Ibn al-JawziAli 'Imran · 3:163–178

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:163–178

3:163Page 71

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: هم ذَوُو دَرَجاتٍ. وفي مَعْنى دَرَجاتٍ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها دَرَجاتُ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّها فَضائِلُهم، فَبَعْضُهم أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِيمَن عَنى بِهَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، والَّذِينَ باؤُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فَلِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ الثَّوابُ، ولِمَن باءَ بِسَخَطِهِ العَذابُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ فَقَطْ، فَإنَّهم يَتَفاوَتُونَ في المَنازِلِ، هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي صالِحٍ، ومُقاتِلٍ.

3:164Page 71

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.

(p-٤٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. و"أنْفُسُهُمْ": جَماعَتُهم، وقِيلَ: نَسَبُهم، وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ: (مِن أنْفُسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ. وفي وجْهِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: لِكَوْنِهِمْ قَدْ خُبِّرُوا أمْرَهُ، وعَلِمُوا صِدْقَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّمُ مِنهُ، لِمُوافَقَةِ لِسانِهِ لِلِسانِهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: لِأنَّ شَرَفَهم يَتِمُّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنهم، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَهَلْ هَذِهِ الآَيَةُ خاصَّةٌ أمْ عامَّةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خاصَّةٌ لِلْعَرَبِ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ والجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكٍ، ولا مِن غَيْرِ بَنِي آَدَمَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) بَيانُ باقِي الآَيَةِ.

3:165Page 71

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.

(p-٤٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، عُوقِبُوا بِما صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ، مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وفَرَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وهُشِّمَتِ البَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وسالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ [ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: بِأخْذِكُمُ الفِداءَ ] .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ واوُ النَّسَقِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً عَلى هَيْئَتِها قَبْلَ دُخُولِها، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: تَكَلَّمَ فُلانٌ بِكَذا وكَذا فَيَقُولُ المُجِيبُ لَهُ: أوَ هو مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ؟ فَأمّا "المُصِيبَةُ" فَما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وكانُوا قَدْ أصابُوا مِثْلَيْها مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهم قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، فَقَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والجَماعَةِ، إلّا أنَّ الزَّجّاجَ قالَ: قَدْ أصَبْتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَها، ويَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَها، فَجَعَلَ المِثْلَيْنِ في اليَوْمَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى هَذا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٤٩٦)أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: بِأخْذِكُمُ الفِداءَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أنْ يَضْرِبُوا أعْناقَ الأسارى، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يَقْتُلَ مِنهم عُدَّتُهم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنّاسِ، فَقالُوا: عَشائِرُنا وإخْوانُنا، بَلْ نَأْخُذُ مِنهُمُ الفِداءَ، ويَسْتَشْهِدُ مِنّا عُدَّتُهم، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ عَدَدُ أسارى بِدْرٍ» فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: قُلْ هو بِأخْذِكُمُ الفِداءَ، واخْتِيارِكُمُ القَتْلَ لِأنْفُسِكم.

والثّانِي: أنَّهُ جَرى ذَلِكَ بِمَعْصِيَةِ الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وتَرْكِهِمْ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمُخالَفَتِهِمُ الرَّسُولَ في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّهُ أمَرَهم بِالتَّحَصُّنِ فِيها، فَقالُوا: بَلْ نَخْرُجُ، قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ النَّصْرِ والهَزِيمَةِ قَدِيرٌ.

3:166–167Page 72

وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦

And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ الجَمْعانُ: النَّبِيُّ وأصْحابُهُ، وأبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، وذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ما أصابَهم.

(p-٤٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْرُهُ، والثّانِي: قَضاؤُهُ رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ: عَلْمُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِيَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ بِثُبُوتِهِمْ عَلى ما نالَهم، ويَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِينَ بِفَشَلِهِمْ وقِلَّةِ صَبْرِهِمْ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهو جِحَرَ مِن جِحَرَتِهِ يَخْرُجُ مِنهُ إذا أخَذَ عَلَيْهِ الجُحْرُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. قالَ الزِّيادَيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ: ولِلْيَرْبُوعِ أرْبَعَةُ أجْحِرَةٍ، النّافِقاءُ: وهو الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ كَثِيرًا، ويَدْخُلُ مِنهُ كَثِيرًا. والقاصِعاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُخْرِجُ تُرابَ الجُحْرِ، ثُمَّ يَقْصَعُ بِبَعْضِهِ كَأنَّهُ يَسُدُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، ومِنهُ يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ قَدْ قَصَعَ بِالدَّمِ: إذا امْتَلَأ ولَمْ يَسِلْ. والدّامّاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ التُّرابَ مِن فَمِ الجُحْرِ، ثُمَّ يَدُمُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، كَأنَّهُ يَطْلِيهِ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ: أدْمِمْ قَدْرَكَ بِشَحْمٍ، أيِ: اطْلِها بِهِ. والرّاهِطاءُ، ولَمْ يَذْكُرِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما يَتَّخِذُ هَذِهِ الجُحْرَ عَدَدًا، فَإذا أخَذَ عَلَيْهِ بَعْضَها، خَرَجَ مِن بَعْضٍ. قالَ أبُو زَيْدٍ: فَشُبِّهَ المُنافِقُ بِهِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في الإسْلامِ بِلَفْظِهِ، ويَخْرُجُ مِنهُ بِعُقْدَةٍ، كَما يَدْخُلُ اليَرْبُوعُ مِن بابٍ ويَخْرُجُ مِن بابٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ: لَفْظٌ إسْلامِيٌّ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَبْلَ الإسْلامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِالَّذِينِ نافَقُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، وهم ألْفُ رَجُلٍ، والمُشْرِكُونَ ثَلاثَةُ آَلافٍ، فَرَجَعَ عَنْهُ ابْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ.» فَأمّا القِتالُ، فَمُباشَرَةُ الحَرْبِ. وفي المُرادِ بِالدَّفْعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّكْثِيرُ بِالعَدَدِ. رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ في آَخَرِينَ.

(p-٤٩٨). والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكم وحَرِيمِكم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى القِتالِ أيْضًا. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: (لَوْ ﴿نَعْلَمُ قِتالا)﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّ اليَوْمَ يَجْرِي قِتالٌ ما أسْلَمْناكم، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: لَوْ كُنّا نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم.

والثّالِثُ: إنَّما مَعْناهُ: أنَّ هُناكَ قَتْلًا ولَيْسَ بِقِتالٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم لِلْكُفْرِ﴾ أيْ: إلى الكُفْرِ ﴿أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ أيْ: إلى الإيمانِ، وإنَّما قالَ: يَوْمَئِذٍ، لِأنَّهم فِيما قَبْلُ لَمْ يَظْهَرُوا مِثْلَ ما أظْهَرُوا، فَكانُوا بِظاهِرِ حالِهِمْ فِيما قَبْلُ أقْرَبُ إلى الإيمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

أحَدُهُما: يَنْطِقُونَ بِالإيمانِ، ولَيْسَ في قُلُوبِهِمْ إلّا الكُفْرُ.

والثّانِي: يَقُولُونَ: نَحْنُ أنْصارٌ، وهم أعْداءٌ. وذَكَرَ في الَّذِي يَكْتُمُونَ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النِّفاقُ. والثّانِي: العَداوَةُ.

3:168Page 72

ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وفي إخْوانِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم إخْوانُهم في النِّفاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

(p-٤٩٩). والثّانِي: إخْوانُهم في النَّسَبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: قالُوا لِإخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ: لَوْ أطاعَنا الَّذِينَ قَتَلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ما قُتِلُوا، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: قالُوا عَنْ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ اسْتَشْهَدُوا بِأُحُدٍ: لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَعَدُوا﴾ يَعْنِي القائِلِينَ قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا﴾ أيْ: فادْفَعُوا ﴿عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ مَعَ القَدَرِ.

3:169Page 72

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩

And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "قُتِلُوا" بِالتَّشْدِيدِ. واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ أُحُدٍ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ، وحُسْنِ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ بِما صَنَعَ اللَّهُ لَنا، لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ [وَلا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ ] قالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ"» وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي الضُّحى.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ لَمّا أفْضَوْا إلى كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: رَبُّنا أعْلَمَ (p-٥٠٠)إخْوانَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ إلى أهْلِ نَجْدٍ، فَلَمّا نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، خَرَجَ حَرامُ بْنُ مِلْحانَ إلى عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ عامِرٌ، وخَرَجَ رَجُلٌ مِن كَسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِ حَرامٍ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآَخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقَتَلَ سائِرَ أصْحابِهِ غَيْرَ واحِدٍ مِنهم، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: "بَلِّغُوا قَوْمَنا عَنّا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا ورَضِيَنا عَنْهُ" ثُمَّ رُفِعَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾»

(p-٥٠١)فَهَذا اخْتِلافُ النّاسِ فِيمَن نَزَلَتْ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الشُّهَداءَ بَعْدَ اسْتِشْهادِهِمْ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُخْبِرَ إخْوانَهم بِمَصِيرِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ رَجُلًا قالَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما لَقِيَ إخْوانُنا الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ أوْلِياءَ الشُّهَداءِ كانُوا إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ أوْ سُرُورٌ، تَحَسَّرُوا، وقالُوا: نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، وآَباؤُنا، وأبْناؤُنا، وإخْوانُنا، في القُبُورِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَمَعْنى الآَيَةِ: لا تَحْسَبَنَّهم أمْواتًا كالأمْواتِ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى في (البَقَرَةِ) وذَكَرْنا أنَّ مَعْنى حَياتِهِمْ: أنْ أرْواحَهم في حَواصِلِ طَيْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وتَشْرَبُ مِن أنْهارِها. قالَ مُجاهِدٌ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ.

3:170Page 72

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠

Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

(p-٥٠٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الفَرَحُ: المَسَرَّةُ، فَأمّا الَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ، فَما نالُوا مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورِزْقِهِ، والِاسْتِبْشارُ: السُّرُورُ بِالبِشارَةِ، ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ إخْوانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ. وفي سَبَبِ اسْتِبْشارِهِمْ بِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أخْبَرَ بِكَرامَةِ الشُّهَداءِ، أخْبَرَ الشُّهَداءَ بِأنِّي قَدْ أُنْزِلْتُ عَلى نَبِيِّكم، وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم، فاسْتَبْشَرُوا، وعَلِمُوا أنَّ إخْوانَهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الشَّهادَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: يَسْتَبْشِرُونَ بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لَهُمُ الشَّهادَةَ، يَقُولُونَ: إنْ قُتِلُوا نالُوا ما نِلْنا مِنَ الفَضْلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، وفِيهِ يُقَدَّمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ بِقُدُومِهِ، كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ، بِهِ هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. و"الهاءُ" و"المِيمُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ تَعُودُ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: يَسْتَبْشِرُونَ لَهم بِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، ولا حُزْنٌ. وفي ماذا يَرْتَفِعُ "الخَوْفُ" و"الحُزْنُ" عَنْهُمْ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَن خَلَّفُوهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوا مِن أمْوالِهِمْ.

والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى مُفارَقَةِ الدُّنْيا فَرَحًا بِالآَخِرَةِ.

3:171Page 72

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: بِرَحْمَةٍ ورِزْقٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

3:172Page 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

(p-٥٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ، نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ لِاتِّباعِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِمَنِ انْتَدَبَ مَعَهُ، فَلَقِيَ أبُو سُفْيانَ قَوْمًا، فَقالَ: إنْ لَقِيتُمْ مُحَمَّدًا، فَأخْبِرُوهُ أنِّي في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَألَهم عَنْهُ؟ فَقالُوا: لَقِيناهُ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، ونَراكَ في قِلَّةٍ، فَأبى إلّا أنْ يَطْلُبَهُ، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أرادَ الِانْصِرافَ عَنْ أُحُدٍ، قالَ: يا مُحَمَّدُ، مَوْعِدٌ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ، خَرَجَ أبُو سُفْيانَ، ثُمَّ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَفِي نَعِيمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقالَ: إنِّي قَدْ واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهَذا عامُ جَدْبٍ، لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبَّطَهم عَنّا، وأعْلَمَهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهم فَخَوَّفَهم، فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ، حَتّى أقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآَياتُ.» وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ. وأنْشَدُوا:(p-٥٠٤)

؎ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ

أيْ: فَلَمْ يُجِبْهُ.

وَفِي المُرادِ النَّبِيُّ ﷺ وخُرُوجُهُ ونَدْبُ النّاسِ لِلْخُرُوجِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيُرْهِبَ العَدُوَّ بِاتِّباعِهِمْ. والثّانِي: لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ القَوْمِ أنَّهم قالُوا: أصَبْتُمْ شَوْكَتَهم، ثُمَّ تَرَكْتُمُوهم. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في القَرْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: أحْسَنُوا بِطاعَةِ الرَّسُولِ، واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ.

3:173Page 72

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ في المُرادِ بِالنّاسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم رَكْبٌ لَقِيَهم أبُو سُفْيانَ، فَضَمِنَ لَهم ضَمانًا لِتَخْوِيفِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَعِيمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

(p-٥٠٥). والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، لَمّا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ يَتَجَهَّزُ، نَهُوا المُسْلِمِينَ عَنِ الخُرُوجِ، وقالُوا: إنَّ أتَيْتُمُوهم في دِيارِهِمْ، لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زادَهم ذَلِكَ التَّخْوِيفُ ثُبُوتًا في دِينِهِمْ، وإقامَةً عَلى نُصْرَةِ نَبِيِّهِمْ، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَكْفِينا أمْرَهم. فَأمّا "الوَكِيلُ"، فَقالَ الفَرّاءُ: الوَكِيلُ: الكافِي، واخْتارَهُ ابْنُ القاسِمِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَفِيلُ، قالَ: ووَكِيلُ الرَّجُلِ في مالِهِ: هو الَّذِي كَفَلَهُ لَهُ، وقامَ بِهِ. وقالَ الخَطّابِيُّ: الوَكِيلُ: الكَفِيلُ بِأرْزاقِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، وحَقِيقَتُهُ: أنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِالأمْرِ المَوْكُولِ إلَيْهِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ قَوْمًا قالُوا: الوَكِيلُ: الرَّبُّ.

3:174Page 73

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ. وفي النِّعْمَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأجْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: العافِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-٥٠٦). والثّالِثُ: الإيمانُ والنَّصْرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي الفَضْلِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَبِحُ التِّجارَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وهَذا قَوْلُ مَن يَرى أنَّهم خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ. قالَ الزُّهْرِيُّ: «لَمّا اسْتَنْفَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بِبَدْرٍ، خَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهم، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ، فَهو الَّذِي خَرَجْنا إلَيْهِ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بِبَضائِعِنا، وكانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا فَقَضَوْا حَوائِجَهم، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ.»

والثّانِي: أنَّهم أصابُوا سَرِيَّةً بِالصَّفْراءِ، فَرُزِقُوا مِنها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الثَّوابُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في طَلَبِ القَوْمِ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: ذُو مَنِّ بِدَفْعِ المُشْرِكِينَ عَنِ المُؤْمِنِينَ.

3:175Page 73

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ التَّخْوِيفُ كانَ فِعْلَ الشَّيْطانِ، سَوَّلَهُ لِلْمُخَوِّفِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [ الكَهْفِ: ٤ ]، أيْ: بِبَأسُ، وبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [ غافِرِ: ١٥ ]، أيْ: بِيَوْمِ التَّلاقِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: يُخَوِّفُكم مِن أوْلِيائِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ .

وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وإبْراهِيمَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

(p-٥٠٧)وَأنَشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ:

؎ وأيْقَنْتُ التَّفَرُّقَ يَوْمَ قالُوا تُقُسِّمَ مالَ أرْبَدَ بِالسِّهامِ

أرادَ: أيْقَنْتُ بِالتَّفَرُّقِ، قالَ: فَلَمّا أسْقَطَ الباءَ أعْمَلَ الفِعْلَ فِيما بَعْدَها ونَصَبَهُ. قالَ: والَّذِي نَخْتارُهُ في الآَيَةِ: أنَّ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ أعْطَيْتُ الأمْوالَ، يُرِيدُونَ: أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، فَيَحْذِفُونَ القَوْمَ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي. فَهَذا أشْبَهُ مِنِ ادِّعاءِ "باءٍ" ما عَلَيْها دَلِيلٌ، ولا تَدْعُوا إلَيْها ضَرُورَةً.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ، لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ يَعْنِي: أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴿وَخافُونِ﴾ في تَرْكِ أمْرِي. وفي "إنَّ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: "إذْ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلشَّرْطِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ في آَخَرِينَ.

3:176Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قَرَأ نافِعٌ "يَحْزُنَكَ" "لِيَحْزُنَنِي" و"لِيُحْزِنَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في (الأنْبِياءِ) لا (يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ) [ الأنْبِياءِ: ١٠٣ ]، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وضَمَّ الزّايَ. وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ ما في القُرْآَنِ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ نافِعٌ تَبِعَ في سُورَةِ (الأنْبِياءِ) أثَرًا، أوْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَ بِالوَجْهَيْنِ. وفي الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-٥٠٨)أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، ورُؤَساءُ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقِيلَ: مَعْنى مُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ: مُظاهَرَتُهم لِلْكُفّارِ، ونَصْرُهم إيّاهم. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ لا يُحْزِنُهُ المُسارَعَةُ في الكُفْرِ؟ فالجَوابُ: لا يَحْزُنْكَ فِعْلُهم، فَإنَّكَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَنْ يُنْقِصُوا اللَّهَ شَيْئًا بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ عَطاءٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَظُّ: النَّصِيبُ، والآَخِرَةُ: الجَنَّةُ. ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في النّارِ.

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: المُنافِقُونَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) مَعْنى الِاشْتِراءِ.

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: في اليَهُودِ والنَّصارى والمُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

(p-٥٠٩). والرّابِعُ: في كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٧٨ ]، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٠ ]، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٨ ]، بِالياءِ وكَسْرِ السِّينِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُ فَتَحَ السِّينَ، وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ بِالتّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتّاءِ غَيْرَ حَرْفَيْنِ (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) فَإنَّهُما بِالياءِ، إلّا أنَّ عاصِمًا فَتَحَ السِّينَ، وكَسَرَها الكِسائِيُّ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا) أنَّها بِالتّاءِ. (وَنُمْلِي لَهُمْ) أيْ: نُطِيلُ لَهم في العُمْرِ، ومِثْلُهُ: (واهْجُرْنِي مَلِيًّا) قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واشْتِقاقُ "نُمْلِي لَهُمْ" مِنَ المَلْوَةِ، وهي المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ، يُقالُ: مَلْوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، ومِلْوَةٌ، ومُلْوَةٌ، ومِلاوَةٌ، ومُلاوَةٌ، ومَلاوَةٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: البِسْ جَدِيدًا وتَمَلَّ حَبِيبًا، أيْ: لِتُطِلَّ أيّامُكَ مَعَهُ.

قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:

؎ بِوِدِّي لَوْ أنِّي تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ بِمالِي مِن مالِ طَرِيفٍ وتالِدِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском