Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:35–49
33:35Page 422
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ نِساءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَ: ما لَهُ لَيْسَ يُذْكَرُ إلّا المُؤْمِنُونَ، ولا تُذْكَرُ المُؤْمِناتُ بِشَيْءٍ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يُذْكَرُ الرِّجالُ ولا نُذْكَرُ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٥]،» قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٨٤)والثّالِثُ: «أنَّ أُمَّ عِمارَةَ الأنْصارِيَّةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي وأُمِّي ما بالُ الرِّجالِ يُذْكَرُونَ، ولا تُذْكَرُ النِّساءُ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ عِكْرِمَةُ. وذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ عِمارَةَ قالَتا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ [هَذِهِ] الآيَةُ في قَوْلِهِما.
والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أزْواجَ رَسُولِهِ دَخَلَ النِّساءُ المُسْلِماتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْنَ: ذُكِرْتُنَّ ولَمْ نُذْكَرْ، ولَوْ كانَ فِينا خَيْرٌ ذُكِرْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتاَدَةُ.
والخامِسُ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ لَمّا رَجَعَتْ مِنَ الحَبَشَةِ دَخَلَتْ عَلى نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: هَلْ نَزَلَ فِينا شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ؟ قُلْنَ: لا، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّساءَ لَفي خَيْبَةٍ وخَسارٍ، قالَ: " ومِمَّ ذاكَ " ؟ قالَتْ: لِأنَّهُنَّ لا يُذْكَرْنَ بِخَيْرٍ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ في مَواضِعَ [البَقَرَةِ: ١٢٩، ١٠٩، الأحْزابِ: ٣١، آلِ عِمْرانَ: ١٧، البَقَرَةِ: ٤٥، يُوسُفَ: ٨٨، البَقَرَةِ: ١٨٤، الأنْبِياءِ: ٩١، آلِ عِمْرانَ: ١٩١] .
33:36–37Page 423
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦
It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.
وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧
And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْطَلَقَ يَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَتْ: لا أرْضاهُ، ولَسْتُ بِناكِحَتِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَلى فانْكِحِيهِ، فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ " فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ أخا زَيْنَبَ كَرِهَ ذَلِكَ كَما كَرِهَتْهُ زَيْنَبُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا وسَلَّما. قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالمُؤْمِنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، والمُؤْمِنَةِ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في «أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ، فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: " قَدْ قَبِلْتُكِ "، وزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةٍ، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجَها عَبْدَهُ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والأوَّلُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أصَحُّ.
(p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ أيْ: حَكَما بِذَلِكَ " أنْ تَكُونَ " وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: " أنْ يَكُونَ " بِالياءِ ﴿لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: " الخِيْرَةُ " بِإسْكانِ الياءِ؛ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: " لِهَمّ "، لِأنَّ المُرادَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، والخِيَرَةُ: الِاخْتِيارُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا اخْتِيارَ عَلى ما قَضاهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ. «فَلَمّا زَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا مَكَثَتْ عِنْدَهُ حِينًا، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى مَنزِلَ زَيْدٍ فَنَظَرَ إلَيْها وكانَتْ بَيْضاءَ جَمِيلَةً مِن أتَمِّ نِساءِ قُرَيْشٍ، فَوَقَعَتْ في قَلْبِهِ، فَقالَ: " سُبْحانَ مُقَلِّبِ القُلُوبِ "، وفَطِنَ زِيدٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها.» وقالَ بَعْضُهُمْ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنزِلَ زَيْدٍ، فَرَأى زَيْنَبَ، فَقالَ: " سُبْحانَ مُقَلِّبِ القُلُوبِ "، فَسَمِعَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ، فَلَمّا جاءَ زَيْدٌ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أنَّها قَدْ وقَعَتْ في نَفْسِهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بابِ زَيْدٍ- وعَلى البابِ سِتْرٌ مِن شَعْرٍ- فَرَفَعَتِ الرِّيحُ السِّتْرَ، فَرَأى زَيْنَبِ، فَلَمّا وقَعَتْ في قَلْبِهِ كُرِّهَتْ إلى الآخَرِ، فَجاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ فِراقَها، فَقالَ لَهُ: " اتَّقِ اللَّهَ "» . وقالَ مُقاتِلٌ: «لَمّا فَطِنَ زَيْدٌ لِتَسْبِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها، فَإنَّ فِيها كِبْرًا، فَهي تَعَظَّمُ عَلَيَّ وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ " . ثُمَّ إنَّ زَيْدًا طَلَّقَها (p-٣٨٧)بَعْدَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ ﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالعِتْقِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: في أمْرِها فَلا تُطَلِقْها ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ أيْ: تُسِرُّ وتُضْمِرُ في قَلْبِكَ ﴿ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: مُظْهِرُهُ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: حُبُّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَهْدٌ عَهِدَهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ لَهُ زَوْجَةٌ، فَلَمّا أتى زَيْدٌ يَشْكُوها، قالَ لَهُ " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ "، وأخْفى في نَفْسِهِ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.
والثّالِثُ: إيثارُهُ لِطَلاقِها، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي أخْفاهُ: إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجْتُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْشى النّاسَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خَشِيَ اليَهُودَ أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-٣٨٨)والثّانِي: أنَّهُ خَشِيَ لَوْمَ النّاسِ أنْ يَقُولُوا: أمَرَ رَجُلًا بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ نَكَحَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ: أوْلى أنْ تَخْشى في كُلِّ الأحْوالِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَخْشَ اللهَ في هَذِهِ الحالِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ لِخَشْيَتِهِ بِالخَلْقِ نَوْعُ تَعَلُّقٍ قِيلَ لَهُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشى مِنهم. قالَتْ عائِشَةُ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هي أشَدُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها.
فَصْلٌ
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى تَنْزِيهِ رَسُولِ اللَّهِ مِن حُبِّها وإيثارِهِ طَلاقَها. وإنْ كانَ ذَلِكَ شائِعًا في التَّفْسِيرِ. قالُوا: وإنَّما عُوتِبَ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى شَيْئَيْنِ، (p-٣٨٩)(p-٣٩٠)أحَدُهُما: أنَّهُ أُخْبِرَ بِأنَّها سَتَكُونُ زَوْجَةً لَهُ، فَقالَ لِزَيْدٍ: " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " فَكَتَمَ ما أخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أمْرِها حَياءً مِن زَيْدٍ أنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ زَوْجَتَكَ سَتَكُونُ امْرَأتِي؛ وهَذا يَخْرُجُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وقَدْ نَصَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى اتِّصالَ الخُصُومَةِ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ظَنَّ أنَّهُما لا يَتَّفِقانِ وأنَّهُ سَيُفارِقُها، وأضْمَرَ أنَّهُ إنْ طَلَّقَها تَزَوَّجْتُها صِلَةً لِرَحِمِها، وإشْفاقًا عَلَيْها، لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى إضْمارِ ذَلِكَ وإخْفائِهِ حِينَ قالَ لِزَيْدٍ: " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ "، وأرادَ مِنهُ أنْ يَكُونُ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ عِنْدَ النّاسِ سَواءً كَما قِيلَ لَهُ في قِصَّةِ رَجُلٍ أرادَ قَتْلَهُ: هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِقَتْلِهِ؟ فَقالَ: " «ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» "، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ القاضِي أبُو يَعْلى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَطَرُ: كُلُّ حاجَةٍ لَكَ فِيها هِمَّةٌ، فَإذا بَلَغَها البالِغُ قِيلَ: قَدْ قَضى وطَرَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الطَّلاقِ، لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ. والمَعْنى: لَمّا قَضى زَيْدٌ حاجَتَهُ مِن نِكاحِها ﴿زَوَّجْناكَها﴾، وإنَّما ذَكَرَ قَضاءَ الوَطَرِ هاهُنا لِيُبَيِّنَ أنَّ امْرَأةَ المُتَبَنّى تَحِلُّ وإنْ وطِئَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾؛ والمَعْنى: زَوَّجْناكَ زَيْنَبَ- وهي امْرَأةُ زَيْدٍ الَّذِي تَبَنَّيْتَهُ- لِكَيْلا يُظَنَّ أنَّ امْرَأةَ المُتَبَنّى لا يَحِلُّ نِكاحُها. ورَوى مُسْلِمٌ في (p-٣٩١)أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: " اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ "، قالَ زَيْدٌ: فانْطَلَقْتُ، فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتّى ما أسْتَطِيعَ أنْ أنْظُرَ إلَيْها، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَها، فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي، ونَكَصْتُ عَلى عَقِبِي، وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ.»
وَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ مِن خَصائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ أُجِيزَ لَهُ التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ مَهْرٍ لِيَخْلُصَ قَصْدُ زَوْجاتِهِ لِلَّهِ دُونَ العِوَضِ، ولِيُخَفِّفَ عَنْهُ، وأُجِيزَ لَهُ التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ ولِيٍّ، لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِكَفاءَتِهِ، وكَذَلِكَ هو مُسْتَغْنٍ في نِكاحِهِ عَنِ الشُّهُودِ. وكانَتْ زَيْنَبُ تُفاخِرُ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ وتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهْلُوكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
33:38–40Page 423
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨
There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩
[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠
Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.
(p-٣٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ قَتادَةُ فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّساءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ هي مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى " ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ ": سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً واسِعَةً لا حَرَجَ فِيها. والَّذِينَ خَلَوْا: هُمُ النَّبِيُّونَ؛ فالمَعْنى: أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في التَّوْسِعَةِ عَلى مُحَمَّدٍ فِيما فَرَضَ لَهُ، كَسُنَّتِهِ في الأنْبِياءِ الماضِينَ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: هَكَذا سُنَّةُ اللَّهِ في الأنْبِياءِ، كَداوُدَ، فَإنَّهُ كانَ لَهُ مِائَةُ امْرَأةٍ، وسُلَيْمانَ كانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، (p-٣٩٣)﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا " مَعْناهُ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أثْنى اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ لائِمَةَ النّاسِ وقَوْلَهم فِيما أحِلَّ لَهم. وباقِي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٦]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ، قالَ النّاسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَهُ، فالمَعْنى ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ، وكانَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن رَفَعَهُ، فالمَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ؛ ومَن قَرَأ: " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ، فَمَعْناهُ: وخَتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن فَتَحَها، فالمَعْنى: آخِرُ النَّبِيِّينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَوْ لَمْ أخْتِمْ بِهِ النَّبِيِّينَ، لَجَعْلْتُ لَهُ ولَدًا يَكُونُ بَعْدَهُ نَبِيًّا.
(p-٣٩٤)(p-٣٩٥)
33:41–44Page 423
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١
O you who have believed, remember Allāh with much remembrance
وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢
And exalt Him morning and afternoon.
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣
It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.
تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤
Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.
(p-٣٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يُقالُ: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هو التَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ عَلى كُلِّ حالٍ: وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " يَقُولُ رَبُّكُمْ: أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ "» .
(p-٣٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأصِيلُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، واتَّفَقَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ بُكْرَةً: صَلاةُ الفَجْرِ.
واخْتَلَفُوا في صَلاةِ الأصِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، (p-٣٩٨)قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ، وهو قَوْلُ: " سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ "، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ في صَلاةِ اللَّهِ عَلَيْنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها رَحْمَتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: مَغْفِرَتُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: ثَناؤُهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرّابِعُ: كَرامَتُهُ، قالَهُ سُفْيانُ. والخامِسُ: بَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَفِي صَلاةِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها دُعاؤُهُمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّانِي: اسْتِغْفارُهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي الظُّلُماتِ والنُّورِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الضَّلالَةُ والهُدى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: الإيمانُ والكُفْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الجَنَّةُ والنّارُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الهاءُ والمِيمُ كِنايَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ.
فَأمّا الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ فَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: تَحِيَّتُهم مِنَ اللَّهِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ. ورَوى صُهَيْبٌ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ.» والثّانِي: تَحِيَّتُهم مِنَ المَلائِكَةِ يَوْمَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ: سَلامٌ، (p-٣٩٩)قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، وتُبَشِّرُهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ. والثّالِثُ: تَحِيَّتُهم بَيْنَهم يَوْمَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ: سَلامٌ وهو أنْ يُحَيِّيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في ذِكْرِ المَلائِكَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ لَهُ: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ، لَيْسَ مُؤْمِنٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ. فَأمّا الأجْرُ الكَرِيمُ، فَهو الحَسَنُ في الجَنَّةِ.
33:45–48Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥
O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦
And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.
وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧
And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.
وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨
And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
(p-٤٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بِالجَنَّةِ لِمَن صَدَّقَكَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ أيْ: مُنْذِرًا بِالنّارِ لِمَن كَذَّبَكَ، ﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ، لا أنَّكَ فَعَلْتَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ أيْ: أنْتَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ " سِراجًا " أيْ: كالسِّراجِ المُضِيْءِ في الظُّلْمَةِ يُهْتَدى بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ وهو الجَنَّةُ. قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَمّا أُنْزِلَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآياتُ [الفَتْحِ] قالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ قَدْ سَبَقَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ودَعْ أذاهم قالَ العُلَماءُ: مَعْناهُ: لا تُجازِهِمْ عَلَيْهِ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ؛ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
33:49Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩
O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.
(p-٤٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى (نَكَحْتُمْ) (p-٤٠٢)تَزَوَّجْتُمْ. ومَعْنى ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ تَقْرَبُوهُنَّ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَماسُّوهُنَ " بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّهُ إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ والخَلْوَةِ فَلا عِدَّةَ؛ وعِنْدَنا أنَّ الخَلْوَةَ تُوجِبُ العِدَّةَ وتُقَرِّرُ الصَّداقَ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ المُرادُ بِهِ مَن لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، لِقَوْلِهِ في (البَقَرَةِ: ٢٣٦) . ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وقَدْ بَيَّنّا المُتْعَةَ هُنالِكَ وكانَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ يَقُولانِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ أيْ: مِن غَيْرِ إضْرارٍ. وقالَ قَتادَةُ: هو طَلاقُها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ. وقالَ القاضِي أبُو يُعْلِي: الأظْهَرُ أنَّ هَذا التَّسْرِيحَ لَيْسَ بِطَلاقٍ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الطَّلاقَ، وإنَّما هو بَيانٌ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، وأنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيَتَها مِن يَدِهِ وحِبالِهِ.
فَصْلٌ
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَها؛ فَعِنْدَنا أنَّها لا تُطَلَّقُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، والشّافِعِيِّ، واسْتَدَلَّ أصْحابُنا (p-٤٠٣)بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ الطَّلاقَ بَعْدَ النِّكاحِ. وقالَ سِماكُ بْنُ الفَضْلِ: النِّكاحُ عُقْدَةٌ، والطَّلاقُ يَحُلُّها، فَكَيْفَ يَحُلُّ عُقْدَةً لَمْ تُعْقَدْ؟! فَجُعِلَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ قاضِيًا عَلى " صَنْعاءَ " . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَنْعَقِدُ الطَّلاقُ، فَإذا وُجِدَ النِّكاحُ وقَعَ. وقالَ مالِكٌ: يَنْعَقِدُ ذَلِكَ في خُصُوصِ النِّساءِ، وهو إذا كانَ في امْرَأةٍ بِعَيْنِها، ولا يَنْعَقِدُ في عُمُومِهِنَّ. فَأمّا إذا قالَ: إنْ مَلَكْتُ فُلانًا فَهو حُرٌّ، فَفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences