Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:48–90
27:48–53Page 381
وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨
And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩
They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠
And they planned a plan, and We planned a plan, while they perceived not.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ في المَدِينَةِ﴾ وهي الحِجْرُ الَّتِي نَزَلَها صالِحٌ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ يُرِيدُ: في أرْضِ الحِجْرِ، وفَسادُهم: كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وكانُوا يَسْفِكُونَ الدِّماءَ ويَثِبُونَ عَلى الأمْوالِ والفُرُوجِ، وهم الَّذِينَ عَمِلُوا في قَتْلِ النّاقَةِ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالا: كانَ فَسادُهم كَسْرَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، ﴿قالُوا﴾ فِيما بَيْنَهم ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: احْلِفُوا بِاللَّهِ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ أيْ: لَنَقْتُلَنَّ صالِحًا ﴿وَأهْلَهُ﴾ لَيْلًا ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لَتُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَتَقَولَنَّ " بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ مُجاهِدٌ، (p-١٨٢)وَأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: " لَيُبَيِّتْنَهُ " بِياءٍ وتاءٍ مَرْفُوعَتَيْنِ " ثُمَّ لَيَقُولَنَّ " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقافٍ مَرْفُوعَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَرْفُوعَةٍ ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أيْ: لِوَلِيِّ دَمِهِ إنْ سَألَنا عَنْهُ ﴿ما شَهِدْنا﴾ أيْ: ما حَضَرْنا ﴿مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ المِيمِ؛ وفَتْحِ اللّامِ والمَهْلِكُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإهْلاكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْضِعَ. ورَوى أبُو بَكْرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، يُرِيدُ الهَلاكَ؛ يُقالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ مَهْلَكًا. ورَوى عَنْهُ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وهو اسْمُ المَكانِ، عَلى مَعْنى: ما شَهِدْنا مَوْضِعَ هَلاكِهِمْ؛ فَهَذا كانَ مَكْرَهم، فَجازاهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأهْلَكُهم.
وَفِي صِفَةِ إهْلاكِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أتَوْا دارَ صالِحٍ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ فَقَتَلَتْهم، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: رَماهُمُ اللَّهُ بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَتْهم، قالَهُ قَتادَةُ] .
والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا غارًا يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ صالِحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً سَدَّتْ بابَ الغارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم نَزَلُوا في سَفْحِ جَبَلٍ يَنْتَظِرُ بَعْضُهم بَعْضًا لِيَأْتُوا دارَ صالِحٍ، فَجَثَمَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَأهْلَكَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أنّا دَمَّرْناهم " بِفَتْحِ الألِفِ. وقَرَأ بِكَسْرِها. فَمَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، ومَن فَتَحَ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ . (p-١٨٣)والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ،كَأنَّهُ قالَ: هو أنّا دَمَّرْناهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ خاوِيَةً.
27:54–58Page 381
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
But the answer of his people was not except that they said, "Expel the family of Lot from your city. Indeed, they are people who keep themselves pure."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
So We saved him and his family, except for his wife; We destined her to be of those who remained behind.
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ. والثّانِي: وبَعْضُكم يُبْصِرُ بَعْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ تَجْهَلُونَ القِيامَةَ وعاقِبَةَ العِصْيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: جَعَلْناها بِتَقْدِيرِنا وقَضائِنا عَلَيْها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " قَدَرْناها " خَفِيفَةً، وهي في مَعْنى المُشَدَّدَةِ. وباقِي القِصَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ: ٧٧] .
27:59–61Page 382
قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩
Say, [O Muḥammad], "Praise be to Allāh, and peace upon His servants whom He has chosen. Is Allāh better or what they associate with Him?"
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أُمِرَ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ، ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ، الَّذِينَ اصْطَفى﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الرُّسُلُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ، قالَ: اصْطَفى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، ومُوسى بِالكَلامِ، ومُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.
(p-١٨٥)والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ وحَّدُوهُ وآَمَنُوا بِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْ ما يُشْرِكُونَ، وهَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: اللَّهُ خَيْرٌ لِمَن عَبْدَهُ، أمِ الأصْنامُ لِعابِدِيها؟! ومَعْنى الكَلامِ: أنَّهُ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، أخْبَرَهم أنَّهُ نَجّى عابِدِيهِ، ولَمْ تُغْنِ الأصْنامُ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ تَقْدِيرُهُ: أما يُشْرِكُونَ خَيْرٌ، أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ﴿والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ ؟! فَأمّا الحَدائِقُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي البَساتِينُ، واحِدُها: حَدِيقَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحْدِقُ عَلَيْها، أيْ: يَحْظُرُ، والبَهْجَةُ: الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لَكم ذَلِكَ [لِأنَّكُمْ] لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ مُسْتَفْهِمًا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟! أيْ: لَيْسَ مَعَهُ (p-١٨٦)إلَهٌ ﴿بَلْ هُمْ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في فاتِحَةِ (الأنْعامِ) . ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ: مُسْتَقَرًّا لا تَمِيدُ بِأهْلِها ﴿وَجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ: فِيما بَيْنَها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ أيْ: مانِعًا مِن قُدْرَتِهِ بَيْنَ العَذْبِ والمِلْحِ أنْ يَخْتَلِطا، ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قَدْرُ عَظَمَةِ اللَّهِ.
27:62–75Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥
Say, "None in the heavens and earth knows the unseen except Allāh, and they do not perceive when they will be resurrected."
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦
Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧
And those who disbelieve say, "When we have become dust as well as our forefathers, will we indeed be brought out [of the graves]?
لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
We have been promised this, we and our forefathers, before. This is not but legends of the former peoples."
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩
Say, [O Muḥammad], "Proceed [i.e., travel] through the land and observe how was the end of the criminals."
وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠
And grieve not over them or be in distress from what they conspire.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢
Say, "Perhaps it is close behind you [i.e., very near] - some of that for which you are impatient.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And indeed, your Lord is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful."
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤
And indeed, your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥
And there is nothing concealed1 within the heaven and the earth except that it is in a clear Register.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ. ﴿أمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
(p-١٨٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.
والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا. ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.
وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ. والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ (p-١٨٩)﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
﴿وَما مِن غائِبَةٍ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿إلا في كِتابٍ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
27:76–82Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم فَصارُوا أحْزابًا يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآَنُ بِبَيانِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَلَوْ أخَذُوا بِهِ لَسَلِمُوا. ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِحُكْمِهِ " بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَفّارِ فَشَبَّهَهم بِالمَوْتى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ " بِفَتْحِ مِيمِ " يَسْمَعُ "، وضَمِّ مِيمِ " الصُّمِّ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: أنَّ الصُّمَّ إذا أدْبَرُوا عَنْكَ ثُمَّ (p-١٩٠)نادَيْتَهم لَمْ يَسْمَعُوا، فَكَذَلِكَ الكافِرُ. ﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ﴾ أيْ: [ما أنْتَ] بِمُرْشِدٍ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الهُدى، ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ إسْماعُ إفْهامٍ ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ﴾ " وقَعَ " بِمَعْنى " وجَبَ " .
وَفِي المُرادِ بِالقَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الغَضَبُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. ومَتى ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ، ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّانِي: إذا لَمْ يُرْجَ صَلاحُهم، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي العالِيَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " عَلَيْهِمْ " إلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ عَلَيْهِمْ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في صِفَةِ الدّابَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ، رَواهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذاتُ زَغَبٍ ورِيشٍ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ.
والثّانِي: أنَّ رَأْسَها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ.
(p-١٩١)والثّالِثُ: أنَّ وجْهَها وجْهُ رَجُلٍ، وسائِرُ خَلْقِها كَخَلْقِ الطَّيْرِ، قالَهُ وهْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبًا ورِيشًا وجَناحَيْنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي المَكانِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الصَّفا. رَوى حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [أنَّهُ] قالَ: " «بَيْنَما عِيسى يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، تَضْطَرِبُ الأرْضُ تَحْتَهم، ويَنْشَقُّ الصَّفا مِمّا يَلِي المَسْعى، وتَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنَ الصَّفا، أوَّلُ ما يَبْدُو مِنها رَأْسُها، مُلْمِعَةً ذاتَ وبَرٍ ورِيشٍ، لَنْ يُدْرِكَها طالِبٌ، ولَنْ يَفُوتَها هارِبٌ» " . وفي حَدِيثٍ آَخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «طُولُها سِتُّونَ ذِراعًا» "، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ مِن صَدْعٍ في الصَّفا كَجَرْيِ الفَرَسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وما خَرَجَ ثُلْثُها. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَيَمَسَّ رَأْسَها السَّحابُ ورِجْلاها في الأرْضِ ما خَرَجَتا.
والثّانِي: أنَّها تَخْرُجُ مِن شِعْبِ أجْيادٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ.
والثّالِثُ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: مِن بَحْرِ سَدُومَ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
(p-١٩٢)والخامِسُ: أنَّها تَخْرُجُ بِتِهامَةٍ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «تَخْرُجُ الدّابَّةُ مَعَها خاتَمُ سُلَيْمانَ، وعَصا مُوسى، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصا وتُحَطِّمَ أنْفَ الكافِرِ بِالخاتَمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذا: يا مُؤْمِنُ، ويَقُولُ هَذا: يا كافِرُ "» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «تَسِمُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: مُؤْمِنٌ، وتَسِمُ الكافِرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، وتَصْرُخُ ثَلاثَ صَرْخاتٍ يَسْمَعُها مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ» " . وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أُسَيْدٍ: إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَ خَرْجاتٍ، خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي ثُمَّ تَنْكَتِمُ، وخَرْجَةٌ في بَعْضِ القُرى ثُمَّ تَنْكَتِمُ، فَبَيْنَما النّاسُ عِنْدَ أشْرَفِ المَساجِدِ - يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ - إذِ ارْتَفَعَتِ الأرْضُ، فانْطَلَقَ النّاسُ هِرابًا، فَلا يُفُوتُونَها، حَتّى إنَّها لَتَأْتِيَ الرَّجُلَ وهو يُصَلِّي، فَنَقُولُ: أتَتَعَوَّذُ بِالصَّلاةِ، واللَّهِ ما كُنْتَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، فَتَخْطِمُهُ، وتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: (p-١٩٣)إنَّها تَنْكُتُ في وجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سَوْداءَ فَتَفْشُو في وجْهِهِ، فَيَسُوَدَّ وجْهُهُ وتَنْكُتُ في وجْهِ المُؤْمِنِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ فَتَفْشُو في وجْهِهِ حَتّى يَبِيضَّ وجْهُهُ، فَيَعْرِفُ النّاسُ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ولَكَأنِّي بِها قَدْ خَرَجَتْ في عَقِبِ رَكْبٍ مِنَ الحاجِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ، فَهو مِنَ الكَلامِ.
وَفِيما تُكَلِّمُهم بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَقُولُ لَهم: إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: تَقُولُ: هَذا مُؤْمِنٌ، وهَذا كافِرٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجَحْدَرِيُّ: بِتَسْكِينِ الكافِ وكَسْرِ اللّامِ [وَفَتْحِ التّاءِ]، فَهو مِنَ الكَلِمِ؛ قالَ ثَعْلَبٌ: والمَعْنى: تَجْرَحُهم. وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القِراءَتَيْنِ، فَقالَ كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُهُ، تَكَلَّمَ المُؤْمِنُ، وتَكَلَّمَ الفاجِرُ والكافِرُ، أيْ: تَجْرَحُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ فَمَن فَتَحَ أرادَ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، وهَكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ " بِزِيادَةِ باءٍ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ؛ ومَن كَسَرَ، فَلِأنَّ مَعْنى " تَكَلِّمُهم ": تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ، والكَلامُ قَوْلٌ.
27:83–86Page 384
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥
And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
(p-١٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ كالزُّمْرَةِ، والمُرادُ بِهِ: الرُّؤَساءُ والمَتْبُوعُونَ في الكُفْرِ، حُشِرُوا وأُقِيمَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى ﴿يُوزَعُونَ﴾ [النَّمْلِ: ١٧] . ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، قالَ الله تَعالى لَهم: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾؟! هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ ووَعِيدٍ لَهم، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ تَعْرِفُوها حَقَّ مَعْرِفَتِها.
والثّانِي: لَمْ تُحِيطُوا عِلْمًا بِبُطْلانِها. والمَعْنى: إنَّكم لَمْ تَتَفَكَّرُوا في صِحَّتِها، ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا فِيما أمَرْتُكم بِهِ ونَهَيْتُكم عَنْهُ؟! .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ آَنِفًا [النَّمْلِ: ٨٢] ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِما أشْرَكُوا ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ بِحُجَّةٍ عَنْ أنْفُسِهِمْ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: يُبْصِرُ فِيهِ لِابْتِغاءِ الرِّزْقِ.
27:87–90Page 384
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ النَّفْخَةُ الأُولى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ]، والمُرادُ أنَّهم ماتُوا، بَلَغَ بِهِمُ الفَزَعُ إلى المَوْتِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ مَن في النّارِ، لِأنَّهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ بْنَ شاقِلا مِن أصْحابِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ الأحْياءِ الَّذِينَ ماتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا ﴿آتَوْهُ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿أتَوْهُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ مَقْصُورَةً، أيْ: يَأْتُونَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿داخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: صاغِرِينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلٌّ " لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ في مَوْضِعِ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا يَكُونُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ، تُجْمَعُ الجِبالُ وتُسَيَّرُ، فَهي لِكَثْرَتِها تُحْسَبُ ﴿جامِدَةً﴾ أيْ: واقِفَةً (p-١٩٦)﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ السَّحابِ، وكَذَلِكَ كَلُّ جَيْشٍ عَظِيمٍ يَحْسَبُهُ النّاظِرُ مِن بَعِيدٍ واقِفًا وهو يَسِيرُ، لِكَثْرَتِهِ، قالَ الجَعْدِيُّ يَصِفُ جَيْشًا:
؎ بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ دَلِيلٌ عَلى الصَّنْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ. فَأمّا الإتْقانُ، فَهو في اللُّغَةِ: إحْكامٌ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَفْعَلُونَ " بِالياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قَدْ شَرَحْنا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في آَخِرِ (الأنْعامِ: ١٦٠) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها يَصِلُ إلَيْهِ، وهو الثَّوابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: فَلَهُ أفْضَلُ مِنها، لِأنَّهُ يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيُعْطى عَشْرَ أمْثالِها قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ " مُضافًا. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " مِن فَزَعٍ " بِالتَّنْوِينِ " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ. وقالَ الفَرّاءُ: الإضافَةُ أعْجَبُ (p-١٩٧)إلَيَّ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ فَزَعٌ مَعْلُومٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣] فَصَيَّرَهُ مَعْرِفَةً، فَإذا أضَفْتَ مَكانَ المَعْرِفَةِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ التَّنْوِينِ وقالَ: هي أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ فَزَعِ ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إذا نَوَّنَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةَ الألْفاظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لُقْمانَ: ١٩]، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ، القِراءَتانِ سَواءٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةَ، فَهو شامِلٌ لِكُلِّ فَزَعٍ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الواحِدَ، فَهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣] . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: إذا أطْبَقَتِ النّارُ عَلى أهْلِها فَزِعُوا فَزْعَةً لَمْ يَفْزَعُوا مِثْلها، وأهْلُ الجَنَّةِ آَمِنُونَ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الشِّرْكُ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ يُقالُ: كَبَّبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتُهُ لِوَجْهِهِ؛ وتَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences