Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
الشعراء
Ash-Shu'ara
The Poets · Meccan · 227 ayahs
26:1–9Page 367
طسٓمٓ ١
Ṭā, Seen, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
These are the verses of the clear Book.
لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣
Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.
إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤
If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥
And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.
فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦
For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧
Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
(p-١١٤)سُورَةُ الشُّعَراءِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٢٤] إلى آخِرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طسم﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " طسم " بِفَتْحِ الطّاءِ وإدْغامِ النُّونِ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " طسم " و " طس " [النَّمْلِ] بِإمالَةِ الطّاءِ فِيهِما.
وَأظْهَرَ النُّونَ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ حَمْزَةُ هاهُنا وفي (القَصَصِ) .
(p-١١٥)وَفِي مَعْنى " طسم " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلِماتٍ، ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: [ما] رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿طسم﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الطّاءُ: طُورُ سَيْناءَ، والسِّينُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والمِيمُ: مَكَّةُ "» . والثّانِي: [أنَّ] الطّاءَ: طَيْبَةُ، وسِينَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِيمَ: مَكَّةُ، [رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ] . والثّالِثُ: الطّاءُ: شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ: سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى في فاتِحَةِ مَرْيَمَ. وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَوْقٍ. وما بَعْدَ (p-١١٦)هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المائِدَةِ: ١٥، الكَهْفِ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ لَفَعَلَ، فَقالَ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ " بِالياءِ فِيهِما، ﴿عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ جَعَلَ الفِعْلَ أوَّلًا لِلْأعْناقِ، ثُمَّ جَعَلَ ﴿خاضِعِينَ﴾ لِلرِّجالِ، لِأنَّ الأعْناقَ إذا خَضَعَتْ فَأرْبابُها خاضِعُونَ. وقِيلَ: لَمّا وصَفَ الأعْناقَ بِالخُضُوعِ، وهو مِن صِفات بَنِي آدَمَ، أخْرَجَ الفِعْلَ مَخْرَجَ الآدَمِيِّينَ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَّتْ﴾ مَعْناهُ: فَتَظَلُّ، لِأنَّ الجَزاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الماضِي في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ تَأْتِنِي أكْرَمْتُكَ، مَعْناهُ: أُكْرِمْكَ؛ وإنَّما قالَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ لِأنَّ خُضُوعَ الأعْناقِ هو خُضُوعُ أصْحابِها، وذَلِكَ أنَّ الخُضُوعَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا بِخُضُوعِ الأعْناقِ، جازَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
فَلَمّا كانَتِ السُّنُونَ لا تَكُونُ إلّا بِمَرٍّ، أخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ، وإنْ كانَ أضافَ إلَيْها المُرُورَ. قالَ: وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِالأعْناقِ كُبَراءَهم ورُؤَساءَهم. وجاءَ في (p-١١٧)اللُّغَةِ أنَّ أعْناقَهم جَماعاتُهم؛ يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأنْبِياءِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها﴾ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَباتٌ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّوْجُ: النَّوْعُ، والكَرِيمُ: المَحْمُودُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الإنْباتِ ﴿لآيَةً﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ﴿وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُهم يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِأوْلِيائِهِ.
26:10–22Page 367
وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -
قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١
The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢
He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١
So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نادى﴾ المَعْنى: واتْلُ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى قَوْمِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ياءُ " يُكَذِّبُونِ " مَحْذُوفَةٌ، ومِثْلُها ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٤] ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٢] ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] (p-١١٨)﴿وَيَسْقِينِ﴾ [الشُّعَراءِ:٧٩] ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٠] ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨١] ﴿كَذَّبُونِ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١٧] ﴿وَأطِيعُونِ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٨] فَهَذِهِ ثَمانِ آياتٍ أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أيْ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ بِلِسانِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿وَيَضِيقُ﴾ ﴿وَلا يَنْطَلِقُ﴾ بِنَصْبِ القافِ فِيهِما، ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ المَعْنى: لِيُعِينَنِي، فَحَذَفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. ﴿وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ وهو القَتِيلُ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: ولَهم عَلَيَّ دَعْوى ذَنْبٍ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِهِ ﴿قالَ كَلا﴾ وهو رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الإقامَةِ عَلى هَذا الظَّنِّ؛ والمَعْنى: لَنْ يَقْتُلُوكَ لِأنِّي لا أُسَلِّطُهم عَلَيْكَ، ﴿فاذْهَبا﴾ يَعْنِي: أنْتَ وأخُوكَ ﴿بِآياتِنا﴾ وهي: ما أعْطاهُما مِنَ المُعْجِزَةِ ﴿إنّا﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَعَكُمْ﴾ فَأجْراها مَجْرى الجَماعَةِ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ نَسْمَعُ ما تَقُولانِ وما يُجِيبُونَكُما بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ [الحِجْرِ: ٦٨] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [الحَجِّ: ٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ، أيْ: ذَوُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
أيْ: بِرِسالَةٍ.
(p-١١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أرْسِلْ﴾ المَعْنى: بِأنْ أرْسِلْ ﴿مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أطْلِقْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، فَأتَياهُ فَبَلَّغاهُ الرِّسالَةَ، فَـ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: صَبِيًّا صَغِيرًا ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ. والمَعْنى: فَجازَيْتَنا عَلى أنْ رَبَّيْناكَ أنْ كَفَرْتَ نِعْمَتَنا، وقَتَلْتَ مِنّا نَفْسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ وهي قَتْلُ النَّفْسِ. قالَ الفَرّاءُ. وإنَّما نُصِبَتِ الفاءُ، لِأنَّها مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِها مِثْلُ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ جازَ كَسْرُها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الكافِرِينَ لِنِعْمَتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِكَ، كُنْتَ مَعَنا عَلى دِينِنا الَّذِي تَعِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. فَعَلى الأوَّلِ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ الآنَ. وعَلى الثّانِي: وكُنْتَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الجاهِلِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: إنِّي كُنْتُ جاهِلًا لَمْ يَأْتِنِي مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ.
والثّانِي: مِنَ الخاطِئِينَ؛ والمَعْنى: إنِّي قَتَلْت النَّفْسَ خَطَأً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: مِنَ النّاسِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢]، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أيْ: ذَهَبْتُ مِن بَيْنِكم ﴿لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ عَلى (p-١٢٠)نَفْسِي إلى مَدْيَنَ، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (لِما) بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: العِلْمُ والفَهْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ يَعْنِي التَّرْبِيَةَ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ: اتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؛ يُقالُ: عَبَّدْتُ فُلانًا وأعْبَدْتُهُ واسْتَعْبَدْتُهُ: إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا.
وَفِي " أنْ " وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن " نِعْمَةٌ " .
والثّانِي: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنْ عَبَّدْتَ، أوْ لِتَعْبِيدِكَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَفَسَّرَها قَوْمٌ عَلى الإنْكارِ، وقَوْمٌ عَلى الإقْرارِ.
فَمَن فَسَّرَها عَلى الإنْكارِ قالَ مَعْنى الكَلامِ: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ؟! عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنْعامِ: ٧٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٤]، وأنْشَدُوا:
؎ [لَمْ أنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وقْفَتَها ∗∗∗ وجَفْنُها مِن دُمُوعِها شَرِقُ]
وَقَوْلَها والرِّكابُ سائِرَةٌ تَتْرُكُنا هَكَذا وتَنْطَلِقُ
(p-١٢١)وَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم. ثُمَّ لَهم في مَعْنى الكَلامِ ووَجْهُهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ أخَذَ أمْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ واسْتَعْبَدَهم وأنْفَقَ عَلى مُوسى مِنها، فَأبْطَلَ مُوسى النِّعْمَةَ لِأنَّها أمْوالُ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّك لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكَفَلَنِي أهْلِي، وكانَتْ أُمِّي تَسْتَغْنِي عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، والأزْهَرِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَمُنُّ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ إلَيَّ خاصَّةً، وتَنْسى إساءَتَكَ بِتَعْبِيدِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؟! قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَيْفَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ وقَدْ اسْتَعْبَدْتَ قَوْمِي؟! ومَن أُهِينَ قَوْمُهُ فَقَدْ ذَلَّ، فَقَدْ حَبِطَ إحْسانُكَ إلَيَّ بِتَعْبِيدِكَ قَوْمِي، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا مَن فَسَّرَها عَلى الإقْرارِ، فَإنَّهُ قالَ: عَدَّها مُوسى نِعْمَةً حَيْثُ رَبّاهُ ولَمْ يَقْتُلْهُ ولا اسْتَعْبَدَهُ. فالمَعْنى: هي لَعَمْرِي نِعْمَةٌ إذْ رَبَّيْتَنِي ولَمْ تَسْتَعْبِدْنِي كاسْتِعْبادِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَـ " أنْ " تَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ- أنْ تَضْرِبَ بَعْضَ عَبِيدِكَ وتَتْرُكَ الآخَرَ، فَيَقُولُ المَتْرُوكُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيَّ أنْ ضَرَبْتَ فُلانًا وتَرَكْتَنِي، ثُمَّ تُحْذَفُ " وتَرَكْتَنِي " لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
26:23–28Page 368
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨
[Moses] said, "Lord of the east and the west and that between them, if you were to reason."
(p-١٢٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ سَألَهُ عَنْ ماهِيَّةِ مَن لا ماهِيَّةَ لَهُ، فَأجابَهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن مَصْنُوعاتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ.
والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أنَّ ما تُعايِنُونَهُ كَما تُعايِنُونَهُ، فَكَذَلِكَ، فَأيْقَنُوا أنَّ رَبَّ العالَمِينَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿قالَ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنُ ﴿لِمَن حَوْلَهُ﴾ مِن أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ مُعَجِّبًا لَهم.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ جَوابُهُمْ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ ألا تَسْتَمِعُونَ قَوْلَ مُوسى؟ فَرَدَّ مُوسى، لِأنَّهُ المُرادُ (p-١٢٣)بِالجَوابِ، ثُمَّ زادَ في البَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾، فَأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْ جَوابِهِ ونَسَبُهُ إلى الجُنُونِ، فَلَمْ يَحْفِلْ مُوسى بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ، واشْتَغَلَ بِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ، فَـ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ ذَوِي عُقُولٍ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْكم ما أقُولُ.
26:29–48Page 368
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩
[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."
قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠
[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"
قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١
[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢
So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣
And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.
قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤
[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥
He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧
Who will bring you every learned, skilled magician."
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨
So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩
And it was said to the people, "Will you congregate
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠
That we might follow the magicians if they are the predominant?"
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١
And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢
He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣
Moses said to them, "Throw whatever you will throw."
فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."
فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥
Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦
So the magicians fell down in prostration [to Allāh].
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨
The Lord of Moses and Aaron."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِأمْرٍ ظاهِرٍ تَعْرِفُ بِهِ صِدْقِي أتَسْجُنُنِي؟! وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في (الأعْرافِ: ١٠٧) إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجُمِعَ (p-١٢٤)السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ، وكانَ عِيدًا لَهم، ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مِصْرَ. وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ اجْتِماعَهم كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ قالَ الأكْثَرُونَ: أرادُوا سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ؛ فالمَعْنى: لَعَلَّنا نَتَّبِعُهم عَلى أمْرِهِمْ. وقالَ بَعْضُهم: أرادُوا مُوسى وهارُونَ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: و " لَعَلَّ " هاهُنا بِمَعْنى " كَيْ " . وقَوْلُهُ: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِهِ.
26:49–51Page 369
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."
قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠
They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.
إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١
Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ضَيْرَ﴾ أيْ: لا ضَرَرَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن ضارَّهُ يَضُورُهُ ويَضِيرُهُ؛ بِمَعْنى: ضَرَّهُ. والمَعْنى: لا ضَرَرَ عَلَيْنا فِيما يَنالَنا في الدُّنْيا، لِأنّا نَنْقَلِبُ إلى رَبِّنا في الآخِرَةِ مُؤَمِّلِينَ غُفْرانَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كُنّا﴾ أيْ: لِأنْ كُنّا ﴿أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِآياتِ مُوسى في هَذِهِ الحالِ.
26:52–59Page 369
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢
And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."
فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣
Then Pharaoh sent among the cities gatherers1
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤
[And said], "Indeed, those are but a small band,
وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥
And indeed, they are enraging us,
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦
And indeed, we are a cautious society..."
فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧
So We removed them from gardens and springs
وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨
And treasures and honorable station1 -
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ المَعْنى: وقالَ فِرْعَوْنُ إنَّ هَؤُلاءِ، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: طائِفَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والشِّرْذِمَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَلِيلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وإنَّما اسْتَقَلَّهم بِالإضافَةِ إلى جُنْدِهِ وكانَ جُنْدُهُ لا يُحْصى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ تَقُولُ: غاظَنِي الشَّيْءُ، إذا أغْضَبَكَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذُكِرَ أنَّ غَيْظَهم كانَ لِقَتْلِ المَلائِكَةِ مَن قَتَلَتْ مِن أبْكارِهِمْ.
قالَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ غَيْظَهم لِذَهابِهِمْ بِالعَوارِي الَّتِي اسْتَعارُوها مِن حُلِيِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِفِراقِهِمْ إيّاهم وخُرُوجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ عَلى كُرْهٍ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " حَذِرُونَ " بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " حاذِرُونَ " بِألِفٍ. وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الحاذِرَ: المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ: المُتَيَقِّظُ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى حاذِرِينَ: مُؤْدُونَ، أيْ: ذَوُو أداةٍ، وهي السِّلاحُ، لِأنَّها أداةُ الحَرْبِ.
والثّانِي: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذِرٌ. والمَقامُ الكَرِيمُ: المَنزِلُ الحَسَنُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ: كَما وصَفْنا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
(p-١٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّهم إلى مِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وأعْطاهم ما كانَ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ المَساكِنِ والأمْوالِ.
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّما جَعَلَ دِيارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِلْكًا لِبَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَرْدُدْهم إلَيْها لَكِنَّهُ جَعَلَ مَساكِنَهُمُ الشّامَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences