Ibn al-JawziAl-'Ankabut · 29:1–30

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

العنكبوت

Al-'Ankabut

The Spider · Meccan · 69 ayahs

29:1–4Page 396

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢

Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?

وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣

But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤

Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.

(p-٢٥٣)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. وقالَ هِبَةُ اللَّهِ [ابْنُ سَلامَةَ] المُفَسِّرُ: نَزَلَ مِنَ أوَّلِها إلى رَأْسِ العَشْرِ بِمَكَّةَ، وباقِيها بِالمَدِينَةِ. وقالَ غَيْرُهُ عَكْسَ هَذا: نَزَلَ العَشْرُ بِالمَدِينَةِ، وباقِيها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٢٥٤)أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، كَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى إخْوانِهِمْ بِمَكَّةَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إسْلامُكم حَتّى تُهاجِرُوا، فَخَرَجُوا نَحْوَ المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَشْرَ آياتٍ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهم بِما نَزَلَ فِيهِمْ، فَقالُوا: نَخْرُجُ، فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَمِنهم مَن قُتِلَ، ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النَّحْلِ: ١١٠]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ قُتِلَ بِبَدْرٍ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في أبَوَيْهِ وامْرَأتِهِ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وغَيْرِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ الآيَةِ اسْتِخْبارٌ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ؛ والمَعْنى: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، ولِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، أيْ: أحَسِبُوا أنْ يُقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، ولا يُمْتَحَنُونَ بِما يُبَيِّنُ (p-٢٥٥)حَقِيقَةَ إيمانِهِمْ، ﴿وَهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: لا يُخْتَبَرُونَ بِما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إيمانِهِمْ مِن كَذِبِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يُفْتَنُونَ في أنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ٌ. والثّانِي: لا يُبْتَلَوْنَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم واخْتَبَرْناهُمْ، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ عِنْدَ البَلاءِ إذا صَبَرُوا لِقَضائِهِ ولَيَرَيَنَّ الكاذِبِينَ في إيمانِهِمْ إذا شَكُّوا عِنْدَ البَلاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَلْيُمَيِّزَنَّ، لِأنَّهُ [قَدْ] عِلَمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: فَلَيُظْهِرَنَّ ذَلِكَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ " " ولَيُعْلِمَنَّ الكاذِبِينَ " " ولَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيُعْلِمَنَّ المُنافِقِينَ " [العَنْكَبُوتِ: ١١] بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ أيْ: أيَحْسَبُ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ (p-٢٥٦)يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمُ حِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنى بِهِمُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلٍ، والعاصَ بْنَ هِشامٍ، وغَيْرَهم.

29:5–7Page 396

مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥

Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧

And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (الكَهْفِ) ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ يَعْنِي الأجَلَ المَضْرُوبَ لِلْبَعْثِ؛ والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يَقُولُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَعْمَلُ. ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: إنَّ ثَوابَهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لَنُبْطِلَنَّها حَتّى تَصِيرَ بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُعْمَلُ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وهو الطّاعَةُ، ولا نَجْزِيهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.

29:8–9Page 397

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩

And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " إحْسانًا " بِألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

(p-٢٥٧)رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ! ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أحْدَثْتَ، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا أوْلا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقالَ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمّاهُ، إنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدْ جُهِدَتْ، ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ واللَّهِ يا أُمّاهُ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وقَدْ جَرى لَهُ مَعَ أُمِّهِ نَحْوُ هَذا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي في (لُقْمانَ): ١٥ وفي (الأحْقافِ): ١٥ نَزَلْنَ في قِصَّةِ سَعْدٍ.

(p-٢٥٨)قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " حُسْنًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، ومَن قَرَأ: " إحْسانًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ، وكانَ " حُسْنًا " أعَمَّ في البَرِّ.

﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ هَذا الكَلامِ مَجازُ المُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، والمَعْنى: وقُلْنا لَهُ: وإنْ جاهَداكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ مَعْناهُ: لِتُشْرِكَ بِي شَرِيكًا لا تَعْلَمُهُ لِي ولَيْسَ لِأحَدٍ بِذَلِكَ عِلْمٌ، ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: " في " بِمَعْنى " مَعَ " .

29:10–11Page 397

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١

And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ إلى بَدْرٍ فارْتَدُّوا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-٢٥٩)والثّانِي: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمُ افْتُتِنُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ. كانُوا يُؤْمِنُونَ، فَإذا أُوذُوا وأصابَهم بَلاءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ أسْلَمَ، فَخافَ عَلى نَفْسِهِ مِن أهْلِهِ وقَوْمِهِ، فَخَرَجَ مِن مَكَّةَ هارِبًا إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَدِينَةِ، فَجَزِعَتْ أُمُّهُ فَقالَتْ لِأخَوَيْهِ أبِي جَهْلٍ والحارِثِ ابْنَيْ هِشامٍ- وهُما أخَواهُ لِأُمِّهِ-: واللَّهِ لا آوِي بَيْتًا ولا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَأْتِيانِي بِهِ، فَخَرَجا في طَلَبِهِ فَظَفِرا بِهِ فَلَمْ يَزالا بِهِ، حَتّى تابَعَهُما وجاءا بِهِ إلَيْها، فَقَيَّدَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ لا أحُلُّكَ مِن وثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بِالسِّياطِ وتُعَذِّبُهُ حَتّى كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَعًا مِنَ الضَّرْبِ، فَنَزَلَتْ [فِيهِ] هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما جَلَداهُ في الطَّرِيقِ مِائَتَيْ جَلْدَةً، فَتَبَرَّأ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: نالَهُ أذًى أوْ عَذابٌ بِسَبَبِ إيمانِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أيْ: ما يُصِيبُهُ مِن عَذابِهِمْ في الدُّنْيا ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ في (p-٢٦٠)الآخِرَةِ؛ وإنَّما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذى في اللَّهِ تَعالى لِما يَرْجُو مِن ثَوابِهِ ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي دَوْلَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ عَلى دِينِكُمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ. وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.

29:12–13Page 397

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢

And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.

وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣

But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ يَعْنُونَ: دِينَنا. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا لَهُمْ: لا نَبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فاتَّبِعُونا، فَإنْ كانَ عَلَيْكم شَيْءٌ فَهو عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، يَعْنِي: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم. وقالَ الأخْفَشُ: كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: " ولِنَحْمِلْ " بِكَسْرِ اللّامِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الواوُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: لِنَحْمِلْ خَطاياكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما ضَمِنُوا مِن حَمْلِ خَطاياهم.

(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَ أنْفُسِهِمْ ﴿وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ، وهي أوْزارُ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النَّحْلِ: ٢٥] ﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

29:14–15Page 397

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤

And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أُعْلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ قَدِ ابْتُلُوا قَبْلَهُ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، فَإنَّهم وإنْ أُمْهِلُوا، فَقَدْ أُمْهِلَ قَوْمُ نُوحٍ أكْثَرَ ثُمَّ أُخِذُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ اخْتَلَفُوا في عُمْرِ نُوحٍ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: بُعِثَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهُمْ، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

(p-٢٦٢)والثّالِثُ: أنَّهُ بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةٍ، فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسِينَ وثَلاثَمِائَةٍ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، [وَدَعاهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ] ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بُعِثَ لِخَمْسِينَ سَنَةً.

والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيَّنَتْ مِقْدارَ عُمْرِهِ كُلِّهِ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿إلا خَمْسِينَ عامًا﴾، فَهَلّا قالَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَكْثِيرَ العَدَدِ، وذِكْرُ الألْفِ أفْخَمُ في اللَّفْظِ، وأعْظَمُ لِلْعَدَدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِ العَرَبِ: التَّوْكِيدُ، تَقُولُ: جاءَنِي إخْوَتُكَ إلّا زَيْدًا، فَتُؤَكِّدُ أنَّ الجَماعَةَ جاؤُوا، وتَنْقُصُ زَيْدًا. واسْتِثْناءُ نِصْفِ الشَّيْءِ قَبِيحٌ جِدًّا لا تَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، وإنَّما تَتَكَلَّمُ بِالِاسْتِثْناءِ كَما تَتَكَلَّمُ بِالنُّقْصانِ، تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ قِيراطًا، فَلَوْ قُلْتَ: يَنْقُصُ نِصْفُهُ، كانَ الأوْلى أنْ تَقُولَ: عِنْدِي نِصْفُ دِرْهَمٍ، ولَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْناءُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَوْتُ، رَوَتْ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ قالَ: المَوْت.

(p-٢٦٣)والثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَطَرُ الشَّدِيدُ.

والثّالِثُ: الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: ما كانَ كَثِيرًا مُطِيفًا بِالجَماعَةِ كُلِّها، فالغَرَقُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى المُدُنِ الكَثِيرَةِ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ، والمَوْتُ الجارِفُ: طُوفانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ بِأعْلى الجُودِيِّ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ: الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلَها بِهِمْ مِنَ الغَرَقِ (آيَةً)، أيْ: عِبْرَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ [بَعْدَهُمْ] .

29:16–18Page 398

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦

And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.

إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧

You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."

وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨

And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ، والمَعْنى: أرْسَلْنا إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ اللَّهِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، (p-٢٦٤)﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ؛ والمَعْنى: ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ. ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: " إنَّما " في هَذا المَوْضِعِ حَرْفٌ واحِدٌ، ولَيْسَتْ عَلى مَعْنى " الَّذِي "، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ مَرْدُودٌ عَلى " إنَّما "، كَقَوْلِكَ: إنَّما تَفْعَلُونَ كَذا، وإنَّما تَفْعَلُونَ كَذا. وقالَ مُقاتِلٌ: الأوْثانُ: الأصْنامُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُها وثَنٌ، وهو ما كانَ مِن حِجارَةٍ أوْ جَصٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " وتَخْتَلِقُونَ " بِزِيادَةِ تاءٍ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: تَخْتَلِقُونَ كَذِبًا في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ. والثّانِي: تَصْنَعُونَ الأصْنامَ؛ والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أصْنامًا أنْتُمْ تَصْنَعُونَها. ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ والمَعْنى: فَأُهْلِكُوا.

29:19–23Page 398

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩

Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢

And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: (p-٢٦٥)" يَرَوْا " ] بِالياءِ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ. [وَعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ] . وعَنى بِالكَلامِ كُفّارَ مَكَّةَ ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ أيْ:كَيْفَ يَخْلُقُهُمُ ابْتِداءً مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ يَتِمَّ الخَلْقُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: ثُمَّ هو يُعِيدُهُ في الآخِرَةِ عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا كَيْفَ اسْتَأْنَفَ اللَّهُ الخَلْقَ الأوَّلَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. وفِيهِ لُغَتانِ: أبْدَأ وأعادَ، وكانَ مُبْدِئًا ومُعِيدًا، وبَدَأ وعادَ، وكانَ بادِئًا وعائِدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يَعْنِي الخَلْقَ الأوَّلَ والخَلْقَ الثّانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيِ: انْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ، وابْحَثُوا عَنْها هَلْ تَجِدُونَ لَها خالِقًا غَيْرَ اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ لا خالِقَ لَهم سِواهُ، لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ في الإعادَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُهم عِنْدَ البَعْثِ نَشْأةً أُخْرى. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا: " النَّشْأةَ " بِتَسْكِينِ الشِّينِ وتَرْكِ المَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " النَّشاءَةَ " بِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ بَعْدَ إنْشائِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا. ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ حَكاها الماوَرْدِيُّ. أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ. والثّانِي: يُعَذِّبُ بِسُوءِ الخُلُقِ ويَرْحَمُ بِحُسْنِ الخُلُقِ والثّالِثُ: يُعَذِّبُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ. والرّابِعُ: يُعَذِّبُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ بِالإعْراضِ عَنْها. والخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّ النّاسِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: تَرُدُّونَ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ حَكاهُما الزَّجّاجُ.

(p-٢٦٦)أحَدُهُما: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا أهْلُ السَّماءِ بِمُعْجِزِينَ في السَّماءِ.

والثّانِي: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا لَوْ كُنْتُمْ في السَّماءِ وقالَ قُطْرُبٌ: هَذا كَقَوْلِكَ: ما يَفُوتُنِي فُلانٌ لا هاهُنا ولا بِالبَصْرَةِ، أيْ: ولا بِالبَصْرَةِ لَوْ صارَ إلَيْها. قالَ مُقاتِلٌ: والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: لا تَسْبِقُونَ اللَّهَ حَتّى يَجْزِيَكم بِأعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ، ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُكم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ والبَعْثِ ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: العَفْوُ والمَغْفِرَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

29:24–25Page 399

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤

And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."

ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: حِينَ دَعاهم إلى اللَّهِ ونَهاهم عَنِ الأصْنامِ ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وهَذا بَيانٌ لِسَفَهِ أحْلامِهِمْ حِينَ قابَلُوا احْتِجاجَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ﴾ المَعْنى: فَحَرَقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ. ﴿مِنَ النّارِ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يُشِيرُ إلى إنْجائِهِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا (p-٢٦٧)مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " مَوَدَّةُ بَيْنِكم " بِالرَّفْعِ والإضافَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: " مَوَدَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ " هي "، كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ، أيْ: أُلْفَتُكم واجْتِماعُكم عَلى الأصْنامِ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ؛ والمَعْنى: إنَّما اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ الأوْثانَ لِتَتَوادُّوا بِها في الحَياةِ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " بِمَعْنى الَّذِي.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " مَوَدَّةُ " بِالرَّفْعِ " بَيْنَكم " بِالنَّصْبِ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةٌ بَيْنَكم " قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: اتَّخَذْتُمُ الأصْنامَ لِلْمَوَدَّةِ، و " بَيْنَكم " نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ المَوَدَّةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةَ بَيْنِكم " بِنَصْبِ " مَوَدَّةَ " مَعَ الإضافَةِ، وهَذا عَلى الِاتِّساعِ في جَعْلِ الظَّرْفِ اسْمًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: إنَّما اتَّخَذْتُمُوها لِتَتَّصِلَ المَوَدَّةُ بَيْنَكم واللِّقاءُ والِاجْتِماعُ عِنْدَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَبَرَّأُ القادَةُ مِنَ الأتْباعِ ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ لِأنَّهم زَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ.

29:26–30Page 399

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

He said, "My Lord, support me against the corrupting people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ: صَدَّقَ بِإبْراهِيمَ ﴿وَقالَ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمُ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إلى رِضى رَبِّي. والثّانِي: إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي، فَهاجَرَ مِن سَوادِ العِراقِ إلى الشّامِ وهَجَرَ قَوْمَهُ المُشْرِكِينَ. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ بَعْدَ إسْماعِيلَ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ مِن إسْحاقَ ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا مِن صُلْبِهِ ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الذِّكْرُ الحَسَنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الثَّناءُ الحَسَنُ والوَلَدُ الصّالِحُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: العافِيَةُ والعَمَلُ الحَسَنُ والثَّناءُ، فَلَسْتَ تَلْقى أحَدًا مِن أهْلِ المِلَلِ إلّا يَتَوَلّاهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والرّابِعُ: أنَّهُ أُرِيَ مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١٣٠] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَهُ هُناكَ جَزاءُ الصّالِحِينَ غَيْرَ مَنقُوصٍ مِنَ الآخِرَةِ بِما أُعْطِيَ في الدُّنْيا مِنَ الأجْرِ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ٨٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ لِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في مَجالِسِهِمْ يَرْمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ بِالحِجارَةِ، فَيَقْطَعُونَ سَبِيلَ المُسافِرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ لِلْعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

(p-٢٦٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النّادِي: المَجْلِسُ، والمُنْكَرُ يَجْمَعُ الفَواحِشَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُنْكَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَحْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، فَذَلِكَ المُنْكَرُ، رَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ: كانُوا يَحْذِفُونَ كُلَّ مَن مَرَّ بِهِمْ.

والثّانِي: لَفُّ القَمِيصِ عَلى اليَدِ، وجَرُّ الإزارِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والحَذْفُ والرَّمْيُ بِالبُنْدُقِ، ولِعْبُ الحَمامِ، والصَّفِيرُ، في خِصالٍ أُخَرَ رَواها مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الضُّراطُ، رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

(p-٢٧٠)وَهَذِهِ الآيَةُ [تَدُلُّ] عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُجْتَمِعِينَ أنْ يَتَعاشَرُوا إلّا عَلى ما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزْءِ واللَّعِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ: بِتَصْدِيقِ قَوْلِي في العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском