Ibn al-JawziAr‑Rum · 30:1–29

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الروم

Ar-Rum

The Romans · Meccan · 60 ayahs

30:1–5Page 404

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢

The Byzantines have been defeated1

فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣

In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome

فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤

Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice

بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥

In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.

(p-٢٨٦)سُورَةُ الرُّومِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِها «أنَّهُ كانَ بَيْنَ فارِسَ والرُّومِ حَرْبٌ فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّ فارِسَ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ وكانُوا يَجْحَدُونَ البَعْثَ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، والرُّومُ أصْحابُ كِتابٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا مَن أهْلِ فارِسَ عَلى إخْوانِكم مِنَ (p-٢٨٧)الرُّومِ، فَإنْ قاتَلْتُمُونا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ بِها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى المُشْرِكِينَ، فَقالُوا: هَذا كَلامُ صاحِبِكَ، فَقالَ: اللَّهُ أنْزَلَ هَذا، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: نُراهِنُكَ عَلى أنَّ الرُّومَ لا تَغْلِبُ فارِسَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَقالُوا: الوَسَطُ مِن ذَلِكَ سِتٌّ، فَوَضَعُوا الرِّهانَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ الرِّهانُ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهُمْ، فَلامُوهُ وقالُوا: هَلّا أقْرَرْتَها كَما أقَرَّها اللَّهُ؟! لَوْ شاءَ أنْ يَقُولَ: سِتًّا، لَقالَ! فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سِتٍّ، لَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأخَذُوا الرِّهانَ، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ.» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ناحَبَ أبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ "» . وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم ضَرَبُوا الأجَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثُ سِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إنَّما البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ» "، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ لَهُمْ: أُزايِدُكم (p-٢٨٨)فِي الخَطْرِ وأمُدُّ في الأجَلِ إلى تِسْعِ سِنِينَ، فَفَعَلُوا، فَقَهَرَهم أبُو بَكْرٍ، وأخَذَ رِهانَهم.

وَفِي الَّذِي تَوَلّى وضْعَ الرِّهانِ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " في أدانِي الأرْضِ " بِألِفٍ مَفْتُوحَةِ الدّالِ؛ أيْ: أقْرَبُ الأرْضِ أرْضُ الرُّومِ إلى فارِسَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي طَرَفُ الشّامِ.

وَفِي اسْمِ هَذا المَكانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الجَزِيرَةُ، وهي أقْرَبُ أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي؛ أذَرِعاتٌ وكَسْكَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُمْ﴾ يَعْنِي الرُّومَ ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ: " غَلْبِهِمْ " بِتَسْكِينِ اللّامِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهم. والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ في البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ قَدْ ذَكَرْناها في (يُوسُفَ: ٤٢) قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي هاهُنا سَبْعُ سِنِينَ، وهَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ ومِن بَعْدِ ما غُلِبَتْ؛ والمَعْنى أنَّ غَلَبَةَ الغالِبِ وخِذْلانَ المَغْلُوبِ، بِأمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ (p-٢٨٩)﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي يَوْمَ غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ لِلرُّومِ. وكانَ التِقاءُ الفَرِيقَيْنِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهُمْ، فَغَلَبَتْهُمُ الرُّومُ، وجاءَ جِبْرِيلُ يُخْبِرُ بِنَصْرِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، فَوافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

30:6–8Page 405

وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦

[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.

يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧

They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨

Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أنَّ الرُّومَ يَظْهَرُونَ عَلى فارِسَ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ في ذَلِكَ.

ثُمَّ وصَفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هي المَعايِشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُونَ بُنْيانَ قُصُورِها وتَشْقِيقَ أنْهارِها. وقالَ الحَسَنُ: يَعْلَمُونَ مَتى زَرْعُهم و[ مَتى] حَصادُهُمْ، ولَقَدْ بَلَغَ واللَّهِ مِن عِلْمِ أحَدِهِمْ بِالدُّنْيا أنَّهُ يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ بِظُفْرِهِ فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ ولا يُحْسِنُ يُصَلِّي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها. قالَ الزَّجّاجُ: وذِكْرُهم ثانِيَةً يُجْرِي مَجْرى التَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ هو عالِمٌ، وهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ عالِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أوْلَمَ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا، فَحَذَفَ " فَيَعْلَمُوا " لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا [عَلَيْهِ] ومَعْنى ﴿إلا بِالحَقِّ﴾: (p-٢٩٠)إلّا لِلْحَقِّ، أيْ: لِإقامَةِ الحَقِّ ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الجَزاءِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ المَعْنى: لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَقُدِّمَتِ الباءُ، لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِـ " كافِرُونَ "؛ وما اتَّصَلَ بِخَبَرِ " إنَّ " جازَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَ اللّامِ، ويَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ بَعْدَ مُضِيِّ الخَبَرِ مِن غَيْرِ خِلافٍ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: إنَّ زَيْدًا كافِرٌ لَبِاللَّهِ، لِأنَّ اللّامَ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ، أوْ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، لِأنَّها تُؤَكِّدُ الجُمْلَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾: لِلسَّماواتِ والأرْضِ أجَلٌ يَنْتَهِيانِ إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿لَكافِرُونَ﴾ .

30:9–11Page 405

أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩

Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.

ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.

ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١

Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْلَمَ يُسافِرُوا فَيَنْظُرُوا مَصارِعَ الأُمَمِ قَبْلَهم كَيْفَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ: قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَقَرَةِ: مُثِيرَةٌ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيْوَةَ: " وآثَرُوا الأرْضَ " بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الثّاءِ مَرْفُوعَةَ الرّاءِ، ﴿وَعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: أكْثَرَ مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ، لِطُولِ أعْمارِ أُولَئِكَ وشَدَّةِ قُوَّتِهِمْ ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالدَّلالاتِ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ (p-٢٩١)﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ؛ ودَلَّ هَذا عَلى أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَأُهْلِكُوا.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عاقِبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى﴾ يَعْنِي الخَلَّةَ السَّيِّئَةَ؛ وفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: جَهَنَّمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لِأنَّ كَذَّبُوا، فَلَمّا أُلْقِيَتِ اللّامُ كانَ نَصْبًا. وقالَ الزَّجّاجُ: لِتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ. وقِيلَ: السُّوأى مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الإساءَةِ؛ فالمَعْنى: ثُمَّ كانَ التَّكْذِيبُ آخِرَ أمْرِهِمْ، أيْ: ماتُوا عَلى ذَلِكَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى جازاهم عَلى إساءَتِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى ماتُوا عَلى التَّكْذِيبِ عُقُوبَةً لَهم. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: ﴿عاقِبَةَ﴾ اسْمُ كانَ، و ﴿السُّوأى﴾ خَبَرُها، و ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " السُّوأى " مَفْعُولَةً بِـ " أساؤُوا "، و " أنْ كَذَّبُوا " خَبَرَ كانَ؛ ومَن نَصَبَ " عاقِبَةَ " جَعَلَها خَبَرَ " كانَ " و " السُّوأى " اسْمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " أنْ كَذَّبُوا " اسْمَها. وقَرَأ الأعْمَشُ: " أساؤُوا السُّوءُ " بِرَفْعِ " السُّوءُ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تُرْجَعُونَ " بِالتّاءِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا مِنَ الخَبَرِ إلى الخِطابِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ غَيْبَةٌ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرُّجُوعِ: الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، والخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، وإنَّما قالَ: ﴿يُعِيدُهُ﴾ عَلى لَفْظِ الخَلْقِ.

30:12–16Page 405

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢

And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.

وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣

And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤

And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥

And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦

But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].

(p-٢٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَدْ شَرَحْنا الإبْلاسَ في (الأنْعامِ: ٤٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: [مِن] أوْثانِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿شُفَعاءُ﴾ في القِيامَةِ ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَتَبَرَّؤُونَ مِنها وتَتَبَرَّأُ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ الحِسابِ يَنْصَرِفُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ، وقَوْمٌ إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم في رَوْضَةٍ﴾ الرَّوْضَةُ: المَكانُ المُخْضَرُّ مِنَ الأرْضِ؛ وإنَّما خَصَّ الرَّوْضَةَ، لِأنَّها كانَتْ أعْجَبَ الأشْياءِ إلى العَرَبِ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَ العَرَبِ أحْسَنَ مِنَ الرِّياضِ المُعْشِبَةِ ولا أطْيَبَ رِيحًا، قالَ الأعْشى:

؎ ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ ∗∗∗ هَطِلُ يَوْمًا بِأطْيَبَ مِنها نَشْرَ رائِحَةٍ ∗∗∗ ولا بِأحْسَنَ مِنها إذْ دَنا الأُصُلُ

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالرَّوْضَةِ: رِياضُ الجَنَّةِ.

وَفِي مَعْنى ﴿يُحْبَرُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-٢٩٣)أحَدُها: يُكْرَمُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَنْعَمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: والحَبْرَةُ في اللُّغَةِ: كُلُّ نَغْمَةٍ حَسَنَةٍ.

والثّالِثُ: يَفْرَحُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُحْبَرُونَ ": يُسَرُّونَ، والحَبْرَةُ: السُّرُورُ.

والرّابِعُ: أنَّ الحَبْرَ: السَّماعُ في الجَنَّةِ، فَإذا أهْلُ الجَنَّةِ في السَّماعِ، لَمْ تَبْقَ شَجَرَةٌ إلّا ورَدَّتْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ. وسُئِلَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: أيُّ الأصْواتِ أحْسَنُ؟ فَقالَ: مَزامِيرُ أُنْسٍ، في مَقاصِيرِ قُدْسٍ، بِألْحانِ تَحْمِيدٍ، في رِياضِ تَمْجِيدٍ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٥٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: هم حاضِرُونَ العَذابَ أبَدًا لا يُخَفَّفُ عَنْهم.

30:17–19Page 406

فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧

So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.

وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨

And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.

يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩

He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1

ثُمَّ ذَكَرَ ما تُدْرَكُ بِهِ الجَنَّةُ ويُتَباعَدُ بِهِ مِنَ النّارِ فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَصَّلُوا لِلَّهِ حِينَ تُمْسُونَ، أيْ: حِينَ تَدْخُلُونَ في المَساءِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أيْ: تَدْخُلُونَ في الصَّباحِ، و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ تَدْخُلُونَ في الظَّهِيرَةِ، وهي وقْتُ الزَّوالِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾ أيْ: وسَبِّحُوهُ عَشِيًّا. وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَمَعَتِ الصَّلَواتُ، فَقَوْلُهُ: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يَعْنِي [بِهِ] (p-٢٩٤)صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ صَلاةَ الفَجْرَ، ﴿وَعَشِيًّا﴾ العَصْرَ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظَّهْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمَدُهُ أهْلُ السَّمَواتِ وأهْلُ الأرْضِ ويُصَلُّونَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَجْعَلُها مُنْبِتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُنْبِتُ، وتِلْكَ حَياتُها ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " تُخْرَجُونَ " بِضَمِّ التّاءِ، وفَتَحَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ والمُرادُ: تُخْرَجُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأرْضِ، أيْ: كَما أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ يُحْيِيكم بِالبَعْثِ.

30:20–29Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠

And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢

And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ﴾ أيْ: مِن دَلائِلِ قُدْرَتِهِ ﴿أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ يَعْنِي آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُ البَشَرِ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ مِن لَحْمٍ ودَمٍ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ: تَنْبَسِطُونَ في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: جَعَلَ لَكم آدَمِيّاتٍ مِثْلَكُمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِن غَيْرِ جِنْسِكُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ: لِتَأْوُوا إلى الأزْواجِ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَوادّانِ ويَتَراحَمانِ مِن غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُما ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَهُ مِن صُنْعِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ يَعْنِي اللُّغاتِ مِنَ العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَألْوانِكُمْ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ بَيْنَ أسْوَدَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، وهم ولَدُ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ: اخْتِلافُ النَّغْماتِ والأصْواتِ، حَتّى إنَّهُ لا يَشْتَبِهُ صَوْتُ أخَوَيْنِ مِن أبٍ وأُمٍّ والمُرادُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ: اخْتِلافُ (p-٢٩٦)الصُّورِ، فَلا تَشْتَبِهُ صُورَتانِ مَعَ التَّشاكُلِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، [والكِسائِيُّ]، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالَمِينَ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالِمِينَ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: نَوْمُكم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَنامُ مِن مَصادِرِ النَّوْمِ، بِمَنزِلَةِ قامَ يَقُومُ قِيامًا ومَقامًا، وقالَ يَقُولُ مَقالًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ بِالنَّهارِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ [وَتَذَكُّرٍ] وتَدَبُّرٍ. ﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: إنَّما حَذَفَ " أنْ " لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأنْشَدُوا:

؎ [وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَتارَةً أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

وَمَعْناهُ: فَتارَةً أمُوتُ فِيها]، وقالَ طَرَفَةُ:

؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغْى ∗∗∗ [وَأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي]

أرادَ: أنْ أحْضُرَ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الخَوْفِ والطَّمَعِ في رُؤْيَةِ البَرْقِ في سُورَةِ (الرَّعْدِ: ١٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ﴾ أيْ: تَدُوما قائِمَتَيْنِ ﴿بِأمْرِهِ﴾ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً﴾ وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الأخِيرَةُ في الصُّورِ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-٢٩٧)﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ مِنها. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١١٦، العَنْكَبُوتِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ البِدايَةِ، وكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ ﴿أهْوَنُ﴾ بِمَعْنى " هَيِّنٍ "، فالمَعْنى: وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُوضَعُ " أفْعَلُ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهم في الأذانِ اللَّهُ أكْبَرُ، أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى ∗∗∗ لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ

وَقالَ مَعْنُ بْنُ أوْسٍ المُزَنِيُّ:

؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ

أيْ: وإنِّي لَوَجِلٌ، وقالَ غَيْرُهُ:

؎ أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ

وَأنْشَدُوا أيْضًا:(p-٢٩٨)

؎ تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ

أيْ: بِواحِدٍ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. و[قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ " .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُمُ البَعْثُ أسْهَلَ مِنَ الِابْتِداءِ في تَقْدِيرُهم وحُكْمِهِمْ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ البَعْثُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ الهاءُ في " عَلَيْهِ " عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى.

والرّابِعُ أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ خَلَقَهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَهُ الصِّفَةُ العُلْيا ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهي أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ. ومَعْنى الآيَةِ: بَيَّنَ لَكم أيُّها المُشْرِكُونَ شَبَهًا، وذَلِكَ الشَّبَهُ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾، ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكم ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ المالِ والأهْلِ والعَبِيدِ، أيْ: هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أيْ: أنْتُمْ (p-٢٩٩)وَشُرَكاؤُكم مِن عَبِيدِكم سَواءٌ ﴿تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: كَما تَخافُونَ أمْثالَكم مِنَ الأحْرارِ، وأقْرِباءَكم كالآباءِ والأبْناءِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا؟ وقالَ غَيْرُهُ: تَخافُونَهم أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم كَما يَفْعَلُ الشُّرَكاءُ؟ والمَعْنى: هَلْ يَرْضى أحَدُكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأحْرارِ؟! فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكُمْ، فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟! ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما بَيَّنّا هَذا المَثَلَ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا الهَوى في إشْراكِهِمْ، فَقالَ: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴿أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أشْرَكُوا بِإضْلالِ اللَّهِ إيّاهم ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: مانِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском