Ibn al-JawziAli 'Imran · 3:18–33

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:18–33

3:18Page 52

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ حِبْرِينَ مِن أحْبارِ الشّامِ قَدِما النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ، قالَ أحَدُهَما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آَخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ، فَقالا: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: "نَعَمْ" قالا: وأحْمَدُ؟ قالَ: "نَعَمْ" قالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةِ، فَإنْ أخْبَرْتَنا بِها، آَمَنّا (p-٣٦٢)بِكَ وصَدَّقْناكَ، فَقالَ: "سَلانِي" . فَقالا: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأسْلَما،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقالَ غَيْرُهُ: هَذِهِ الآَيَةُ رَدٌّ عَلى نَصارى نَجْرانَ فِيما ادَّعَوْا في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ خَبَرِهِمْ في أوَّلِ السُّورَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، وكانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِنَ العَرَبِ صَنَمٌ أوْ صَنَمانِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، خَرَّتِ الأصْنامُ سُجَّدًا. وفي مَعْنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى قَضى وحَكَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى بَيْنَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ اللَّهُ بِتَدْبِيرِهِ العَجِيبِ، وأُمُورِهِ المُحْكَماتِ عِنْدَ خَلْقِهِ، أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو. وسُئِلَ بَعْضُ الأعْرابِ: ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؟ فَقالَ: إنَّ البَعْرَةَ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ، وآَثارَ القَدَمِ تَدُلُّ عَلى المَسِيرِ، فَهَيْكَلٌ عُلْوِيٌّ بِهَذِهِ اللَّطافَةِ، ومَرْكَزٌ سُفْلِيٌّ بِهَذِهِ الكَثافَةِ، أما يَدُلّانِ عَلى الصّانِعِ الخَبِيرِ؟! وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ (شُهَداءَ للَّهِ) بِضَمِّ "الشِّينِ" وفَتْحِ "الهاءِ والدّالِ" وبِهَمْزَةٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْدَ المَدِّ، وخَفْضِ "الهاءِ" مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ. قالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ: وإنَّما كَرَّرَ (لا إلَهَ إلّا هُوَ) لِأنَّ الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِي: رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ، أيْ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا هو.

3:19Page 52

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩

Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ "إنْ" إلّا الكِسائِيُّ، فَإنَّهُ فَتَحَ "الألِفَ" وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وأبِي العالِيَةِ، وقَتادَةَ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ أنَّهُ لا دِينَ أفْضَلُ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، وادَّعَتِ النَّصارى أنَّهُ لا دِينَ أفْضَلُ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: الدِّينُ: اسْمٌ لِجَمِيعِ ما تَعْبَّدَ اللَّهَ بِهِ خَلْقُهُ، وأمَرَهم بِالإقامَةِ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ (p-٣٦٣)عادَتَهم، وبِهِ يَجْزِيهِمْ. وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: الدِّينُ: ما التَزَمَهُ العَبْدُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والإسْلامُ الدُّخُولُ في السِّلْمِ، أيْ: في الِانْقِيادِ والمُتابَعَةِ، ومِثْلُهُ الِاسْتِسْلامُ، يُقالُ: سَلَّمَ فُلانٌ لِأمْرِكَ، واسْتَسْلَمَ، وأسْلَمَ، كَما تَقُولُ: أشْتى الرَّجُلُ، أيْ: دَخَلَ في الشِّتاءِ، وأرْبَعَ: دَخَلَ في الرَّبِيعِ. وفي الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الرَّبِيعُ. والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقِيلَ الكِتابُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الكُتُبِ. وفي الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: دِينُهم، والثّانِي: أمْرُ عِيسى، والثّالِثُ: دِينُ الإسْلامِ، وقَدْ عَرَفُوا صِحَّتَهُ. والرّابِعُ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ عَرَفُوا صِفَتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيِ: الإيضاحُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ، لا لِقَصْدِ البُرْهانِ، وقَدْ ذَكَرْنا في "البَقَرَةِ" مَعْنى: سَرِيعُ الحِسابِ.

3:20Page 52

فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ أيْ: جادَلُوكَ، وخاصَمُوكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي اليَهُودَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي نَصارى نَجْرانَ في أمْرِ عِيسى، وقالَ غَيْرُهُما: اليَهُودُ والنَّصارى. ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: أخْلَصْتُ عَمَلِي، وقالَ الزَّجّاجُ: قَصَدْتُ بِعِبادَتِي إلى اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ، وابْنُ شَنَبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، ووَقَفَ ابْنُ شَنَبُوذَ ويَعْقُوبُ بِياءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: والأحَبُّ إلى اتِّباعِ المُصْحَفِ. وما حُذِفَ مِنَ الياءاتِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: (وَمَنِ اتَّبَعْنَ) و(لَئِنْ أخَّرْتَنِ) و(رَبِّي أكْرَمْنَ) و(رَبِّي أهانَنِ) . فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: ما كانَ مَعَ النُّونِ، فَإنْ (p-٣٦٤)كانَ رَأْسَ آَيَةٍ، فَأهْلُ اللُّغَةِ يُجِيزُونَ حَذْفَ الياءِ، ويُسَمُّونَ أواخِرَ الآَيَ الفَواصِلَ، كَما أجازُوا ذَلِكَ في الشِّعْرِ،

قالَ الأعْشى:

؎ ومِن شانِئٍ كاسِفٍ بالَهُ إذا ما انْتَسَبْتَ لَهُ أنْكَرَنْ

؎ وهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مِن حَذِرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ

فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ آَخِرَ آَيَةٍ أوْ قافِيَةٍ، فالأكْثَرُ إثْباتُ الياءِ، وحَذْفُها جَيِّدٌ أيْضًا، خاصَّةً مَعَ النُّوناتِ، لِأنَّ أصْلَ "اتَّبَعَنِي" "اتَّبِعِي" ولَكِنَّ "النُّونَ" زِيدَتْ لِتَسْلَمَ فَتْحَةَ العَيْنِ، فالكَسْرَةُ مَعَ النُّونِ تَنُوبُ عَنِ الياءِ، فَأمّا إذا لَمْ تَكُنِ النُّونُ، نَحْوُ غُلامِي وصاحِبِي، فالأجْوَدُ إثْباتُها، وحَذْفُها عِنْدَ عَدَمِ النُّونِ جائِزٌ عَلى قِلَّتِهِ، تَقُولُ: هَذا غُلامٌ، قَدْ جاءَ غُلامِي، وغُلامِي بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِها، فَجازَ الحَذْفُ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُرِيدُ اليَهُودَ والنَّصارى ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ بِمَعْنى مُشْرِكِي العَرَبِ، وقَدْ سَبَقَ في البَقَرَةِ شَرْحُ هَذا الِاسْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [ المائِدَةِ: ٩١ ] .

(p-٣٦٥)* فَصْلٌ

اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ المُرادَ بِها تَسْكِينُ نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ امْتِناعِ مَن لَمْ يُجِبْهُ، لِأنَّهُ كانَ يَحْرِصُ عَلى إيمانِهِمْ، ويَتَألَّمُ مَن تَرَكَهُمُ الإجابَةَ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ المُرادَ بِها الِاقْتِصارُ عَلى التَّبْلِيغِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

3:21–22Page 52

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنى بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِآَياتِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في "البَقَرَةِ" شَرْحُ قَتْلِهُمُ الأنْبِياءَ، والقِسْطُ، والعَدْلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ "وَيُقاتِلُونَ" بِألِفٍ. ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا (p-٣٦٦)فِي آَخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ وأنْزَلَ الآَيَةَ فِيهِمْ.» وإنَّما وبَّخَ بِهَذا اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم تَوَلَّوْا أُولَئِكَ، ورَضُوا بِفِعْلِهِمْ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ بِمَعْنى: أخْبِرْهم، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في "البَقَرَةِ" ومَعْنى حَبِطَتْ: بَطَلَتْ.

3:23Page 53

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَقالَ رَجُلانِ مِنهُمْ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ؟ فَقالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ: فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ، فَأبَيا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، وامْرَأةً زَنَيا، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَرَفَعُوا أمْرَهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِالرَّجْمِ، فَقالُوا: جُرْتَ عَلَيْنا يا مُحَمَّدُ، لَيْسَ عَلَيْنا الرَّجْمُ. فَقالَ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ، فَجاءَ ابْنُ صُورِيًّا، فَقَرَأ مِنَ التَّوْراةِ، فَلَمّا أتى عَلى آَيَةِ الرَّجْمِ، وضَعَ كَفَّهُ عَلَيْها، وقَرَأ ما بَعْدَها، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: قَدْ جاوَزَها، ثُمَّ قامَ، فَقَرَأها، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاليَهُودِيَّيْنِ، فَرُجِما، فَغَضِبَ اليَهُودُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ نُعْمانُ بْنُ أبِي (p-٣٦٧)أوْفى:» هَلُمَّ نُحاكِمُكَ إلى الأحْبارِ. فَقالَ: بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقالَ: بَلْ إلى الأحْبارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: «أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالهُدى مِنكَ، وما أرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: فَأخْرَجُوا التَّوْراةَ، فَإنِّي مَكْتُوبٌ فِيها أنِّي نَبِيٌّ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالنَّصِيبُ الَّذِي أُوتُوهُ: العِلْمُ الَّذِي عُلِّمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ. وفي الكِتابِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. وفي الَّذِي أُرِيدُ أنْ يُحَكِّمَ الكِتابَ بَيْنَهم فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مِلَّةُ إبْراهِيمَ. والثّانِي: حَدُّ الزِّنا. رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: صِحَّةُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَإنْ قِيلَ: التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، فَما فائِدَةُ تَكْرِيرِهِ؟ فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: التَّأْكِيدُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَتَوَلَّوْنَ عَنِ الدّاعِي، ويُعْرِضُونَ عَمّا دَعا إلَيْهِ. والثّالِثُ: يَتَوَلَّوْنَ بِأبْدانِهِمْ، ويُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا عُلَماءَهم، والَّذِينَ أعْرَضُوا أتْباعَهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

3:24Page 53

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

(p-٣٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِي حَمَلَهم عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْناها في "البَقَرَةِ" و(يَفْتَرُونَ) يَخْتَلِقُونَ. وفي الَّذِي اخْتَلَقُوهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

3:25Page 53

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم (لِيَوْمٍ) أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ. وقِيلَ "اللّامُ" بِمَعْنى: "فِي" .

3:26Page 53

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦

Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، ووَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ المُنافِقُونَ واليَهُودَ: هَيْهاتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ رَبَّهُ أنَّ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسٍ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، حَكاهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: واللَّهِ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ يَنْقُلُ النُّبُوَّةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ: "اللَّهُمَّ" بِمَعْنى "يا اللَّهُ" و"المِيمُ" المُشَدَّدَةُ زِيدَتْ عِوَضًا مِن "ياءٍ" لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا (p-٣٦٩)"يا" مَعَ هَذِهِ "المِيمِ" في كَلِمَةٍ، ووَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَعْمَلًا بِـ"يا" إذا لَمْ تُذْكَرِ المِيمُ، فَعَلِمُوا أنَّ المِيمَ في آَخِرِ الكَلِمَةِ بِمَنزِلَةِ "يا" في أوَّلِها. والضَّمَّةُ الَّتِي في "الهاءِ" هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: ومَعْنى "مالِكَ المُلْكِ" أنَّهُ بِيَدِهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَ: وقَدْ يَكُونُ مَعْناهُ: مالِكُ المُلُوكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وارِثُ المُلْكِ يَوْمَ لا يَدَّعِيهِ مُدَّعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [ الفَرْقانِ: ٢٦ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ في هَذا المُلْكِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ المالُ، والعَبِيدُ، والحَفَدَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، يَعْنِي فارِسَ والرُّومَ. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فارِسٌ والرُّومُ. وبِماذا يَكُونُ هَذا العِزُّ والذُّلُّ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: العِزُّ بِالنَّصْرِ، والذُّلُّ بِالقَهْرِ، والثّانِي: العِزُّ بِالغِنى، والذُّلُّ بِالفَقْرِ، والثّالِثُ: العِزُّ بِالطّاعَةِ، والذُّلُّ بِالمَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، فاكْتَفى بِأحَدِهِما، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ فِيهِ.

3:27Page 53

تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن هَذا في هَذا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ما يَنْقُصُ مِن أحَدِهِما يَدْخُلُ في الآَخَرِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ولَجَ الشَّيْءَ يَلِجُ وُلُوجًا ووَلَجًا ووَلْجَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٧ ]، و ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ [ الأنْعامِ: ١٢٢ ]، و ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ (p-٣٧٠)[ الأنْعامِ: ١٣٩ ]، و ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [ يس: ٣٣ ]: كُلُّهُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ: وحَمْزَةُ: والكِسائِيُّ: (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و(لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) و(إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) وخَفَّفَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ. وقَرَأ نافِعٌ (أوَمَن كانَ مَيْتًا) و(الأرْضُ المَيْتَةُ) و(لَحْمُ أخِيهِ مَيْتًا) [ الحُجُراتِ: ١٢ ] وخَفَّفَ في سائِرِ القُرْآَنِ ما لَمْ يَمُتْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ التَّثْقِيلُ، والمُخَفَّفُ مَحْذُوفٌ مِنهُ، وما ماتَ، وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ مُسْتَوَيانِ في الِاسْتِعْمالِ وأنْشَدُوا:

؎ ومَنهَلٌ فِيهِ الغُرابُ مَيِّتٌ سَقَيْتُ مِنهُ القَوْمَ واسْتَقَيْتُ

فَهَذا قَدْ ماتَ وقالَ آَخَرُ:

؎ لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

فَخَفَّفَ ما ماتَ، وشَدَّدَ ما لَمْ يَمُتْ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [ الزُّمَرِ: ٣٠ ] . ثُمَّ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ إخْراجُ الإنْسانِ حَيّا مِنَ النُّطْفَةِ، وهي مَيِّتَةٌ. وإخْراجُ النُّطْفَةِ مِنَ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ إخْراجُ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ، وإخْراجُ البَيْضَةِ مِنَ الطّائِرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ مِنَ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ، وإخْراجِ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ مِنَ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ، رَوى نَحْوَ هَذا الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ إخْراجُ السُّنْبُلَةِ الحَيَّةِ مِنَ الحَبَّةِ المَيِّتَةِ، والنَّخْلَةُ الحَيَّةُ مِنَ النَّواةِ المَيِّتَةِ، والنَّواةِ المَيِّتَةِ مِنَ النَّخْلَةِ الحَيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ، والحَبُّ اليابِسُ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي.

(p-٣٧١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لِلَّذِي يُنْفِقُ مُوسِعًا: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ، كَأنَّهُ لا يَحْسَبُ ما أنْفَقَهُ إنْفاقًا.

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ كانَ لَهُ حُلَفاءٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ يَوْمَ الأحْزابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةً مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ أسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ يَرْجُونَ لَهُمُ الظَّفْرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ، كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ المُقاتِلِينَ، ابْنِ سُلَيْمانَ، وابْنِ حَيّانَ. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ المُؤْمِنُ وِلايَتَهُ لِمَن هو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، أيْ: لا يَتَناوَلُ الوِلايَةَ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَلامٌ جَرى عَلى المَثَلِ في المَكانِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ دُونَكَ، ولَسْتَ تُرِيدُ المَكانَ، ولَكِنَّكَ جَعَلْتَ الشَّرَفَ بِمَنزِلَةِ الِارْتِفاعِ في المَكانِ، والخِسَّةَ كالِاسْتِفالِ في المَكانِ. ومَعْنى ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: فاللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قَرَأ يَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "تَقِيَّةً" بِفَتْحِ (p-٣٧٢)التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مُصانَعَةً في الدُّنْيا. قالَ أبُو العالِيَةِ: التُّقاةُ بِاللِّسانِ، لا بِالعَمَلِ.

فَصْلٌ

والتَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ، ولَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وقَدْ قِيلَ: إنْ عُرِضْتَ عَلى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قالَ: لا. وقالَ: إذا أجابَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ بِجَهْلٍ، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ؟ وسَنَشْرَحُ هَذا المَعْنى في "النَّحْلِ" عِنْدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ [ النَّحْلِ: ١٠٦ ]، إنْ شاءَ اللَّهُ.

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي اتِّخاذَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ.

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "اليَوْمَ" بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وإلى اللَّهِ المَصِيرُ، يَوْمَ تَجِدُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يَوْمَ تَجِدُ. وفي كَيْفِيَّةِ وُجُودِ العَمَلِ وجْهانِ. أحَدُهُما: وُجُودُهُ مَكْتُوبًا في الكِتابِ. والثّانِي: وُجُودُ الجَزاءِ عَلَيْهِ. والأمَدُ: الغايَةُ.

(p-٣٧٣)قالَ الطِّرَّمّاحُ:

؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْ رِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ

يُرِيدُ غايَةَ أجَلِهِ.

3:31Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ، وقَدْ نَصَبُوا أصْنامَهم يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: "لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ، لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَعَرَضَها النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوها،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ ناسًا قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِحُبِّهِ عِلْمًا، فَأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: أنَّ نَصارى نَجْرانَ، قالُوا: إنَّما تَقُولُ هَذا في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ، وتَعْظِيمًا لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرَ بْنِ الزُّبَيْرِ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

3:32Page 54

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ (p-٣٧٤)عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ: ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى بْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، ونَحْنُ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

3:33Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى اصْطَفاهم في اللُّغَةِ: اخْتارَهم، فَجَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ بِما يُرى، لِأنَّ العَرَبَ تُمَثِّلُ المَعْلُومَ بِالشَّيْءِ المَرْئِيِّ، فَإذا سَمِعَ السّامِعُ ذَلِكَ المَعْلُومَ كانَ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ ما يُشاهَدُ عَيانًا، فَنَحْنُ نُعايِنُ الشَّيْءَ الصّافِيَ أنَّهُ النَّقِيُّ مِنَ الكَدِرِ، فَكَذَلِكَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ. وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: صَفْوَةٌ، وصِفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ. وأمّا آَدَمُ فَعَرَبِيٌّ، وقَدْ ذَكَرْنا اشْتِقاقَهُ في "البَقَرَةِ" وأمّا نُوحٌ، فَأعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْمُ نُوحٍ: السَّكَنُ، وإنَّما سُمِّيَ نُوحًا، لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ. وفي سَبَبِ نَوْحِهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ، والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنُوحُ لِمَعاصِي أهْلِهِ، وقَوْمِهِ. والثّالِثُ: لِمُراجَعَتِهِ رَبَّهُ في ولَدِهِ. والرّابِعُ: لِدُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ. والخامِسُ: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أعِبْتَنِي يا نُوحُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وفي آَلِ إبْراهِيمَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ. والثّانِي: أنَّهم إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، والأسْباطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِـ"آَلِ إبْراهِيمَ" هو نَفْسُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٤٨ ]، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وفي "عِمْرانَ" (p-٣٧٥)قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ والِدُ مَرْيَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، ووَهْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ والِدُ مُوسى، وهارُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي "آَلِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ آَلَهُ مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ المُرادُ بِـ"آَلَهَ" نَفْسُهُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم مِن نَسْلِهِمْ. وفي مَعْنى اصْطِفاءِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ المُرادَ اصْطَفى دِينَهم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: اصْطَفاهم بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ. والمُرادُ بِـ"العالَمِينَ" عالِمُو زَمانِهِمْ، كَما ذَكَرْنا في "البَقَرَةِ" .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском