Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:179–192
3:179Page 73
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩
Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
(p-٥١٠)أحَدُها: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ، فَهو في الجَنَّةِ، ومَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ؟! فَأخْبَرَنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ ومَن لا يُؤْمِنُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوا أنْ يُعْطُوا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: عَرَضْتُ عَلى أُمَّتِي، وأعْلَمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي، ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ، فاسْتَهْزَؤُوا، وقالُوا: فَنَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ، قالَتْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتُمْ راضِينَ بِدِينِنا، فَكَيْفَ بِكم لَوْ ماتَ بَعْضُكم قَبْلَ نُزُولِ كِتابِكُمْ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. هَذا قَوْلُ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ ادَّعَوْا أنَّهم في إيمانِهِمْ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ نِفاقَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، هَذا قَوْلُ أبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.
وَفِي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التِباسِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ، قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ المَعانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ (p-٥١١)عامِرٍ: "حَتّى يَمِيزَ" و"لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ" بِفَتْحِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "يُمَيِّزُ" بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [ الأنْفالِ: ٣٧ ] (لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ) .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ لُغَتانِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يُمَيِّزُ: يُخَلِّصُ. فَأمّا الطَّيِّبُ، فَهو المُؤْمِنُ. وفي الخَبِيثِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: الكافِرُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. وفي الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الهِجْرَةُ والقِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: الخَبِيثُ: الكافِرُ.
والثّانِي: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هو المُنافِقُ. قالَ مُجاهِدٌ: فَيُمَيِّزُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، حَيْثُ أظْهَرُوا النِّفاقَ وتَخَلَّفُوا.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَمِيعُ الفَرائِضِ والتَّكالِيفِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ مَسْتُورُ الحالِ بِالإقْرارِ، فَإذا جاءَتِ التَّكالِيفُ بانَ أمْرُهُ. هَذا قَوْلُ ابْنِ كَيْسانَ.
وَفِي المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَمَعْناهُ: ما كانَ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، لِأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَمَعْناهُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا عَلى الغَيْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. "وَيَجْتَبِي" بِمَعْنى يَخْتارُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. فَمَعْنى الكَلامِ عَلى القَوْلِ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اجْتَباهم، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا أنَّهُ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى ما يَشاءُ.
3:180Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠
And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أنْ يُؤَدُّوا زَكاةَ أمْوالِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ وفي رِوايَةِ السُّدِّيِّ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّها في الأحْبارِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ونُبُوَّتَهُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الكَلامِ: لا يَحْسَبَنَّ الباخِلُونَ البُخْلَ هو خَيْرًا لَهم، فاكْتَفى بِذِكْرِ "يَبْخَلُونَ" مِنَ البُخْلِ، كَما تَقُولُ: قَدِمَ فُلانٌ، فَسُرِرْتُ بِهِ، أيْ: سُرِرْتُ بِقُدُومِهِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافٍ
يُرِيدُ: جَرى إلى السَّفَهِ. والَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: البُخْلُ بِالزَّكاةِ: هو المالُ، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: البُخْلُ بِذِكْرِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ هو العِلْمُ.
(p-٥١٣)قَوْلُهُ تَعالى: (هُوَ) إشارَةٌ إلى البُخْلِ ولَيْسَ مَذْكُورًا، ولَكِنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِـ"يَبْخَلُونَ" وفي مَعْنى تَطْوِيقُهم بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُجْعَلُ كالحَيَّةِ يُطَوِّقُ بِها الإنْسانَ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا مَثَلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ أقْرَعُ يَفِرُّ مِنهُ، وهو يَتْبَعُهُ حَتّى يُطَوِّقَ في عُنُقِهِ" ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ)" .﴾» وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يُجْعَلُ طَوْقًا مِن نارٍ، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى تَطْوِيقِهِمْ بِهِ: تَكْلِيفُهم أنْ يَأْتُوا بِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: يَلْزَمُ أعْناقَهم إثْمُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمُوتُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ، ويُبْقى رَبُّ العالَمِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَ القَوْمُ بِما يَعْقِلُونَ، لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِيراثًا إذا كانَ مِلْكًا لَهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى المِيراثِ: (p-٥١٤)انْفِرادُ الرَّجُلِ بِما كانَ لا يَنْفَرِدُ بِهِ، فَلَمّا ماتَ الخَلْقُ، وانْفَرَدَ عَزَّ وجَلَّ، صارَ ذَلِكَ لَهُ وِراثَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ إتْباعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾
3:181Page 74
لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١
Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ بَيْتَ مِدْراسِ اليَهُودِ، فَوَجَدَهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى رَجُلٍ مِنهُمُ اسْمُهُ فِنْحاصُّ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالَ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ ما بِنا إلى اللَّهِ مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لِفَقِيرٌ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا. فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ وضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَّ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: واللَّهِ لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ يَشْكُو إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأخْبَرَهُ أبُو بَكْرٍ بِما قالَ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ونَزَلَ فِيما بَلَغَ مِن أبِي بَكْرٍ مِنَ الغَضَبِ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٦ ]» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٤٥ ] قالَتِ اليَهُودَ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَفِي الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٥١٥)أحَدُها: أنَّهُ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ اليَهُودِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوهُ. قالَ مُجاهِدٌ: صَكَّ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لَمْ يَسْتَقْرِضْنا وهو غَنِيٌّ؟!
والرّابِعُ: أنَّهُ النَّبّاشُ بْنُ عَمْرٍو اليَهُودِيُّ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ و"قَتْلُهُمْ" بِالرَّفْعِ و"يَقُولُ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) بِالنُّونِ، و"قَتْلَهُمْ" بِالنَّصْبِ و"نَقُولُ" بِالنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَيُقالُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: و"يَقُولُ"
وَفِي مَعْنى ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَنَحْفَظُ عَلَيْهِمْ ما قالُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِكِتابَتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ أيْ: ونَكْتُبُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: هَذا القائِلُ لَمْ يَقْتُلْ نَبِيًّا قَطُّ، فالجَوابُ أنَّهُ رَضِيَ بِفِعْلِ مُتَقَدِّمِيهِ لِذَلِكَ، كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عَذابُ مُحْرِقٌ، أيْ: عَذابٌ بِالنّارِ، لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ النّارِ.
3:182Page 74
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمُ: الكَفْرُ والخَطايا.
3:183Page 74
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
(p-٥١٦)«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وجَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ: أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، أيْ: لا نُصَدِّقُ رَسُولًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ، حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ.» قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقُرْبانُ: ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبْحٍ وغَيْرِهِ. وإنَّما طَلَبُوا القُرْبانَ، لِأنَّهُ كانَ مِن سُنَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانَ نُزُولُ النّارِ عَلامَةَ القَبُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ، فَإذا قُبِلَتْ مِنهُ، نَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ، فَأكْلَتْهُ، وكانَتْ نارًا لَها دَوِيٌّ، وحَفِيفٌ. وقالَ عَطاءٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ أطايِبَ اللَّحْمِ، فَيَضَعُونَها في وسَطِ البَيْتِ تَحْتَ السَّماءِ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ، ويُناجِي رَبَّهُ، فَتَنْزِلُ نارٌ، فَتَأْخُذُ ذَلِكَ القُرْبانَ، فَيَخِرُّ النَّبِيُّ ساجِدًا، فَيُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ ما يَشاءُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالآَياتِ، ﴿وَبِالَّذِي﴾ سَألْتُمْ مِنَ القُرْبانِ.
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ مَعْناهُ: لَسْتُ بِأوَّلِ رَسُولٍ كَذَبَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ" بِزِيادَةِ باءٍ، وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، ووَجْهُهُ أنَّ إعادَةَ الباءِ ضَرْبٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ (p-٥١٧)أنَّ الواوَ قَدْ أغْنَتْ عَنْ تَكْرِيرِ العامِلِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرٍو، فَتَسْتَغْنِي عَنْ تَكْرِيرِ الباءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: والزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، والزَّبُورُ: كُلُّ كِتابِ ذِي حِكْمَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: يَعْنِي بِهِ الكُتُبَ النَّيِّرَةَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ.
3:185Page 74
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥
Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [ السَّجْدَةِ:١١ ] . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نَزَلَ في بَنِي آَدَمَ، فَأيْنَ ذِكْرُ المَوْتِ في الجِنِّ، والطَّيْرِ، والأنْعامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وفي ذِكْرِ المَوْتِ تَهْدِيدٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالمَصِيرِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا، وتَنْبِيهٌ عَلى اغْتِنامِ الأجَلِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِشارَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسِيئِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: نُجِّيَ وأُبْعِدَ. ﴿فَقَدْ فازَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ فازَ: تَباعَدَ عَنِ المَكْرُوهِ، ولَقِيَ ما يُحِبُّ، يُقالُ لِمَن نَجا مِن هَلَكَةٍ، ولِمَن لَقِيَ ما يَغْتَبِطُ بِهِ: قَدْ فازَ.
(p-٥١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَيْشَ فِيها يَغُرُّ الإنْسانَ بِما يُمَنِّيهِ مِن طُولِ البَقاءِ، وسَيَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي مَتاعُ الغُرُورِ لِمَن لَمْ يَشْتَغِلْ بِطَلَبِ الآَخِرَةِ، فَأمّا مَن يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ الآَخِرَةِ، فَهي لَهُ مَتاعٌ بِلاغٌ إلى ما هو خَيْرٌ مِنها.
3:186Page 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَغَشِيَ المَجْلِسَ عُجاجَةُ الدّابَّةِ، فَخَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، وقالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعاهم إلى اللَّهِ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: إنَّهُ لا أحْسَنَ مِمّا تَقُولُ، إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا في مَجالِسِنا. وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: اغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ، واليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ.
(p-٥١٩). والثّانِي: أنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ كانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ الأنْصارِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، وبَيْنَ فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. واخْتارَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وفِنْحاصُ اليَهُودِيُّ.
(p-٥٢٠). والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وهَذا مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "لَتُبْلَوُنَّ": لُتَخْتَبَرُنَّ، أيْ: تُوَقَعُ عَلَيْكُمُ المِحَنُ، فَيَعْلَمُ المُؤْمِنُ حَقًّا مِن غَيْرِهِ. و"النُّونُ" دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً مَعَ لامِ القَسَمِ، وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ. وفي البَلْوى في الأمْوالِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ذَهابُها ونُقْصانُها. والثّانِي: ما فُرِضَ فِيها مِنَ الحُقُوقِ.
وَفِي البَلْوى في الأنْفُسِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَصائِبُ، والقَتْلُ. والثّانِي: ما فُرِضَ مِنَ العِباداتِ.
والثّالِثُ: الأمْراضُ. والرّابِعُ: المُصِيبَةُ بِالأقارِبِ، والعَشائِرِ.
وَقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُهاجِرُونَ أخَذَ المُشْرِكُونَ أمْوالَهم، وباعُوا رِباعَهم، وعَذَّبُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والَّذِينَ أشْرَكُوا: مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى الأذى ﴿وَتَتَّقُوا﴾ اللَّهَ بِمُجانَبَةِ مَعاصِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ، لِظُهُورِ رُشْدِهِ.
فَصْلٌ
والجُمْهُورُ عَلى إحْكامِ هَذِهِ الآَيَةِ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ المَذْكُورَ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
3:187Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
(p-٥٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. فَعَلى هَذا، الكِتابُ: التَّوْراةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ العُلَماءِ، فَيَكُونُ الكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ (لِيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ) بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ فِيهِما. وفي هاءِ الكِنايَةِ في "لَتُبَيِّنُنَّهُ" و"تَكْتُمُونَهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وهو أصَحُّ، لِأنَّ الكِتابَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّ مِن ضَرُورَةِ تَبْيِينِهِمْ ما فِيهِ إظْهارُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ كِتابٍ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَعْلَمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَمَوْا بِهِ، يُقالُ: لِلَّذِي يَطْرَحُ الشَّيْءَ ولا يَعْبَأُ بِهِ: قَدْ جَعَلْتَ هَذا الأمْرَ بِظَهْرٍ. قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ تَمِيمُ بْنُ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرِ ولا يَعِيا عَلَيَّ جَوابُها
(p-٥٢٢)مَعْناهُ: لا تَكُونُنَّ حاجَتِي مُهْمَلَةً عِنْدَكَ، مُطْرَحَةً. وفي هاءِ "فَنَبَذُوهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى المِيثاقِ. والثّانِي: إلى الكِتابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ يَعْنِي: اسْتَبْدَلُوا بِما أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القِيامَ بِهِ، ووَعَدَهم عَلَيْهِ الجَنَّةَ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: عَرَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيا.
3:188Page 75
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: لا تَحْسَبَنَّ بِالتّاءِ. وفي سَبَبِ نُزُولِها ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ إيّاهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»
(p-٥٢٣). والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما يُصِيبُونَ مِنَ الدُّنْيا، وأحَبُّوا أنْ يَقُولَ النّاسُ: إنَّهم عُلَماءُ، وهَذا القَوْلُ، والَّذِي قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتَمُوا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ كَتَبَتْ إلى يَهُودِ العِراقِ واليَمَنِ، ومَن بَلَغَهم كُتّابُهم مِنَ اليَهُودِ في الأرْضِ كُلِّها: أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وأوْلِياءُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
والخامِسُ: «أنَّ يَهُودَ خَيْبَرٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالُوا: نَحْنُ عَلى رَأْيِكم، ونَحْنُ لَكم رَدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالَتِهِمْ، فَأرادُوا أنَّ يَحْمَدَهم نَبِيٌّ لِلَّهِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ جَهَّزُوا جَيْشًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، واتَّفَقُوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والسّابِعُ «أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ فَذَكَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها، فَحَمِدُوهم، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّامِنُ: أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الغَزْوِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا قَدِمَ، اعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وحَلَفُوا، وأحَبُّوا أنَّ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ (p-٥٢٤)أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وما قَبْلَهُ مِنَ الأقْوالِ يَدُلُّ عَلى أنَّها في اليَهُودِ.
وَفِي الَّذِي أتَوْا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كِتْمانُهم ما عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ.
والثّانِي: تَبْدِيلُهُمُ التَّوْراةَ. والثّالِثُ: إيثارُهُمُ الفانِي مِنَ الدُّنْيا عَلى الثَّوابِ.
والرّابِعُ: إضْلالُهُمُ النّاسَ. والخامِسُ: اجْتِماعُهم عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيِّ.
والسّادِسُ: نِفاقُهم بِإظْهارِ ما في قُلُوبِهِمْ ضِدَّهُ.
والسّابِعُ: اتِّفاقُهم عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذِهِ أقْوالُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.
والثّامِنُ: تَخَلُّفُهم في الغَزَواتِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
(p-٥٢٥)أحَدُها: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى إجابَةِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ شَيْءٍ سَألَهم عَنْهُ وما أجابُوهُ.
والثّانِي: أحَبُّوا أنْ يَقُولَ النّاسُ: هم عُلَماءٌ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ الصَّلاةِ، والصِّيامِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَيْسُوا عَلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى قَوْلِهِمْ: إنّا راضُونَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ. وهَذِهِ أقْوالُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.
والسّادِسُ: أنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، إذا نَصَرُوا: إنّا قَدْ سُرِرْنا بِنَصْرِكم، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَلا يَحْسَبُنَّهُمْ"، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ، وفَتْحِ الباءِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كُرِّرَتْ "تَحْسَبَنَّهُمْ" لِطُولِ القِصَّةِ، والعَرَبُ تُعِيدُ إذا طالَتِ القِصَّةُ "حَسِبْتَ" وما أشْبَهَها، إعْلامًا أنَّ الَّذِي يُجْرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ، وتَوْكِيدًا لَهُ، فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا، فَلا تَظُنَّنَّهُ صادِقًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَفازَةٍ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: بِمَنجاةٍ.
3:189Page 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ تَكْذِيبُ القائِلِينَ: بِأنَّهُ فَقِيرٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم، أيْ: لَوْ شِئْتَ لَعَجَّلْتَ عَذابَهم.
3:190Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
(p-٥٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلْيَهُودَ: ما الَّذِي جاءَكم بِهِ مُوسى ؟ قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ البَيْضاءُ. وقالُوا لِلنَّصارى: ما الَّذِي جاءَكم بِهِ عِيسى؟ قالُوا كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى. فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، وقالُوا: ادْعُ رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِآَيَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٦٣ ] . قالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ سَوّى بَيْنَ آَلِهَتِنا، ائْتِنا بِآَيَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو الضُّحى، واسْمُهُ: مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَأمّا تَفْسِيرُ الآَيَةِ فَقَدْ سَبَقَ.
3:191Page 75
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
(p-٥٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ في هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الذِّكْرُ في الصَّلاةِ، يُصَلِّي قائِمًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلى جَنْبٍ، هَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الذِّكْرُ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخَوْفُ، فالمَعْنى: يَخافُونَ اللَّهَ قِيامًا في تَصَرُّفِهِمْ، وقُعُودًا في دَعَتِهِمْ، وعَلى جُنُوبِهِمْ في مَنامِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: التَّفَكُّرُ: تَرَدُّدُ القَلْبِ في الشَّيْءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَكْعَتانِ مُقْتَصِدَتانِ في تَفَكُّرٍ، خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ، والقَلْبُ ساهٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾، أيْ: خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَيْكَ، وعَلى صِدْقِ ما أتَتْ بِهِ أنْبِياؤُكَ. ومَعْنى ﴿سُبْحانَكَ﴾: بَراءَةٌ لَكَ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهًا لَكَ أنْ تَكُونَ خَلْقَتَهُما باطِلًا، ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، فَقَدْ صَدَّقْنا أنَّ لَكَ جَنَّةً ونارًا.
3:192Page 75
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
(p-٥٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُخْزى في اللُّغَةِ: المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ وبِحُجَّةٍ. يُقالُ: أخْزَيْتُهُ: أيْ: ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها. وفِيمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ هَذا الخِزْيُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَدْخُلُها مُخَلَّدًا، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ داخِلٍ إلَيْها، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما لِلْمُشْرِكِينَ مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم عَذابَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences