Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:62–75
39:62–63Page 465
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَفاتِيحُها وخَزائِنُها، لِأنَّ مالِكَ المَفاتِيحِ مالِكُ الخَزائِنِ، واحِدُها: إقْلِيدٌ، وجُمِعَ عَلى غَيْرِ واحِدٍ، كَما قالُوا: مَذاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ، ويُقالُ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. [وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ: الإقْلِيدُ: المِفْتاحُ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ]، قالَ الرّاجِزُ:
؎ لَمْ يُؤْذِها الدِّيكُ بِصَوْتِ تَغْرِيدِ ولَمْ تُعالِجْ غَلَقًا بِإقْلِيدِ
والمِقْلِيدُ: لُغَةٌ في الإقْلِيدِ، والجَمْعُ: مَقالِيدٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المَقالِيدِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الخَزائِنُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَفْسِيرُهُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في السَّمَواتِ والأرْضِ، فَهو خالِقُهُ وفاتِحٌ بابَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَفاتِيحُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، ومَفاتِيحُ الأرْضِ: النَّباتُ.
39:64–66Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
(p-١٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْمُرُونِي أعْبُدُ" مُخَفَّفَةً، غَيْرَ أنَّ نافِعًا فَتْحَ الياءَ، ولَمْ يَفْتَحْها ابْنُ عامِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تَأْمُرُونِي" بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ. وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وكَذَلِكَ أُوحِيَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُها مَجازُ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُخْبِرُ عَنِ أحَدِهِما ويَكُفُّ عَنِ الآَخَرِ،قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا أدَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَهْدِيدٍ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَ مِن دُونِهِ أنَّ الشِّرْكَ يُحْبِطُ الأعْمالَ المُتَقَدِّمَةَ كُلَّها ولَوْ وقَعَ مِن نَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ: "لَنُحْبِطَنَّ" بِالنُّونِ، "عَمَلَكَ" بِالنَّصْبِ. ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ أيْ: وحَّدَ.
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ، بَلَغَكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْمِلُ الخَلائِقَ عَلى إصْبَعٍ والأرَضِينَ عَلى إصْبَعٍ والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ؟! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ (p-١٩٦)ابْنُ مَسْعُودٍ. [وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" نَحْوَهُ في ابْنِ مَسْعُودٍ] . وقَدْ فَسَّرْنا أوَّلَ هَذِهِ الآَيَةِ في [الأنْعامِ: ٩١] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآَيَةُ في الكُفّارِ، فَأمّا مَن آَمَنَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَقَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ ويُطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكَ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟"؛» وأخْرَجا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" «يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ السَّمَواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟" .» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأرْضُ والسَّمَواتُ كُلُّها بِيَمِينِهِ.
(p-١٩٧)وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّمَواتُ قَبْضَةٌ والأرْضُونَ قَبْضَةٌ.
39:68–70Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ. وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿فَإذا هُمْ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ .
(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: أضاءَتْ. والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ. ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ. والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.
39:71–75Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّمَرِ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةِ بَعْضِهِمْ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، واحِدُها: زُمْرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أنْفُسِكم. و ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فُتِحَتْ" "وَفُتِّحَتْ" مُشَدَّدَتَيْنِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتَّخْفِيفِ.
وَفِي هَذِهِ الواوِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها واوُ الحالِ؛ فالمَعْنى: جاؤُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها، فَدَخَلَتْ (p-٢٠٠)الواوُ لِبَيانِ أنَّ الأبْوابَ كانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، وحُذِفَتْ مِن قِصَّةِ أهْلِ النّارِ لِبَيانِ أنَّها كانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ جاؤُوها وقَدْ فَتَحَتْ أبْوابَها لِيَسْتَعْجِلُوا السُّرُورَ والفَرَحَ إذا رَأوُا الأبْوابَ مُفَتَّحَةً، وأهْلُ النّارِ يَأْتُونَها وأبْوابُها مُغْلَقَةٌ لِيَكُونَ أشَدَّ لِحَرِّها، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ ابْنُ شاقْلا مِن أصْحابِنا.
والثّانِي: أنَّ الوُقُوفَ عَلى البابِ المُغْلَقِ نَوْعُ ذُلٍّ، فَصِينَ أهْلُ الجَنَّةِ عَنْهُ، وجُعِلَ في حَقِّ أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ مَشايِخِنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ وجَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بابَها مُغْلَقًا لَأثَّرَ انْتِظارُ فَتْحِهِ في كَمالِ الكَرَمِ، ومَن كَمالِ الكَرَمِ غَلْقُ بابِ النّارِ إلى حِينِ مَجِيءِ أهْلِها، لِأنَّ الكَرِيمَ يُعَجِّلُ المَثُوبَةَ، ويُؤَخِّرُ العُقُوبَةَ، وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧]؛ قالَ المُصَنِّفُ: هَذا وجْهٌ خَطِرٌ لِي.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الواوَ زِيدَتْ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، والعَرَبُ تَعْطِفُ في العَدَدِ بِالواوِ عَلى ما فَوْقَ السَّبْعَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢]، حَكى هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. وفي تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها. . . . .﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ. . . . سَعِدُوا، قالَهُ المُبَرِّدُ. والثّانِي: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٠١)﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ . . . . دَخَلُوها، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَوابُ: قالَ لَهم خَزَنَتُها، والواوُ زائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، قالَ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎ فَإذا وذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ إلّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
أيْ: فَإذا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: الجَوابُ: حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها، والواوُ زائِدَةٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ﴾ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهم إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً يَخْرُجُ مِن تَحْتِ ساقِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَلا يَبْقى في بُطُونِهِمْ أذًى ولا قَذًى إلّا خَرَجَ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَغْبَرُّ جُلُودُهم ولا تَشْعَّثُ أشْعارُهم أبَدًا، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى بابِ الجَنَّةِ قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ خَزَنَتُها: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾، رَواهُ عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ٤٤] نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طابَ لَكم (p-٢٠٢)المَقامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهم طُيِّبُوا قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بِالمَغْفِرَةِ، واقْتَصَّ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَلَمّا هُذِّبُوا قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: طِبْتُمْ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَلَمّا دَخَلُوها قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ أرْضِ الجَنَّةِ ( نَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ ) أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ. وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأُمَمِ، فَيَنْزِلُونَ مِنها حَيْثُ شاؤُوا، ثُمَّ تَنْزِلُ الأُمَمُ بَعْدَهم فِيها فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ"؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيْ: نَعْمَ ثَوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنْيا الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ: إذا أحْدَقُوا بِهِ؛ ودَخَلَتْ "مِن" لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَسْبَحُونَ بِالحَمْدِ لَهُ حَيْثُ دَخَلَ المُوَحِّدُونَ الجَنَّةَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّسْبِيحُ هاهُنا بِمَعْنى الصَّلاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى إنْعامِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ابْتَدَأ اللَّهُ ذِكْرَ الخَلْقِ بِالحَمْدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-٢٠٣)خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وخَتَمَ غايَةَ الأمْرِ -وَهُوَ اسْتِقْرارُ الفَرِيقَيْنِ في مَنازِلِهِمْ- بِالحَمْدِ لِلَّهِ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَنَبَّهْ عَلى تَحْمِيدِهِ في بِدايَةِ كُلِّ أمْرٍ وخاتِمَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences