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلِ المُتَّقِينَ لَنا إمامًا.

25:75–77Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧

Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2

(p-١١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الجَنَّةَ. وقالَ غَيْرُهُ: الغُرْفَةُ: كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، والمُرادُ غُرَفُ الجَنَّةِ، وهي مِنَ الزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ، ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عَلى دِينِهِمْ وعَلى أذى المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ويُلَقَّوْنَ " بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَلْقَوْنَ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ، ﴿تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، ويُرْسِلُ إلَيْهِمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِالسَّلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: " تَحِيَّةً " يَعْنِي السَّلامَ، " وسَلامًا " أيْ: سَلَّمَ اللَّهُ لَهم أمَرَهم وتَجاوَزَ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما يَصْنَعُ بِكُمْ! قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ؛ تَقُولُ: ما عَبَأْتُ بِفُلانٍ، أيْ: ما كانَ لَهُ عِنْدِي وزْنٌ ولا قَدْرٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْلا إيمانُكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١١٣)والثّانِي: لَوْلا عِبادَتُكم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم لِتَعْبُدُوهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ والمُرادُ نَفْعُ الخَلْقِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ.

والرّابِعُ: لَوْلا تَوْحِيدُكم، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وعَلى قَوْل الأكْثَرِينَ لَيْسَ في الآيَةِ إضْمارٌ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فِيها إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم لَوْلا ما تَدْعُونَهُ مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ]: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ يَعْنِي: العَذابَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ مَن شاءَ دَلّى النَّفْسَ في هُوَّةٍ ضَنْكٍ ولَكِنْ مَن لَهُ بِالمَضِيقْ

أيْ: بِالخُرُوجِ مِنَ المَضِيقِ. وهَلْ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْكُفّارِ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فَهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ يَعْنِي: تَكْذِيبُكم ﴿لِزامًا﴾ أيْ: عَذابًا لازِمًا [لَكُمْ]؛ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُتِلُوا يَوْمئِذٍ، واتَّصَلَ بِهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ لازِمًا لَهم، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُجاهِدٍ في آخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ اللِّزامَ: القِتالُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском