Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:30–60
30:30–38Page 407
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿لِلدِّينِ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها. وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ. والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾: اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ. والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ. والَّذِي (p-٣٠١)أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى﴾ [الأعْرافِ: ١٧٢] ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ. ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ (p-٣٠٢)حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ. وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.
(p-٣٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ. والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ. والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟! وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿رَحْمَةً﴾ وهي المَطَرُ. والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.
30:39–40Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
(p-٣٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الرِّبا هاهُنا: أنْ يَهْدِيَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ يَقْصِدُ أنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، [والضَّحّاكُ]، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ. قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذا لَيْسَ فِيهِ أجْرٌ ولا وِزْرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ الَّذِي لا يَقْبَلُهُ اللَّهُ ولا يَجْزِي بِهِ. ولَيْسَ فِيهِ وِزْرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّبا المُحَرَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ يُعْطِي قَرابَتَهُ المالَ لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُعْطِي مَن يَخْدِمُهُ لِأجْلِ خِدْمَتِهِ، لا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ: [ " لِتَرْبُو " ] بِالتّاءِ وسُكُونِ الواوِ، أيْ: [فِي] اجْتِلابِ أمْوالِ النّاسِ، واجْتِذابِها ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَزْكُو ولا يُضاعَفُ، لِأنَّكم قَصَدْتُمْ زِيادَةَ العِوَضِ، ولَمْ تَقْصِدُوا القُرْبَةَ.
﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ أيْ: ما أعْطَيْتُمْ مِن صَدَقَةٍ لا تَطْلُبُونَ بِها المُكافَأةَ، (p-٣٠٥)إنَّما تُرِيدُونَ بِها ما عِنْدَ اللَّهِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّذِينَ يَجِدُونَ التَّضْعِيفَ والزِّيادَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ مُقْوٍ، أيْ: صاحِبُ قُوَّةٍ، ومُوسِرٌ: صاحِبُ يَسارٍ.
30:41–43Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: نُقْصانُ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ارْتِكابُ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والرّابِعُ: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
فَأمّا البَرُّ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَرُّ: البَرِّيَّةُ الَّتِي لَيْسَ عِنْدَها نَهْرٌ.
وَفِي البَحْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما كانَ مِنَ المَدائِنِ والقُرى عَلى شَطِّ نَهْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لا أقُولُ: بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عامِرَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالبَرِّ: أهْلُ البَوادِي، وبِالبَحْرِ: أهْلُ القُرى. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالبَحْرِ: مُدُنُ البَحْرِ عَلى الأنْهارِ، وكُلُّ ذِي ماءٍ فَهو بَحْرٌ.
والثّانِي: أنَّ البَحْرَ: الماءُ المَعْرُوفُ. قالَ مُجاهِدٌ: ظُهُورُ الفَسادِ في البَرِّ: قَتْلُ (p-٣٠٦)ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفي البَحْرِ: مَلِكٌ جائِرٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. وقِيلَ لِعَطِيَّةَ: أيُّ فَسادٍ في البَحْرِ؟ فَقالَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوحٌ [عَنْ يَعْقُوبَ]، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " لِنُذِيقَهم " بِالنُّونِ ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ: جَزاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ؛ فالقَحْطُ جَزاءٌ، ونُقْصانُ البَرَكَةِ جَزاءٌ، ووُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِنهم جَزاءٌ مُعَجَّلٌ لِمَعاصِيهِمْ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُذِيقُوا الجَزاءَ. ثُمَّ في مَعْنى رُجُوعِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَرْجِعُونَ عَنِ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُمْ؛ فالمَعْنى: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ مَن بَعْدَهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: سافِرُوا ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكُمْ؛ والمَعْنى: انْظُرُوا إلى مَساكِنِهِمْ وآثارِهِمْ ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ المَعْنى: فَأُهْلِكُوا بِشِرْكِهِمْ.
(p-٣٠٧)﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ: أقِمْ قَصْدَكَ لِاتِّباعِ الدِّينِ ﴿القَيِّمِ﴾ وهو الإسْلامُ المُسْتَقِيمُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ يَعْنِي [يَوْمَ] القِيامَةِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَضى كَوْنَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُونَ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
30:44–45Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُوَطِّئُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مَن " يَقَعُ عَلى الواحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، ومَجازُها هاهُنا مَجازُ الجَمِيعِ، و " يَمْهَدُ " بِمَعْنى يَكْتَسِبُ ويَعْمَلُ ويَسْتَعِدُّ.
30:46–47Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ (p-٣٠٨)﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ وهو الغَيْثُ والخِصْبُ ﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ في البَحْرِ بِتِلْكَ الرِّياحِ ﴿بِأمْرِهِ﴾ ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ بِالتِّجارَةِ في البَحْرِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ وهو الرِّزْقُ؛ وكُلُّ هَذا بِالرِّياحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالدَّلالاتِ عَلى صِدْقِهِمْ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: عَذَّبْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ: واجِبًا هو أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ إنْجاؤُهم مَعَ الرُّسُلِ مِن عَذابِ المُكَذِّبِينَ.
30:48–57Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦
But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والنَّخَعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: " يُرْسِلُ الرِّيحَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ اللَّهُ ﴿فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إنْ شاءَ بَسَطَهُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً. والأكْثَرُونَ فَتَحُوا سِينَ " كِسَفًا "؛ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِتَسْكِينِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُ مِثْلَ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ: " مِن خَلَلِهِ "؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (النُّورِ: ٤٣) ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالوَدْقِ؛ ومَعْنى ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ بِالمَطَرِ، ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المَطَرُ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠]، قالَهُ الأخْفَشُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ " قَبْلَ " الأُولى لِلتَّنْزِيلِ، والثّانِيَةَ لِلْمَطَرِ، قالَهُ قُطْرُبٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا مِثْلَما يَقُولُ القائِلُ: آتِيكَ مِن قَبْلِ أنْ تَتَكَلَّمَ، مِن قَبْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ في مَجْلِسِكَ، فَلا تُنْكَرُ الإعادَةُ، لِاخْتِلافِ الشَّيْئَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَرْجِعُ إلى الهُدى وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: كانُوا يَقْنَطُونَ مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ الهُدى، (p-٣١٠)فَلَمّا جاءَ الهُدى والإسْلامُ زالَ القُنُوطُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ وأبِي جَعْفَرِ بْنِ قادِمٍ. والمُبْلِسُونَ: الآيِسُونَ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا [الأنْعامِ: ٤٤] .
﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " إلى أثَرِ " . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " إلى آثارِ " عَلى الجَمْعِ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هاهُنا: المَطَرُ، وأثَرُها: النَّبْتُ؛ والمَعْنى: انْظُرْ إلى حُسْنِ تَأْثِيرِهِ في الأرْضِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُها تُنْبِتُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَبْتٌ. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ. " كَيْفَ تُحْيِي " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مَكْسُورَةَ الياءِ " الأرْضَ " بِفَتْحِ الضّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [أيْ: رِيحًا] بارِدَةً مُضِرَّةً، والرِّيحَ إذا أتَتْ عَلى لَفْظِ الواحِدِ أُرِيدَ بِها العَذابُ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» " ﴿فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (p-٣١١)يَعْنِي النَّبْتَ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى الأثَرِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَرَأوُا النَّبْتَ قَدِ اصْفَرَّ وجَفَّ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الشَّرْطُ والجَزاءُ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِالغَيْثِ، ويَكْفُرُونَ إذا انْقَطَعَ عَنْهُمُ الغَيْثُ وجَفَّ النَّبْتُ. وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ: المَطَرُ. و " ظَلُّوا " بِمَعْنى صارُوا " مِن بَعْدِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّبْتِ يَجْحَدُونَ ما سَلَفَ مِنَ النِّعْمَةِ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٨٠، ٨١) إلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ في (الأنْفالِ: ٦٦) قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: خَلَقَكم مِن ماءٍ ذِي ضَعْفٍ، وهو المَنِيُّ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يَعْنِي ضَعْفَ الطُّفُولَةِ قُوَّةَ الشَّبابِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةِ الشَّبابِ ضَعْفَ الكِبَرِ، وشَيْبَةً، ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى ما يَشاءُ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السّاعَةُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنى السّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْرَفْ أيُّ ساعَةٍ هي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: يَحْلِفُ المُشْرِكُونَ ﴿ما لَبِثُوا﴾ في القُبُورِ ﴿غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أُفِكَ الرَّجُلُ: إذا عُدِلَ بِهِ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كَذَّبُوا في الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَبِينُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَذِبُهم فِيهِ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.
(p-٣١٢)ثُمَّ ذَكَرَ إنْكارَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. والثّانِي: المُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِكِتابِ اللَّهِ والإيمانَ بِاللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ في جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى نَظْمِهِ. ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في خَبَرِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ أيِ: اليَوْمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ ﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ في الدُّنْيا أنَّهُ يَكُونُ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لا تَنْفَعُ " بِالتّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُقْبَلُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا عُذْرٌ ولا تَوْبَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى والرُّجُوعُ في الآخِرَةِ.
30:58–60Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: كَعَصا مُوسى ويَدِهِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ ﴿إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: أصْحابُ أباطِيلَ، وهَذا بَيانٌ لِعِنادِهِمْ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى (p-٣١٣)لا يُصَدِّقُونَ الآياتِ ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ؛ فالسَّبَبُ في امْتِناعِ الكُفّارِ مِنَ التَّوْحِيدِ، الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِنَصْرِكَ وإظْهارِكَ عَلى عَدُوِّكَ ﴿حَقٌّ﴾ . ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا رُوحًا وزَيْدًا: " يَسْتَخِفَّنْكَ " بِسُكُونِ النُّونِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: هم ضُلّاٌل شاكُّونَ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences