Ibn al-JawziAl‑Qasas · 28:1–28

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

القصص

Al-Qasas

The Stories · Meccan · 88 ayahs

28:1–6Page 385

طسٓمٓ ١

Ṭā, Seen, Meem.1

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

These are verses of the clear Book.

نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣

We recite to you from the news of Moses and Pharaoh in truth for a people who believe.

إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤

Indeed, Pharaoh exalted himself in the land and made its people into factions, oppressing a sector among them, slaughtering their [newborn] sons and keeping their females alive. Indeed, he was of the corrupters.

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥

And We wanted to confer favor upon those who were oppressed in the land and make them leaders and make them inheritors

وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ ٦

And establish them in the land and show Pharaoh and [his minister] Hāmān and their soldiers through them1 that which they had feared.

(p-٢٠٠)سُورَةُ القَصَصِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها غَيْرَ آَيَةٍ مِنها، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القَصَصِ: ٨٥] فَإنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو بِالجُحْفَةِ في وقْتِ خُرُوجِهِ لِلْهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ: أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وزَعَمَ مُقاتِلٌ: أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القَصَصِ: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] . وفِيها آَيَةٌ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ ولا مَدَنِيَّةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القَصَصِ: ٨٥] نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ.

(p-٢٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طسم﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الشُّعَراءِ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ: طَغى وتَجَبَّرَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا وأصْنافًا في خِدْمَتِهِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ وهْم بَنُو إسْرائِيلَ، واسْتِضْعافُهُ إيّاهم: اسْتِعْبادُهم، ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ بِالقَتْلِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي. ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يَذْبَحُ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ خَفِيفَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نُنْعِمُ ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً ومُلُوكًا ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " ويَرى " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وإمالَةِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ " فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما " بِالرَّفْعِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أخْبَرُوا أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا عَلى وجَلٍ مِنهم، فَأراهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

28:7–9Page 386

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧

And We inspired to the mother of Moses, "Suckle him; but when you fear for him, cast him into the river and do not fear and do not grieve. Indeed, We will return him to you and will make him [one] of the messengers."

فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨

And the family of Pharaoh picked him up [out of the river] so that he would become to them an enemy and a [cause of] grief. Indeed, Pharaoh and Hāmān and their soldiers were deliberate sinners.

وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩

And the wife of Pharaoh said, "[He will be] a comfort of the eye [i.e., pleasure] for me and for you. Do not kill him; perhaps he may benefit us, or we may adopt him as a son." And they perceived not.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إلْهامٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ أتاها بِذَلِكَ، (p-٢٠٢)قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ رُؤْيا مَنامٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ أمِّ مُوسى " يُوخابِذَ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ امْرَأةً مِنَ القَوابِلِ مُصافِيَةً لِأُمِّ مُوسى، فَلَمّا وضَعَتْهُ تَوَلَّتْ أمْرَها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَآَها بَعْضُ العُيُونِ فَجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلى أُمِّ مُوسى، فَقالَتْ أُخْتُهُ: يا أُمّاهُ هَذا الحَرَسُ بِالبابِ، فَلَفَّتْ مُوسى في خِرْقَةٍ ووَضَعَتْهُ في التَّنُّورِ وهو يَسْجُرُ، فَدَخَلُوا ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالَ لِأُخْتِهِ: أيْنَ الصَّبِيُّ، قالَتْ: لا أدْرِي، فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فاطَّلَعَتْ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، فَأرْضَعَتْهُ بَعْدَ وِلادَتِهِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَلَمّا خافَتْ عَلَيْهِ صَنَعَتْ لَهُ التّابُوتَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا خِفْتِ عَلَيْهِ القَتْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: إذا خِفْتِ [عَلَيْهِ] أنْ يَصِيحَ أوْ يَبْكِيَ فَيُسْمَعُ صَوْتُهُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَخافِي﴾ قَوْلانِ.

(p-٢٠٣)أحَدُهُما: أنْ يَغْرَقَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنْ يَضِيعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَقالَ الأصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأعْرابِيَّةٍ: ما أفْصَحَكَ! فَقالَتْ: أوَبَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَصاحَةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ، فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ، ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي، إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَمَعَ فِيها بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الِالتِقاطُ: إصابَةُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ. والمُرادُ بِآَلِ فِرْعَوْنَ: الَّذِينَ تَوَلَّوْا أخْذَ التّابُوتِ مِنَ البَحْرِ.

وَفِي الَّذِينَ التَقَطُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: ابْنَةُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ. والثّالِثُ: أعْوانُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ أيْ: لِيَصِيرَ بِهِمُ الأمْرُ إلى ذَلِكَ لا أنَّهم أخَذُوهُ لِهَذا، وهَذِهِ اللّامُ تُسَمّى لامَ العاقِبَةَ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (يُونُسَ: ٨٨) .

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا في دِينِهِمْ وحَزَنًا لِما يَصْنَعُهُ بِهِمْ.

والثّانِي: عَدُوًّا لِرِجالِهِمْ وحَزَنًا عَلى نِسائِهِمْ، فَقُتِلَ الرِّجالُ بِالغَرَقِ، واسْتَعْبَدَ النِّساءَ. ﴿وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ وهي آَسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُزَوَّجَها فِرْعَوْنُ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَفَعَ " قُرَّةَ عَيْنٍ " عَلى إضْمارِ " هو " . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ لا يُولَدُ لَهُ إلّا البَناتُ، فَقالَتْ: ﴿عَسى (p-٢٠٤)أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَنَصِيبُ مِنهُ خَيْرًا ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾، ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: لا يَشْعُرُ بَنُو إسْرائِيلَ أنّا التَقَطْناهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ. والرّابِعُ: لا يَشْعُرُونَ أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

28:10–13Page 386

وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠

And the heart of Moses' mother became empty [of all else]. She was about to disclose [the matter concerning] him had We not bound fast her heart that she would be of the believers.

وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١

And she said to his sister, "Follow him"; so she watched him from a distance while they perceived not.

۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢

And We had prevented from him [all] wet nurses before,1 so she said, "Shall I direct you to a household that will be responsible for him for you while they are to him [for his upbringing] sincere?"

فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣

So We restored him to his mother that she might be content and not grieve and that she would know that the promise of Allāh is true. But most of them [i.e., the people] do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فارِغًا مَن كَلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكْرِ مُوسى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أصْبَحَ فُؤادُها فَزِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، فَإنَّهم قَرَؤُوا: " فَزَعًا " بِزايٍ مُعْجَمَةٍ.

والثّالِثُ: فارِغًا مِن وحْيِنا بِنِسْيانِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٠٥)والرّابِعُ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، لِعِلْمِها أنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِن أعْجَبِ التَّفْسِيرِ، كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ واللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ ؟! وهَلْ يُرْبَطُ إلّا عَلى قَلْبِ الجازِعِ المَحْزُونِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُوسى. ومَتى أرادَتْ هَذا؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ حِينَ فارَقَتْهُ؛ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ [أنَّهُ] قالَ: كادَتْ تَقُولُ: يا بُنَيّاهُ. قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ مِن شَدَّةٍ وجْدِها. والثّانِي حِينَ حَمَلَتْ لِرِضاعِهِ ثُمَّ كادَتْ تَقُولُ: هو ابْنِي، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كَبُرَ وسَمِعَتِ النّاسَ يَقُولُونَ: مُوسى بْنُ فِرْعَوْنَ، كادَتْ تَقُولُ: لا بَلْ هو ابْنِي، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ؛ والمَعْنى: إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ، حَكاهُ ابْن جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْلا رَبَطْنا عَلى قَلْبِها، والرَّبْطُ: إلْهامُ الصَّبْرِ وتَشْدِيدُ القَلْبِ وتَقْوِيتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ. ﴿وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، [أيْ]: أُحَيٌّ هو، أوْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي وعَدَها اللَّهُ فِيهِ. وقالَ وهَبٌ: إنَّما قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، لِأنَّها سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أصابَ صَبِيًّا في تابُوتٍ. قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ أُخْتِهِ: مَرْيَمُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " قُصِّيهِ ": قُصِّي أثَرَهُ واتَّبِعِيهِ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ: عَنْ (p-٢٠٦)بُعْدٍ مِنها عَنْهُ وإعْراضٍ، لِئَلّا يَفْطَنُوا، والمُجانَبَةُ مِن هَذا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: " عَنْ جَنابٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ والنُّونِ وبِألِفٍ بَعْدَهُما. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " عَنْ جانِبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ النُّونِ وبَيْنَهُما ألِفٌ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " عَنْ جَنْبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وإسْكان النُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ وهي جَمْعُ مُرْضِعٍ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ عَلى أُمِّهِ، وهَذا تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَقِيَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، كُلَّما أُتِيَ بِمُرْضِعٍ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، فَأهَمَّهم ذَلِكَ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿فَقالَتْ﴾ لَهم أُخْتُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ فَقالُوا لَها: نَعَمْ، مَن تِلْكَ؟ فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ قالَتْ لَبَنُ هارُونَ. فَلَمّا جاءَتْ قِبَلَ ثَدْيِها. وقِيلَ: إنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿وَهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ قالُوا: لَعَلَّكِ تَعْرِفِينَ أهْلَهُ، قالَتْ: لا، ولَكِنِّي إنَّما قُلْتُ: وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (طَهَ: ٤٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ يَرُدُّ ولَدَها ﴿حَقٌّ﴾ وهَذا عِلْمُ عَيانٍ ومُشاهَدَةٍ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ وعَدَها أنْ يَرُدَّهُ إلَيْها.

28:14–17Page 387

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤

And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.

وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥

And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦

He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧

He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."

(p-٢٠٧)﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ٢٢)، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ في لَفْظِ الآيَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، إلّا أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ بُلُوغِ الأشُدِّ وبَيْنَ الِاسْتِواءِ؛ فَأمّا بُلُوغُ الأشُدِّ، فَقَدْ سَلَفَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٥٢] .

وَفِي مُدَّةِ الِاسْتِواءِ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: سُتُّونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكَثَ عِنْدَ أُمِّهِ حَتّى فَطَمَتْهُ، ثُمَّ رَدَّتْهُ إلَيْهِمْ، فَنَشَأ في حِجْرِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ واتَّخَذاهُ ولَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مِصْرُ. والثّانِي مَدِينَةٌ بِالقُرْبِ مِن مِصْرَ.

قالَ السُّدِّيُّ: رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا ولَيْسَ عِنْدَهُ مُوسى، فَلَمّا جاءَ مُوسى رَكِبَ في أثَرِهِ فَأدْرَكَهُ المَقِيلُ في تِلْكَ المَدِينَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا تَوَهَّمَ فِرْعَوْنُ في مُوسى أنَّهُ عَدْوُّهُ أمَرَ بِإخْراجِهِ مِن مَدِينَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ إلّا بَعْدَ أنْ كَبُرَ فَدَخَلَها يَوْمًا ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ .

(p-٢٠٨)وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ عِيدٍ لَهم، وكانُوا قَدْ اشْتَغَلُوا فِيهِ بِلَهْوِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ نِصْفَ النَّهارِ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم لَمّا أخْرَجُوهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ حَتّى كَبِرَ، فَدَخَلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ عَنْ ذِكْرِهِ، لِأنَّهُ قَدْ نَسِيَ أمْرَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِن أصْحابِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وَهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِن أعْدائِهِ مِنَ القِبْطِ، والعَدُوِّ يَذْكُرُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ في الغائِبِ: " هَذا " و " هَذا "، عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ لِلْحَضْرَةِ؛ والمَعْنى: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِما النّاظِرُ قالَ: هَذا مِن شِيعَتِهِ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ القِبْطِيَّ كانَ قَدْ سَخَّرَ الإسْرائِيلِيَّ أنْ يَحْمِلَ حَطَبًا إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ: فاسْتَنْصَرَهُ، ﴿فَوَكَزَهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَكْزُ: أنْ يَضْرِبَهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " فَوَكَزَهُ " أيْ: لَكَزَهُ، يُقالُ: وكَزْتُهُ ولَكَزْتُهُ ولَهَزْتُهُ: إذا دَفَعْتُهُ، ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ؛ وكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتَ مِنهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وقَضَيْتَ عَلَيْهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما وكَزَهُ بِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَفَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: عَصاهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَلَمّا ماتَ القِبْطِيُّ نَدِمَ مُوسى لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ، و ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: هو الَّذِي هَيَّجَ غَضَبِي حَتّى ضَرَبْتُ هَذا، ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ﴾ (p-٢٠٩)لِابْنِ آَدَمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ لَهُ ﴿مُبِينٌ﴾ عَداوَتَهُ. ثُمَّ اسْتَغْفِرْ ف ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِقَتْلٍ هَذا، ولا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ. ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَوْنًا لِلْكافِرِينَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإسْرائِيلِيَّ الَّذِي أعانَهُ مُوسى كانَ كافِرًا.

28:18–20Page 387

فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨

And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."

فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩

And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."

وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠

And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ﴾ وهي الَّتِي قُتِلَ بِها القِبْطِيُّ ﴿خائِفًا﴾ عَلى نَفْسِهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُ سُوءًا يَنالُهُ مِنهم ويَخافُ أنْ يُقْتَلَ بِهِ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ وهو الإسْرائِيلِيُّ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلى قِبْطِيٍّ آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ أيْضًا ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القِبْطِيِّ. والثّانِي: إلى الإسْرائِيلِيِّ، وهو أصَحُّ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ بِتَسْخِيرِكَ وظُلْمِكَ.

وَعَلى الثّانِي فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الغَوِيُّ بِمَعْنى المُغْوِيِّ، كالألِيمِ والوَجِيعِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ (p-٢١٠)والمُوجِعُ؛ والمَعْنى: إنَّك لَمُضِلٌّ حِينَ قَتَلْتَ بِالأمْسِ رَجُلًا بِسَبَبِكَ، وتَدْعُونِي اليَوْمَ إلى آَخَرَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ الغَوِيُّ بِمَعْنى الغاوِي؛ والمَعْنى إنَّكَ غاوٍ في قِتالِكَ مَن لا تُطِيقُ دَفْعَ شَرَهِ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: بِالقِبْطِيِّ ﴿قالَ يا مُوسى﴾ هَذا قَوْلُ الإسْرائِيلِيِّ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالُوا: لَمّا رَأى الإسْرائِيلِيُّ غَضَبَ مُوسى عَلَيْهِ حِينَ قالَ [لَهُ]: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآَهُ قَدْ هَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُهُ فَخافَ عَلى نَفْسِهِ فِ ﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي﴾ وكانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لَمْ يَعْلَمُوا مَن قاتِلُ القِبْطِيِّ، إلّا أنَّهم أتَوْا إلى فِرْعَوْنَ فَقالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنّا فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا، فَقالَ: ابْغُونِي قاتِلَهُ ومَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ لِآخِذٍ لَكم حَقُّكم، فَبَيْنا هم يَطُوفُونَ ولا يَدْرُونَ مَنِ القاتِلُ، وقَعَتْ هَذِهِ الخُصُومَةُ بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّ والقِبْطِيِّ في اليَوْمِ الثّانِي، فَلَمّا قالَ الإسْرائِيلِيُّ لِمُوسى: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ انْطَلَقَ القِبْطِيُّ إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ الرَّجُلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى، فَعَلِمَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى فَأتاهُ فَأخْبَرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ . فَأمّا الجَبّارُ، فَقالَ السُّدِّيُّ: هو القِتالُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (هُودٍ: ٥٩)، وأقْصى المَدِينَةَ: آَخِرُها وأبْعَدَها، ويَسْعى، بِمَعْنى يُسْرِعُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الرَّجُلُ هو مُؤْمِنُ آَلِ فِرْعَوْنَ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في اسْمِهِ في سُورَةِ (المُؤْمِنُونَ: ٢٨) . فَأمّا المَلَأُ، فَهُمُ الوُجُوهُ مِنَ النّاسِ والأشْرافِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٢١١)أحَدُها: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: يَهُمُّونَ بِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

28:21–28Page 387

فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١

So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢

And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."

وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣

And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤

So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."

فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥

Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."

قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦

One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."

قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."

قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨

[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ: مِن مِصْرَ ﴿خائِفًا﴾ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ [القَصَصِ: ١٨ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ أهْلَ مِصْرَ.

﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تُجاهُ مَدْيَنَ ونَحْوُها، وأصْلُهُ: اللِّقاءُ، وزِيدَتْ فِيهِ التّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢١٢)

؎ [ أمَّلْتُ خَيْرَكَ هَلْ تَأْتِي مَواعِدُهُ] فاليَوْمَ قَصَّرَ عَنْ تِلْقائِكَ الأمَلُ

أيْ: عَنْ لِقائِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ خائِفًا بِغَيْرِ زادٍ ولا ظَهْرٍ، وكانَ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ، فِ ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: قَصَدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلِكًا فَدَلَّهُ، قالُوا: ولَمْ يَكُنْ لَهُ في طَرِيقِهِ طَعامٌ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، فَوَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وخُضْرَةَ البَقْلِ تَتَراءى في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهُمُ الرُّعاةُ، ﴿يَسْقُونَ﴾ مَواشِيَهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن سِوى الأُمَّةِ ﴿امْرَأتَيْنِ﴾ وهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ؛ قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ الكُبْرى: صَبُورًا والصُّغْرى: عِبْرا ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَكُفّانِ غَنَمَهُما، فَحَذَفَ الغَنَمَ اخْتِصارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما فَعَلَتا ذَلِكَ لِيَفْرَغَ النّاسُ وتَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ، قالَ مُوسى: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ؟! ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " نُسْقِي " بِرَفْعِ النُّونِ ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يَصْدُرُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ: حَتّى يَرْجِعَ الرُّعاءُ. وقَرَأ الباقُونَ: " يَصْدُرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أرادُوا: حَتّى يَرِدَ الرِّعاءُ غَنَمَهم عَنِ الماءِ. والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ، كَما يُقالُ: صاحِبٌ وصِحابٌ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، (p-٢١٣)وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " الرِّعاءُ " بِضَمِّ الرّاءِ، والمَعْنى: نَحْنُ امْرَأتانِ لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ ﴿وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنا نَحْنُ إلى أنْ نَسْقِيَ، وكانَ عَلى تِلْكَ البِئْرِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذا فَرَغَ الرِّعاءُ مِن سَقْيِهِمْ أعادُوا الصَّخْرَةَ، فَتَأْتِي المَرْأتانِ إلى فُضُولِ حِياضِ الرِّعاءِ فَتَسْقِيانِ غَنَمَهُما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ مُوسى.

وَفِي صِفَةِ ما صَنَعَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِئْرٍ أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يَقْتَلِعُها إلّا جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فاقْتَلَعَها وسَقى لَهُما، قالَهُعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ زاحَمَ القَوْمَ عَلى الماءِ، وسَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والمَعْنى: سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما.

﴿ثُمَّ تَوَلّى﴾ أيْ: انْصَرَفَ ﴿إلى الظِّلِّ﴾ وهو ظِلُّ شَجَرَةٍ ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما﴾ اللّامُ بِمَعْنى إلى، فَتَقْدِيرُهُ: إنِّي إلى ما ﴿أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وأرادَ بِالخَيْرِ: الطَّعامُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ أسْمَعَ المَرْأتَيْنِ (p-٢١٤)هَذا الكَلامُ تَعْرِيضًا أنْ تُطْعِماهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ المَعْنى: فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، فَبَعَثَ إحْداهُما تَدْعُو مُوسى. وفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: الصُّغْرى. والثّانِي: الكُبْرى. فَجاءَتْهُ ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها.

وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن صِفَتِها الحَياءُ، فَهي تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ يَعْتَدِ الخُرُوجَ والدُّخُولَ.

والثّانِي: لِأنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئُهُ، وكانَ الأجْمَلُ عِنْدَها أنْ تَدْعُوَهُ مِن غَيْرِ مُكافَأةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها رَسُولُ أبِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سَمِعَ مُوسى هَذا القَوْلَ كَرَّهَهُ وأرادَ أنْ لا يَتْبَعَها، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا لِلْجُهْدِ الَّذِي بِهِ مِنِ اتِّباعِها، فَتَبِعَها، فَكانَتْ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَها فَيَصِفُّ بَعْضَ جَسَدِها، فَناداها: يا أمَةَ اللَّهِ، كُونِي خَلْفِي ودُلِّينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى شُعَيْبًا ﴿وَقَصَّ (p-٢١٥)عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ: أخْبَرَهُ بِأمْرِهِ مِن حِينِ وُلِدَ والسَّبَبُ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن أرْضِهِ ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ. ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ وهي الكُبْرى: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ: اتَّخَذَهُ أجِيرًا ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن اسْتَعْمَلْتَ عَلى عَمَلِكَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ؛ وإنَّما سَمَّتْهُ قَوِيًّا، لِرَفْعِهِ الحَجَرَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتَقى بِدَلْوٍ لا يُقِلُّها إلّا العَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ، وسَمَّتْهُ أمِينًا، لِأنَّهُ أمَرَها أنْ تَمْشِيَ خَلْفَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَها شُعَيْبُ: قَدْ رَأيْتُ قُوَّتَهُ، فَما يُدْرِيكَ بِأمانَتِهِ؟ فَحَدَّثَتْهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَغِبَ فِيهِ شُعَيْبٌ، فَقالَ لَهُ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أيْ: أزْواجُكَ ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْجُرُنِي وتَأْجِرُنِي، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، لُغَتانِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أيْ: في العَشْرِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ. ﴿قالَ﴾ لَهُ مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ وشَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي مِن تَزْوِيجِ إحْداهُما فَلِيَ، فالأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَنا وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا. ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ يَعْنِي: الثَّمانِيَ والعَشَرَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما " زائِدَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ: أتْمَمْتُ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ؛ والمَعْنى: لا تَعْتَدِ عَلَيَّ بِأنْ تُلْزِمَنِي أكْثَرَ مِنهُ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: واللَّهُ شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.

(p-٢١٦)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شُعَيْبٌ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، وعَلى هَذا أكْثَرُ [أهْلِ] التَّفْسِير، وفِيهِ أثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ صاحِبُ مَدْيَنَ، واسْمُهُ يَثْرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: رَجُلٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ: قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَثْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

واخْتَلَفُوا في الَّتِي تَزَوَّجَها مُوسى مِنَ الإبْنَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الكُبْرى، قالَهُ مُقاتِل.

(p-٢١٧)وَفِي اسْمِ الَّتِي تَزَوَّجَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَفُورِيا، حَكاهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ. والثّانِي: صَفُورَةُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ. والثّالِثُ: صَبُورًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском