Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:45–88
38:45–54Page 456
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
(p-١٤٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحَمِيدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "عَبْدَنا"، إشارَةً إلى إبْراهِيمَ، وجَعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الأصْلُ وهُما ولَداهُ، والمَعْنى: اذْكُرْ صَبْرَهُمْ، فَإبْراهِيمُ أُلْقِيَ في النّارِ، وإسْحاقُ أُضْجِعَ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ وابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلُ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ كَما ابْتُلُوا.
﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَعْنِي القُوَّةَ في الطّاعَةِ ﴿والأبْصارِ﴾ البَصائِرُ في الدِّينِ والعِلْمِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذِكْرُ الأيْدِي مَثَلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بِاليَدِ البَطْشَ، وبِالبَطْشِ تُعْرَفُ قُوَّةُ القَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْقَوِيِّ: ذُو يَدٍ؛ وعَنى بِالبَصَرِ: بَصَرُ القَلْبِ، وبِهِ تَنالُ مَعْرِفَةَ الأشْياءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُولِي الأيْدِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: ولَها وجْهانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القارِئُ لِهَذا أرادَ الأيْدِيَ، فَحَذَفَ الياءَ، وهو صَوابٌ، مِثْلُ الجَوارِ والمُنادِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ والتَّأْيِيدِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهم وجَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ، فَأفْرَدْناهم بِمُفْرِدَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ؛ ثُمَّ أبانَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِالدّارِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الآَخِرَةُ. والثّانِي: الجَنَّةُ.
وَفِي الذِّكْرى قَوْلانِ.
(p-١٤٧)أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذِّكْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الآَخِرَةِ، فَلَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ. وكانَ الفُضَيْلُ ابْنُ عِياضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: هو الخَوْفُ الدّائِمُ في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّها التَّذْكِيرُ، فالمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ النّاسَ إلى الآَخِرَةِ وإلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَرَأ نافِعٌ: "بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ"، فَأضافَ "خالِصَةً" إلى "ذِكْرى الدّارِ" .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْتَمِلُ قِراءَةُ مِن نُوَّنَ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذِكْرى" بَدَلًا مِن "خالِصَةً"، والتَّقْدِيرُ: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الدّارِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ يَذْكُرُوا الدّارَ بِالتَّأهُّبِ لِلْآَخِرَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا. ومَن أضافَ، فالمَعْنى: أخْلَصْناهم بِإخْلاصِهِمْ ذِكْرى الدّارِ بِالخَوْفِ مِنها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْلَصْناهم بِأفْضَلِ ما في الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ اللَّهُ صَفْوَةً فَصَفاهم مِنَ الأدْناسِ ﴿الأخْيارِ﴾ الَّذِينَ اخْتارَهم.
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ﴾ أيِ: اذْكُرْهم بِفَضْلِهِمْ وصَبْرِهِمْ لِتَسْلُكَ طَرِيقَهم واليَسَعُ نَبِيٌّ، واسْمُهُ أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الأنْعامِ: ٨٥]، وشَرَحْنا في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٥] قِصَّةَ ذِي الكِفْلِ، وتَكَلَّمْنا في [البَقَرَةِ: ١٢٥] في اسْمِ إسْماعِيلَ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ إسْماعِيلَ هَذا لَيْسَ بِابْنِ إبْراهِيمَ.
(p-١٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾ أيْ: شَرَفٌ وثَناءٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا ﴿وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ: حُسْنُ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآَخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ المَرْجِعَ، فَقالَ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما رُفِعَتِ "الأبْوابُ" لِأنَّ المَعْنى: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ عَلى رَجُلٍ حَسَنِ العَيْنِ، وقَبِيحِ الأنْفِ، والمَعْنى: حَسَنَةٌ عَيْنُهُ، قَبِيحٌ أنْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النّازِعاتِ: ٣٩] والمَعْنى: مَأْواهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الأبْوابُ مِنها، فالألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لا لِلْبَدَلِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والفائِدَةُ في ذِكْرِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ عَنْها أنَّ أبْوابَها تُفْتَحُ لَهم بِغَيْرِ فَتْحِ سُكّانِها لَها بِيَدٍ، ولَكِنْ بِالأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: هي أبْوابُ تُكَلَّمُ، فَتُكَلَّمُ: انْفَتِحِي، انْغَلِقِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَدْ مَضى بَيانُهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
قالَ الزَّجّاجُ: والأتْرابُ: اللَّواتِي أسْنانُهُنَّ واحِدَةٌ وهُنَّ في غايَةِ الشَّبابِ والحُسْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ اللّامُ بِمَعْنى "فِي" . والنَّفادُ: الِانْقِطاعُ. قالَ السُّدِّيُّ: كُلَّما أُخِذَ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ شَيْءٌ، عادَ مِثْلُهُ.
38:55–66Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣
Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤
Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥
Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2
(p-١٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا﴾ المَعْنى: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿وَإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ﴾ والمِهادُ: الفِراشُ. ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الحَمِيمَ مُسْتَأْنِفًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ قُلْتَ: مِنهُ حَمِيمٌ، ومِنهُ غَسّاقٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ
فَأمّا الحَمِيمُ، فَهو الماءُ الحارُّ. وأمّا الغَساقُ، فَفِيهِ لُغَتانِ، قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-١٥٠)وَخَلْفٌ، وحَفْصٌ: بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [عَمَّ يَتَساءَلُونَ: ٢٥]، تابَعَهُمُ المُفَضَّلُ في ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وفي الغَساقِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: الزَّمْهَرِيرُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغَساقُ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَذُوقُوهُ مِن بَرْدِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطِيَّةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الغَساقَ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها حُمَّةُ كُلِّ ذاتِ حُمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِها، فَيَسْتَنْقِعُ، فَيُؤْتى بِالآَدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيها غَمْسَةً، فَيَخْرُجُ وقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ ولَحْمُهُ عَنِ العِظامِ، ويَجُرُّ لَحْمَهُ جَرَّ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَساقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ أبُو عُبَيْدَةَ [يَذْهَبُ] إلى أنَّ في القُرْآَنِ شَيْئًا مِن غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ، وكانَ يَقُولُ: هو اتِّفاقٌ يَقَعُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وكانَ [غَيْرُهُ] يَزْعُمُ أنَّ الغَساقَ: البارِدُ المُنْتِنُ بِلِسانِ التُّرْكِ. وقِيلَ: فَعّالٌ، مِن غَسَقَ يَغْسِقُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ عَرَبِيًّا. وقِيلَ في مَعْناهُ: إنَّهُ الشَّدِيدُ البَرْدِ، يَحْرِقُ مِن بَرْدِهِ، وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: "وَأُخَرُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فَجَمَعا لِأجْلِ نَعْتِهِ بِالأزْواجِ، وهي جَمْعٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ ومَدِّهِ عَلى التَّوْحِيدِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ العَرَبَ تَنْعِتُ الِاسْمَ إذا كانَ فِعْلًا بِالقَلِيلِ (p-١٥١)والكَثِيرِ؛ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ: عَذابُ فُلانٍ ضُرُوبٌ شَتّى، وضَرْبانِ مُخْتَلِفانِ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتِ الأزْواجَ نَعْتًا لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ والآَخِرِ، فَهُنَّ ثَلاثَةٌ، والأشْبَهُ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةٌ لِواحِدٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "وَآَخَرُ" بِالمَدِّ، فالمَعْنى: وعَذابٌ آَخَرُ ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلُ الأوَّلِ. ومَن قَرَأ: "وَأُخَرُ"، فالمَعْنى: وأنْواعٌ أُخَرُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أزْواجٌ﴾ بِمَعْنى أنْواعٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِهِ، "أزْواجٌ" أيْ: أصْنافٌ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِ الحَمِيمِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: "وَآَخَرُ مَن شَكْلِهِ": هو الزَّمْهَرِيرُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الَّذِي يَكُونُ في الدُّنْيا، قالَ: "وَآَخَرُ مِن شَكْلِهِ" أيْ: وآَخَرُ لَمْ يُرَ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾ هَذا قَوْلُ الزَّبانِيَةِ لِلْقادَةِ المُتَقَدِّمِينَ في الكُفْرِ إذا جاؤُوهم بِالأتْباعِ. وقِيلَ: بَلْ هو قَوْلُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ كُلَّما جاؤُوهم بِأُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ. والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُهُ: أفْواجٌ. والمُقْتَحِمُ: الدّاخِلُ في الشَّيْءِ رَمْيًا بِنَفْسِهِ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّهم يُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ، فَيُلْقُونَ أنْفُسَهم في النّارِ ويَثِبُونَ فِيها خَوْفًا مِن تِلْكَ المَقامِعِ. فَلَمّا قالَتْ (p-١٥٢)المَلائِكَةُ ذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، قالُوا: لا مَرْحَبًا بِهِمْ، فاتَّصَلَ الكَلامُ كَأنَّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، وإنَّما الأوَّلُ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، والثّانِي مِن قَوْلِ أهْلِ النّارِ؛ وقَدْ بَيَّنّا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٢] . والرَّحْبُ والرُّحْبُ: السِّعَةُ. والمَعْنى: لا اتَّسَعَتْ بِهِمْ مَساكِنُهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ: لا مَرْحَبًا [بِكَ] أيْ: لا رَحُبَتْ عَلَيْكَ الأرْضُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: "مَرْحَبًا وأهْلًا" أيْ: أتَيْتَ رُحْبًا، أيْ: سِعَةً، وأهْلًا، أيْ: أتَيْتَ أهْلًا لا غُرَباءَ، فائْنَسْ ولا تَسْتَوْحِشْ، وسَهْلًا، أيْ: أتَيْتَ سَهْلًا لا حُزْنًا، وهو في مَذْهَبِ الدُّعاءِ، كَما تَقُولُ، لَقِيتُ خَيْرًا. قالَ الزَّجّاجُ: و "مَرْحَبًا" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: رَحُّبَتْ بِلادُكَ مَرْحَبًا، وصادَفْتَ مَرْحَبًا، فَأُدْخِلَتْ "لا" عَلى ذَلِكَ المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى" ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ أيْ: داخِلُوها كَما دَخَلْناها، ومُقاسُونَ حَرَّها. فَأجابَهُمُ القَوْمُ، فَـ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ . إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ؛ [وَإنْ قُلْنا: إنَّهُ قَوْلُ الأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ شَرَّعْتُمْ لَنا الكُفْرَ] وبَدَأْتُمْ بِهِ قَبْلَنا، فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ.
﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾ أيْ: مَنَّ سَنَّهُ وشَرَعَهُ ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ٣٨] . وفي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: قَوْلُ الأتْباعِ. قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا﴾ يَعْنِي أهْلَ النّارِ ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا دَخَلُوا النّارَ، نَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا مَن كانَ (p-١٥٣)يُخالِفُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُ أبُو جَهْلٍ في النّارِ: أيْنَ صُهَيْبٌ، أيْنَ عَمّارُ، أيْنَ خَبّابُ، أيْنَ بِلالُ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهُمْ" بِالوَصْلِ عَلى الخَبَرِ؛ أيْ: [إنّا] اتَّخَذْناهُمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ وفَتْحِها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى أنَّهم يُوَبِّخُونَ أنْفُسَهم عَلى ما صَنَعُوا بِالمُؤْمِنِينَ. و "سُخْرِيًّا" يُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها. وقَدْ شَرَحْناها في آَخِرِ سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٠] ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ أيْ: وهم مَعَنا في النّارِ ولا نَراهُمْ؟! وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" هاهُنا بِمَعْنى "بَلْ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: [أيْ]: إنَّ الَّذِي وصَفْناهُ عَنْهم لَحَقٌّ. ثُمَّ بَيَّنَ ما هُوَ، فَقالَ: هو ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَخاصُمُ" بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ اللّامِ مِن "أهْلِ" وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "تُخاصَمَ أهْلُ" بِفَتْحِ الصّادِ والمِيمِ ورَفْعِ اللّامِ.
38:67–88Page 457
قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧
Say, "It is great news
أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨
From which you turn away.
مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩
I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].
إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠
It has not been revealed to me except that I am a clear warner."
إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١
[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢
So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣
So the angels prostrated - all of them entirely,
إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
It is but a reminder to the worlds.
وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨
And you will surely know [the truth of] its information after a time."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ. وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَةِ:٣٠]؛ والمَعْنى: إنِّي (p-١٥٥)ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ [أيْ]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ. وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .»
(p-١٥٦)(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ. وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: (p-١٥٨)فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.
(p-١٥٩)﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿نَبَأهُ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ. والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences