Ibn al-JawziAli 'Imran · 3:97–112

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:97–112

3:97Page 62

فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it [i.e., the Ḥaram] shall be safe. And [due] to Allāh from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves [i.e., refuses] - then indeed, Allāh is free from need of the worlds.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾، الجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: آَياتٌ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (فِيهِ آَيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامَ إبْراهِيمَ)، وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ. والآَيَةُ: مَقامُ إبْراهِيمَ. فَأمّا مَن قَرَأ: "آَياتٌ" فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الآَياتُ: مَقامُ إبْراهِيمَ، وآَمِنٌ مَن دَخَلَهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ الجَمْعُ مُعَبِّرًا عَنِ التَّثْنِيَةِ، وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٧٨ ] . وقالَ أبُو رَجاءٍ: كانَ الحَسَنُ يَعُدُّهُنَّ، وأنا أنْظُرُ إلى أصابِعِهِ: مَقامَ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آَمِنًا، ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في (p-٤٢٧)الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: مِنهم مَقامُ إبْراهِيمَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الآَياتُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، ومِنها: آَمِنٌ مَن دَخَلَهُ، ومِنها: امْتِناعُ الطَّيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، واسْتِشْفاءُ المَرِيضِ مِنها بِهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ، وإهْلاكُ أصْحابِ الفِيلِ لَمّا قَصَدُوا إخْرابَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والمُرادُ بِالبَيْتِ هاهُنا: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَياتِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، ومَقامُ إبْراهِيمَ لَيْسَ في البَيْتِ، والآَيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قامَ عَلى حَجَرٍ، فَأثَّرْثَ قَدَماهُ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وصِدْقِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، وتَقْدِيرُهُ: ومَن دَخَلَهُ، فَأمِّنُوهُ، وهو عامٌّ فِيمَن جَنى جِنايَةً قَبْلَ دُخُولِهِ، وفِيمَن جَنى فِيهِ بَعْدَ دُخُولِهِ، إلّا أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ عَلى أنَّ مَن جَنى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ، لِأنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ ورَدَّ الأمانَ، فَبَقِيَ حُكْمُ الآَيَةِ فِيمَن جَنى خارِجًا مِنهُ، ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أحْمَدُ في رِوايَةٍ المَرْوَذِيِّ: إذا قَتَلَ، أوْ قَطَعَ يَدًا، أوْ أتى حَدًّا في غَيْرِ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ، ولَكِنْ لا يُبايَعُ، ولا يُشارى، ولا يُؤاكَلُ حَتّى يَخْرُجَ، فَإنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في الحَرَمِ، اسْتَوْفى مِنهُ وقالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قَتَلَ خارِجَ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقْتَلْ. وإنْ كانَتِ الجِنايَةُ دُونَ النَّفْسِ، فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُقامُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ في النَّفْسِ، وفِيما دُونَ النَّفْسِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، الأكْثَرُونَ عَلى فَتْحِ حاءِ "الحَجِّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِها. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أُنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٢٨)﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ٨٥ ] قالَ أهْلُ المِلَلِ كُلِّهِمْ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَحَجَّهُ المُسْلِمُونَ، وتَرَكَهُ المُشْرِكُونَ، وقالَتِ اليَهُودَ: لا نَحُجُّهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ قالَ النَّحْوِيُّونَ: مَنِ اسْتَطاعَ بَدَلٌ مِنَ "النّاسِ"، وهَذا بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ: ما السَّبِيلُ؟ فَقالَ: "مَن وجَدَ الزّادَ والرّاحِلَةَ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾، فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مَن كَفَرَ بِالحَجِّ فاعْتَقَدَهُ غَيْرَ واجِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، (p-٤٢٩)وَعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: مَن لَمْ يَرْجُ ثَوابَ حَجِّهِ، ولَمْ يَخَفْ عِقابَ تَرْكِهِ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ، لا بِالحَجِّ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الحَجُّ، حَتّى ماتَ، وُسِمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، هَذا قَوْلٌ ابْنِ عُمَرَ. والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ الكُفْرَ بِالآَياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ في ذِكْرِ البَيْتِ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: نَحْنُ نَكْفُرُ بِهَذِهِ الآَياتِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

3:98–99Page 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَأمّا آَياتُ اللَّهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي القُرْآَنُ ومُحَمَّدٌ ﷺ . وأمّا الشَّهِيدُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو بِمَعْنى الشّاهِدِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، كَأنَّهُ الحاضِرُ الشّاهِدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: دَعَتِ اليَهُودُ حُذَيْفَةَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وفي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: اليَهُودُ. قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: الإسْلامُ، والحَجُّ. وقالَ قَتادَةُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، وعَنِ الإسْلامِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا سُئِلُوا: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكُمْ؟ قالُوا: لا. فَصَدُّوا عَنْهُ النّاسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها﴾، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ السَّبِيلِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وأنْشَدُوا:

؎ فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتٍى أُناسٍ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلا

(p-٤٣٠)وَمَعْنى "تَبْغُونَها": تَبْغُونَ لَها، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي خادِمًا، يُرِيدُونَ: ابْتَغِهِ لِي، فَإذا أرادُوا: ابْتَغِ مَعِي، وأعِنِّي عَلى طَلَبِهِ، قالُوا: ابْغِنِي، فَفَتَحُوا الألِفَ، ويَقُولُونَ: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، كَما يَقُولُونَ: وهْبْتُ لَكَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا

أرادَ: أصِيدُ لَكم ومَعْنى الآَيَةِ: يَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، ويُرِيدُونَ رَدَّ الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ إلى الكُفْرِ والِاعْوِجاجِ. ويَطْلُبُونَ العُدُولَ عَنِ القَصْدِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، واللُّغَوِيِّينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى لِأهْلِهِ، كَأنَّ المَعْنى: تَبْغُونَ لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ، ولِمَن هو عَلى سَبِيلِ الحَقِّ عِوَجًا. أيْ: ضَلالًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ، في الدِّينِ، والكَلامِ، والعَمَلِ، والعَوَجِ بِفَتْحِها، في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: فِيما لا تَرى لَهُ شَخْصًا، وما كانَ لَهُ شَخْصٌ قُلْتَ: عَوَجٌ بِفَتْحِها، تَقُولُ: في أمْرِهِ ودِينِهِ عَوَجٌ، وفي العَصا عَوَجٌ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ: العِوَجُ عِنْدَ العَرَبِ بِكَسْرِ العَيْنِ: في كُلِّ ما لا يُحاطُ بِهِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ في كُلِّ ما لا يَحْصُلُ، فَيُقالُ: في الأرْضِ عِوَجٌ، وفي الدِّينِ عِوَجٌ، لِأنَّ هَذَيْنَ يَتَّسِعانِ، ولا يُدْرَكانِ. وفي العَصا عِوَجٌ، وفي السِّنِّ عِوَجٌ. لِأنَّهُما يُحاطُ بِهِما، ويَبْلُغُ كُنْهُهُما. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: العَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ: في كُلِّ مُنْتَصِبٍ، كالحائِطِ. والعَوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ أوْ أرْضٍ، أوْ دِينٍ، أوْ مَعاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ، وأنْتُمْ شاهِدُونَ بِصِحَّةِ ما صَدَدْتُمْ عَنْهُ، وبُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى الشُّهَداءِ هاهُنا: العُقَلاءُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى في آَخَرِينَ.

3:100Page 62

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

(p-٤٣١)سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانَ بَيْنَهُما حَرْبٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ أطْفَأ تِلْكَ الحَرْبَ بِالإسْلامِ، فَبَيْنَما رَجُلانِ أوْسِيٌّ وخَزْرَجِيٌّ يَتَحَدَّثانِ ومَعَهُما يَهُودِيٌّ، جَعَلَ اليَهُودِيُّ يُذَكِّرُهُما أيّامَهُما، والعَداوَةَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُما حَتّى اقْتَتَلا، فَنادى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِقَوْمِهِ، فَخَرَجُوا بِالسِّلاحِ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأصْلَحَ بَيْنَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والجَماعَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وعَنى بِذَلِكَ الفَرِيقِ: شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيِّ وأصْحابَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى طاعَتِهِمْ: تَقْلِيدُهم.

3:101Page 63

وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَمْتَنِعُ، وأصْلُ العِصْمَةِ: المَنعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَعْتَصِمُ جُزِمَ بِـ"مِن" والجَوابُ ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾

3:102Page 63

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢

O you who have believed, fear Allāh as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الأوْسِ والخَزْرَجِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وأصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهم. وفي "حَقِّ تُقاتِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَلا يُعْصى، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ،» رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: أنْ يُجاهِدَ في اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، وأنْ لا يَأْخُذَ العَبْدَ فِيهِ (p-٤٣٢)لَوْمَةَ لائِمٍ، وأنْ يَقُومُوا لَهُ بِالقِسْطِ، ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ، وآَبائِهِمْ، وأبْنائِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: اتَّقُوهُ فِيما يَحِقُّ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوهُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَصْلٌ

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هَذا الكَلامُ مُحْكَمٌ أوْ مَنسُوخٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. قالُوا: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [ التَّغابُنِ: ١٦ ] . والثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ طاوُوسٍ. قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ: والِاخْتِلافُ في نَسْخِها وإحْكامِها، يَرْجِعُ إلى اخْتِلافِ المَعْنى المُرادِ بِها فالمُعْتَقِدُ نُسْخَها يَرى أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" الوُقُوفُ عَلى جَمِيعِ ما يَجِبُ لَهُ ويَسْتَحِقُّهُ، وهَذا يَعْجِزُ الكُلُّ عَنِ الوَفاءِ بِهِ، فَتَحْصِيلُهُ مِنَ الواحِدِ مُمْتَنِعٌ، والمُعْتَقِدُ إحْكامَها يَرى أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" أداءُ ما يَلْزَمُ العَبْدَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ مُفَسِّرًا لـ"حَقَّ تُقاتِهِ" لا ناسِخًا ولا مُخَصَّصًا.

3:103Page 63

وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣

And hold firmly to the rope1 of Allāh all together and do not become divided. And remember the favor of Allāh upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allāh make clear to you His verses that you may be guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اعْتَصِمُوا: اسْتَمْسَكُوا. فَأمّا الحَبْلُ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ: القُرْآَنُ، رَواهُ شَقِيقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (p-٤٣٣)وَبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ الجَماعَةُ، رَواهُ الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإسْلامُ. والرّابِعُ: عَهْدُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ في رِوايَةٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، واحْتَجَّ لَهُ الزَّجّاجُ بِقَوْلِ الأعْشى:

؎ وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأُخْرى إلَيْكَ حِبالها

وَأنَشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ:

؎ فَلَوْ حَبْلًا تَناوَلَ مِن سُلَيْمى ∗∗∗ لَمَدَّ بِحَبْلِها حَبْلًا مَتِينًا

والخامِسُ: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسّادِسُ: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ وطاعَتُهُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الِاعْتِصامِ بِهِ. وأصْلُ "تَفَرَّقُوا": تَتَفَرَّقُوا، إلّا أنَّ التّاءَ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، والمَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةُ، لِأنَّ الأُولى دَلِيلَةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ الحَرْفِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ، والأصْلُ: ولا تَتَفَرَّقُونَ، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِتَدُلَّ عَلى الجَزْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا الكَلامِ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، كانَ القَوِيُّ يَسْتَبِيحُ الضَّعِيفَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: الأوْسُ والخَزْرَجُ، كانَ بَيْنَهم حَرْبٌ شَدِيدٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والأعْداءُ: جَمْعُ عَدُوٍّ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: وهو مِن عَدا: إذا ظَلَمَ.

(p-٤٣٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ أيْ: صِرْتُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ أنَّهُ الَّذِي مَقْصِدُهُ مَقْصِدَ أخِيهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ يَتَوَخّى مَسارَّ فُلانٍ، أيْ: ما يَسُرُّهُ. والشَّفا: الحَرْفُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإشْرافِهِمْ عَلى الهَلاكِ. وقُرْبِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَأنَّهُ قالَ: كُنْتُمْ عَلى حَرْفِ حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَ الوُقُوعِ فِيها إلّا المَوْتُ عَلى الكُفْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: فَأنْقَذَكم مِنها مُحَمَّدٌ ﷺ .

3:104Page 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: ولِتَكُونُوا كُلُّكم أُمَّةً تَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، وتَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولَكِنَّ "مِن" هاهُنا تَدْخُلُ لِتَخُضَّ المُخاطَبِينَ مِن سائِرِ الأجْناسِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ أنَّ الأمْرَ لِلْمُخاطَبِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [ الحَجِّ: ٢٠ ] مَعْناهُ: اجْتَنِبُوا الأوْثانَ، فَإنَّها رِجْسٌ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزَّفْرُ

وَهُوَ النَّوْفَلُ الزَّفْرُ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِإعْطاءِ الرَّغائِبِ. والنَّوْفَلُ: الكَثِيرُ الإعْطاءِ لِلنَّوافِلِ، والزَّفْرُ: الَّذِي يَحْمِلُ الأثْقالَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ أمَرُوا بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمَرَ مِنهم فِرْقَةً، لِأنَّ الدُّعاةَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عُلَماءَ بِما يَدْعُونَ (p-٤٣٥)إلَيْهِ، ولَيْسَ الخَلْقُ كُلُّهم عُلَماءَ، والعِلْمُ يَنُوبُ بَعْضُ النّاسِ فِيهِ عَنْ بَعْضٍ، كالجِهادِ. فَأمّا الخَيْرُ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ. قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وأمّا المَعْرُوفُ، فَهو ما يَعْرِفُ كُلُّ عاقِلٍ صَوابَهُ، وضِدُّهُ المُنْكَرُ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ هاهُنا: طاعَةُ اللَّهِ، والمُنْكَرُ: مَعْصِيَتُهُ.

3:105Page 63

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الحَرُورِيَّةُ قالَهُ أبُو أُمامَةَ.

3:106Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِما. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: تَبْياضُّ وتَسْوادُّ بِألِفٍ، ومَدَّةٍ فِيهِما. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، (p-٤٣٦)وابْنُ يَعْمُرَ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوادَّتْ وابْياضَّتْ، بِألِفٍ ومُدَّةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ بِوَقْتِ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ. وفي الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم، خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كُلُّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ بَعْدَ إيمانِهِ يَوْمَ المِيثاقِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الحَرُورِيَّةُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ، وإسْحاقُ الهَمَذانِيُّ.

والثّالِثُ: اليَهُودُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهم أهْلُ البِدَعِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ، فَحَذَفَ القَوْلَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٢٧ ]، أيْ: ويَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. ومِثْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [ الرَّعْدِ: ٢٥، ٢٦ ] والمَعْنى: يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم. والألِفُ لَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهم جَمِيعُ الكُفّارِ، فَإنَّهم آَمَنُوا يَوْمَ المِيثاقِ، ثُمَّ كَفَرُوا، وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ الحَرُورِيَّةُ، وأهْلُ البِدَعِ، فَكُفْرُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ: مُفارَقَةُ الجَماعَةِ في الِاعْتِقادِ، وإنْ قُلْنا: اليَهُودُ، فَإنَّهم آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ظُهُورِهِ، وإنْ قُلْنا: المُنافِقُونَ، فَإنَّهم قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وأنْكَرُوا بِقُلُوبِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أصْلُ الذَّوْقِ إنَّما يَكُونُ بِالفَمِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ مِنهُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ما يُتَعَرَّفُ ويُعْرَفُ مَذُوقًا عَلى وجْهِ التَّشْبِيهُ بِالذِي يُعْرَفُ عِنْدَ التَّطَعُّمِ، تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ ذُقْتُ مِن إكْرامِ فُلانٍ ما يُرَغِّبُنِي في قَصْدِهِ، يَعْنُونَ: عَرَفْتُ، ويَقُولُونَ ذُقِ الفَرَسَ، فاعْرِفْ ما عِنْدَهُ.

(p-٤٣٧)قالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:

؎ أوْ كاهْتِزازِ رُدَيْنِيٍّ تُذاوِقُهُ أيْدِي التُّجّارِ فَزادُوا مَتْنَهُ لَيِّنًا

وَقالَ الآخَرُ:

؎ وإنَّ اللَّهَ ذاقَ حُلُومَ قَيْسٍ ∗∗∗ فَلَمّا راءَ خِفَّتَها قَلاها

يَعْنُونَ بِالذَّوْقِ: العِلْمُ. وفي كِتابِ الخَلِيلِ: كُلُّ ما نَزَلَ بِإنْسانٍ مِن مَكْرُوهٍ فَقَدْ ذاقَهُ.

3:107Page 63

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ. ورَحْمَةُ اللَّهِ جَنَّتُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسَمّى الجَنَّةَ رَحْمَةً، لِأنَّ دُخُولَهم إيّاها كانَ بِرَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: في ثَوابِ رَحْمَتِهِ، قالَ: وأعادَ ذِكْرَ "فِيها" تَوْكِيدًا.

3:108Page 63

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨

These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].

(p-٤٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: لا يُعاقِبُهم بِلا جُرْمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَنا أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن عَذَّبَهُ بِاسْتِحْقاقٍ.

3:109–110Page 64

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.

كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ مالِكَ بْنَ الضَّيْفِ ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا اليَهُودِيَّيْنِ، قالا لِابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ [وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ]: دِينُنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ. وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ بَدْرٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ. والثّالِثُ: جَمِيعُ الصَّحابَةِ.

والرّابِعُ: جَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، نُقِلَتْ هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ رَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "إنَّكم تُوَفُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها، وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ تَعالى"» قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الخِطابِ لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، (p-٤٣٩)وَهُوَ يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ﴾، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، والمُرادُ بِها الماضِي، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: كُنْتُمْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: خُلِقْتُمْ ووُجِدْتُمْ. ذَكَرَهُما المُفَسِّرُونَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: كُنْتُمْ مُذْ كُنْتُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى كُنْتُمْ: أنْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [ النِّساءِ: ٩٦ ] .

ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَدْ يَأْتِي الفِعْلُ عَلى بِنْيَةِ الماضِي، وهو راهِنٌ، أوْ مُسْتَقْبَلٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (كُنْتُمْ) ومَعْناهُ: أنْتُمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [ المائِدَةِ: ١١٦ ]، أيْ: وإذْ يَقُولُ. ومِثْلُهُ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [ النَّحْلِ: ١ ]، أيْ: سَيَأْتِي، ومِثْلُهُ: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٩ ]، أيْ: مَن هو في المَهْدِ، ومِثْلُهُ: ﴿وَكانَ (p-٤٤٠)اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [ النِّساءِ: ١٣٤ ] . أيْ: واللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ومِثْلُهُ: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ [ فاطِرٍ: ٩ ]، أيْ: فَنَسُوقُهُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ النّاسِ لِلنّاسِ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ حَتّى يُدْخِلُوهم في الإسْلامِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ الَّتِي أُخْرِجَتْ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ في الخَيْرِيَّةِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُ ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. قالَ أبُو العالِيَةِ: والمَعْرُوفُ: التَّوْحِيدُ. والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾: مَن أسْلَمَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. ﴿وَأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، يَعْنِي: الكافِرِينَ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.

3:111Page 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ عَمَدُوا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ فَآَذُوهم لِإسْلامِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأذى قَوْلُهُمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٣٠ ] و ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ التَّوْبَةِ: ٣٠ و ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٣ ] . وقالَ الحَسَنُ: (p-٤٤١)هُوَ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، ودُعاؤُهُمُ المُسْلِمِينَ إلى الضَّلالَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو البُهْتُ والتَّحْرِيفُ. ومَقْصُودُ الآَيَةِ: إعْلامُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهُ لَنْ يَنالَهم مِنهم إلّا الأذى بِاللِّسانِ مِن دُعائِهِمْ إيّاهم إلى الضَّلالِ، وإسْماعِهِمُ الكُفْرَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾

3:112Page 64

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ مَعْناهُ: أدْرَكُوا ووَجَدُوا، وذَلِكَ أنَّهم أيْنَ نَزَلُوا احْتاجُوا إلى عَهْدٍ مِن أهْلِ المَكانِ، وأداءِ جِزْيَةٍ. قالَ الحَسَنُ: أدْرَكَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ، وإنَّ المَجُوسَ لَتُجْبِيهُمُ الجِزْيَةَ. وأمّا الحَبْلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: الحَبْلُ: العَهْدُ، قالَ بَعْضُهُمْ: ومَعْنى الكَلامِ: إلّا بِعَهْدٍ يَأْخُذُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِإذْنِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهم أذِلّاءُ، إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطُوهُ. وقَدْ سَبَقَ في "البَقَرَةِ" تَفْسِيرُ باقِي الآَيَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском