Ibn al-JawziAn‑Nisa · 4:100–113

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:100–113

4:100Page 94

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمّا يَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُراغَمُ والمُهاجِرُ: واحِدٌ، يُقالُ: راغَمْتُ وهاجَرْتُ، وأصْلُهُ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ، خَرَجَ عَنْ قَوْمِهِ مُراغِمًا، أيْ: مُغاضِبًا لَهم، ومُهاجِرًا، أيْ: مُقاطِعًا مِنَ الهُجْرانِ، فَقِيلَ لِلْمَذْهَبِ: مُراغَمُ، ولِلْمَصِيرِ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ هِجْرَةٌ، لِأنَّها كانَتْ بِهِجْرَةِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ. [قالَ الجَعْدِيُّ: عَزِيزُ المُراغَمِ والمَذْهَبِ] .

وَفِي السِّعَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها السِّعَةُ في الزِّرْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: التَّمَكُّنُ مِن إظْهارِ الدِّينِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ (p-١٨٠)نَزَلَ في رَجُلٍ خَرَجَ مُهاجِرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وكانَ ضَرِيرًا مُوسِرًا، فَقالَ: احْمِلُونِي فَحُمِلَ وهو مَرِيضٌ، فَماتَ عِنْدَ التَّنْعِيمِ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ الخُزاعِيُّ أمْرَ أهْلَهُ أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى سَرِيرِهِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ، ماتَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ابْنُ ضَمْرَةَ الجَنْدَعِيُّ مَرِضَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: أخْرَجُونِي مِن مَكَّةَ، فَقَدْ قَتَلَنِي غَمُّها، فَقالُوا: أيْنَ؟ فَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ، يُرِيدُ الهِجْرَةَ، فَخَرَجُوا بِهِ، فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ اسْمَهُ سَبْرَةُ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ قالَ لِأهْلِهِ وهو مَرِيضٌ: احْمِلُونِي، فَإنِّي (p-١٨١)مُوسِرٌ، ولِي مِنَ المالِ ما يُبَلِّغُنِي إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا جاوَزَ الحَرَمَ، ماتَ. فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ هاجَرَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنهُ قَوْمُهُ، فَقالُوا: لا هو بَلَغَ ما يُرِيدُ، ولا أقامَ في أهْلِهِ حَتّى يُدْفَنَ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ خالِدُ بْنُ حِزامِ أخُو حَكِيمِ بْنِ حِزامِ، خَرَجَ مُهاجِرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ، ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكارٍ، وقَوْلُهُ: "وَقَعَ" مَعْناهُ: وجَبَ.

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ رَوى مُجاهِدٌ، عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَسْفانَ، وعَلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، [قالَ]: فَصَلَّيْنا الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أصَبْنا غِرَّةً، لَوْ كُنّا حَمْلَنا عَلَيْهِمْ وهم في الصَّلاةِ، فَنَزَلَتْ آَيَةُ القَصْرِ فِيما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.» و "الضَّرْبُ في الأرْضِ": السَّفَرُ، و"الجُناحُ": الإثْمُ، و "القَصْرُ": النَّقْصُ، و "الفِتْنَةُ": القَتْلُ. وفي القَصْرِ قَوْلانِ. (p-١٨٢)أحَدُهُما: أنَّهُ القَصْرُ مِن عَدَدِ الرَّكَعاتِ.

والثّانِي: أنَّهُ القَصْرُ مِن حُدُودِها. وظاهِرُ الآَيَةُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الخَوْفِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآَيَةُ عَلى غالِبِ أسْفارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأكْثَرِها لَمْ يَخْلُ عَنْ خَوْفِ العَدُوِّ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ كَلامٌ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، ومَعْناهُ: وإنْ خِفْتُمْ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ صَلاةُ المُسافِرِ رَكْعَتَيْنِ مَقْصُورَةٌ أمْ لا؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَيْسَتْ مَقْصُورَةً، وإنَّما فَرْضُ المُسافِرِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ (p-١٨٣)عَبْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وأبِي حَنِيفَةَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ قَصْرُ الصَّلاةِ أنْ تَكُونَ رَكْعَةً ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بِوُجُودِ السَّفَرِ والخَوْفِ، لِأنَّ عِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَوْفُ تَمامٍ غَيْرِ قَصْرٍ، واحْتَجُّوا بِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِذِي قِرْدٍ، فَصُفَّ النّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، صَفًّا خَلْفَهُ، وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ، إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ولَمْ يَقْضُوا.» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً.»

والثّانِي: أنَّها مَقْصُورَةٌ، ولَيْسَتْ بِأصْلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُوسَ، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ. «قالَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: عَجِبَتُ مِن قَصْرِ النّاسِ اليَوْمَ، وقَدْ أمِنُوا، وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ فَقالَ عُمْرُ: عَجِبْتُ (p-١٨٤)مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصْدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ.»

فَصْلٌ

وَإنَّما يَجُوزُ لِلْمُسافِرِ القَصْرُ إذا كانَ سَفَرُهُ مُباحًا، وبِهَذا قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهُ القَصْرُ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ. فَأمّا مُدَّةُ الإقامَةِ الَّتِي إذا نَواها أتَمَّ الصَّلاةَ، وإنْ نَوى أقَلَّ مِنها، قَصَرَ، فَقالَ أصْحابُنا: إقامَةُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ صَلاةً. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: أرْبَعَةُ أيّامٍ.

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ، وأصْحابَهُ قَدْ صَلُّوُا الظُّهْرَ، نَدِمُوا إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: دَعُوهم فَإنَّ لَهم صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آَبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، يَعْنُونَ العَصْرَ، فَإذا قامُوا فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا قامُوا إلى صَلاةِ العَصْرِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ صَلاةُ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، والهاءُ والمِيمُ مِن "فِيهِمْ" تَعُودُ عَلى الضّارِبِينَ في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيِ: ابْتَدَأْتُها، ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ أيْ: لِتَقِفَ. ومِثْلُهُ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠] .

﴿وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الباقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ مَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ: وهَذا السِّلاحُ كالسَّيْفِ، يَتَقَلَّدُهُ الإنْسانُ، والخِنْجَرُ يَشُدُّهُ إلى ذِراعِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يَعْنِي: المُصَلِّينَ مَعَهُ (فَلْيَكُونُوا) في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، أمَرَتْ أنْ تَحْرُسَ الطّائِفَةَ المُصَلِّيَةَ، (p-١٨٦)وَهَذا مَعْنى قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ مَعَهُ أمَرُوا إذا سَجَدُوا أنْ يَنْصَرِفُوا إلى الحَرَسِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ كَيْفَ يَنْصَرِفُونَ بَعْدَ السُّجُودِ، فَقالَ قَوْمٌ: إذا أتَمُّوا مَعَ الإمامِ رَكْعَةً أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، وانْصَرَفُوا، وقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهم.

وَقالَ آَخَرُونَ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ رَكْعَةٍ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا صَلَّوْا مَعَ الإمامِ رَكْعَةً وسَلَّمُوا، فَهي تُجْزِئُهم. وقالَ آَخَرُونَ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَنْصَرِفُونَ عَنْ تِلْكَ الرَّكْعَةِ إلى الحَرَسِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ، فَيَكُونُونَ في وجْهِ العَدُوِّ مَكانَ الطّائِفَةِ الأُخْرى الَّتِي لَمْ تُصَلِّ وتَأْتِي تِلْكَ الطّائِفَةُ. واخْتَلَفُوا في الطّائِفَةِ الأُخْرى، فَقالَ قَوْمٌ: إذا صَلّى بِهِمُ الإمامُ أطالَ التَّشَهُّدَ حَتّى يَقْضُوا الرَّكْعَةَ الفائِتَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِها، وقالَ آَخَرُونَ: بَلْ يُسَلِّمُ هو عِنْدَ فَراغِهِ مِنَ الصَّلاةِ بِهِمْ، فَإذا سَلَّمَ قَضَوْا ما فاتَهم. وقالَ آَخَرُونَ: بَلْ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ رَكْعَةً، ويُسَلِّمُ هو، ولا تُسَلِّمُ هي، بَلْ تَرْجِعُ إلى وجْهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَجِيءُ الأُولى، فَتَقْضِي ما بَقِيَ مِن صَلاتِها وتُسَلِّمُ، وتَمْضِي وتَجِيءُ الأُخْرى، فَتُتِمُّ صَلاتُها، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. (p-١٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ صَلَّوْا أوَّلًا. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ وِجاهَ العَدُوِّ، لِأنَّ المُصَلِّيَ غَيْرُ مُقاتِلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَماعَةُ أمَرُوا بِحَمْلِ السِّلاحِ، لِأنَّهُ أرْهِبُ لِلْعَدُوِّ، وأحْرى أنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِمْ. و "الجُناحُ" الإثْمُ، وهو مِن: جَنَحْتُ: إذا عَدَلْتُ عَنِ المَكانِ، وأخَذَتُ جانِبًا عَنِ القَصْدِ. والمَعْنى: أنَّكم إذا وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم، لَمْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رُخِّصَ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ لِثِقَلِها عَلى المَرِيضِ وفي المَطَرِ، وقالَ: خُذُوا حِذْرَكم كَيْ لا يَتَغَفَّلُوكم.

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي: صَلاةُ الخَوْفِ، و "قَضَيْتُمْ" بِمَعْنى: فَزِعْتُمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ لِلَّهِ في غَيْرِ الصَّلاةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والجُمْهُورِ. قالُوا: وهو التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِيرُ، والدُّعاءُ، والشُّكْرُ.

(p-١٨٨)والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَصَلُّوا قِيامًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَقُعُودًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَعَلى جَنُوبِكم، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وفي المُرادِ بِالطُّمَأْنِينَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الرُّجُوعُ إلى الوَطَنِ عَنِ السَّفَرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ الأمْنُ بَعْدَ الخَوْفِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.

وَفِي إقامَةِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إتْمامُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ إقامَةُ رُكُوعِها وسُجُودِها، وما يَجِبُ فِيها مِمّا قَدْ يُتْرَكُ في حالَةِ الخَوْفِ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ أيْ: فَرْضًا. وفي "المَوْقُوتِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: المَفْرُوضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ المُوَقَّتُ في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرَ أصْحابَهِ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ أنْ يَسِيرُوا في أثَرِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، فَشَكَوا ما بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "تَهِنُوا": تَضْعُفُوا، يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ: إذا ضَعُفَ، وكُلُّ ضَعْفٍ فَهو وهَنٌ. وابْتَغى القَوْمَ: طَلَبَهم بِالحَرْبِ. و "القَوْمُ" هاهُنا: الكُفّارُ ﴿إنْ (p-١٨٩)تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ أيْ: تُوجِعُونَ، فَإنَّهم يَجِدُونَ مِنَ الوَجَعِ بِما يَنالُهم مِنَ الجِراحِ والتَّعَبِ، كَما تَجِدُونَ، وأنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَرْجُونَ ما لا يَرْجُونَ. وفي هَذا الرَّجاءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الأمَلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو إجْماعُ أهْلِ اللُّغَةِ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ الخَوْفُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ بِمَعْنى: الرَّجاءِ إلّا ومَعَهُ جَحَدَ، [فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْفُ عَلى جِهَةِ الرَّجاءِ والخَوْفِ وكانَ الرَّجاءُ كَذَلِكَ] كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحٍ: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثِيَةِ: ١٤]، قالَ الشّاعِرُ:

؎ لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الزّائِدا أسَبْعَةٌ لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدًا

وَقالَ الهُذَلِيُّ:

؎ إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ

وَلا يَجُوزُ رَجَوْتُكَ وأنْتَ تُرِيدُ خِفْتُكَ، ولا خِفْتُكَ وأنْتَ تُرِيدُ رَجَوْتُكَ

(p-١٩٠)قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما اشْتَمَلَ الرَّجاءُ عَلى مَعْنى الخَوْفِ، لِأنَّهُ أمَلٌ قَدْ يُخافُ أنْ لا يَتِمَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: تَرْجُونَ النَّصْرَ وإظْهارَ دِينِكم والجَنَّةِ. وعَلى الثّانِي تَخافُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا يَخافُونَ.

4:105Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعًا لقَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ، وكانَ الدِّرْعُ في جِرابٍ فِيهِ دَقِيقٌ، فَجَعَلَ الدَّقِيقَ يَنْتَشِرُ مِن خَرْقِ الجِرابِ، حَتّى انْتَهى إلى الدّارِ، ثُمَّ خَبَّأها عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، فالتَمَسْتُ الدِّرْعَ عِنْدَ طُعْمَةَ، فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ، وحَلِفَ: ما لِي بِها عُلِمٌ، فَقالَ أصْحابُها: بَلى واللَّهِ، لَقَدْ دَخَلَ عَلَيْنا فَأخَذَها، وطَلَبْنا أثَرَهُ حَتّى دَخَلَ دارَهُ، فَرَأيْنا أثَرَ الدَّقِيقِ، فَلمّا حَلِفَ تَرَكُوهُ، واتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ حَتّى انْتَهَوْا إلى مَنزِلِ اليَهُودِيِّ فَأخَذُوهُ، فَقالَ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ، فَقالَ قَوْمُ طُعْمَةَ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِيُجادِلْ عَنْ صاحِبِنا فَإنَّهُ بَرِيءٌ، فَأتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ، وأنْ يُعاقِبَ اليَهُودِيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ كُلُّها.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، اسْتَوْدَعَ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا، فَخانَها، فَلَمّا خافَ اطِّلاعَهم عَلَيْها، ألْقاها في دارِ أبُو مُلَيِّلٍ الأنْصارِيُّ، فَجادَلَ قَوْمُ طُعْمَةَ عَنْهُ، وأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَسَألُوهُ أنَّ يُبَرِّئَهُ، ويَكْذِبَ اليَهُودِيَّ، فَنَزَلَتِ الآَياتُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومُقاتِلٌ. (p-١٩١)والثّالِثُ: «أنَّ مَشْرُبَةَ رَفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ نَقَبَتْ، وأخَذَ طَعامَهُ وسِلاحَهُ، فاتَّهَمَ بِهِ بَنُو أُبَيْرِقٍ، وكانُوا ثَلاثَةً بَشِيرًا، ومُبَشِّرًا، وبِشْرًا، فَذَهَبَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا فِيهِمْ جَفاءُ نَقَبُوا مَشْرُبَةَ لِعَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وأخَذُوا سِلاحَهُ، وطَعامَهُ، فَقالَ: انْظُرْ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ قَوْمٌ مِن قَوْمِ بَنِي أُبَيْرِقٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ، وعَمَّهُ، عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ وهم أهْلُ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ، فَقالَ النَّبِيُّ لقَتادَةَ: رَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ.» قالَهُ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ.

والكِتابُ: القُرْآَنُ. والحَقُّ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ.

﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾: أيْ: لِتَقْضِيَ بَيْنَهم.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي عَلَّمَهُ، والَّذِي عَلَّمَهُ أنْ لا يَقْبَلَ دَعْوى أحَدٍ عَلى أحَدٍ إلّا بِبُرْهانٍ. والثّانِي: أنَّهُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهادُهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. (p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تَكُنْ مُخاصِمًا، ولا دافِعًا عَنْ خائِنٍ. واخْتَلَفُوا هَلْ خاصَمَ عَنْهُ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قامَ خَطِيبًا فَعَذَرَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَفْعَلْهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآَيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ في إثْباتِ حَقٍّ أوْ نَفْيِهِ، وهو غَيْرُ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ أمْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عاتَبَ نَبِيَّهُ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ.

4:106Page 96

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ في الَّذِي أمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامُ بِعُذْرِهِ. والثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ عَلى ذَلِكَ.

4:107–108Page 96

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: يَخُونُونَ أنْفُسَهم، فَيَجْعَلُونَها خائِنَةً بِارْتِكابِ الخِيانَةِ. قالَ عِكْرِمَةُ: والمُرادُ بِهِمْ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وقَوْمُهُ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْهُ. وفي حَدِيثِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن عَشِيرَةِ طُعْمَةَ لَيْلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ. و "الِاسْتِخْفاءُ": الِاسْتِتارُ، والمَعْنى: يَسْتَتِرُونَ مِنَ النّاسِ لِئَلّا يَطَّلِعُوا عَلى خِيانَتِهِمْ وكَذِبِهِمْ، ولا يَسْتَتِرُونَ مِنَ اللَّهِ، وهو مَعَهم بِالعِلْمِ. وكُلُّ ما فَكَّرَ فِيهِ، أوْ خِيضَ فِيهِ بِلَيْلٍ، فَقَدْ بَيَّتَ. وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِالِاسْتِخْفاءِ، والتَّبْيِيتِ، قَوْمُ طُعْمَةَ.

والَّذِي بَيَّتُوا: احْتِيالَهم في بَراءَةِ صاحِبِهِمْ بِالكَذِبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو السّارِقُ نَفْسُهُ، والَّذِي بَيَّتَ أنَّهُ قالَ: ارْمِ اليَهُودِيَّ بِأنَّهُ سارِقُ الدِّرْعِ، واحْلِفْ أنِّي لَمْ أسْرِقْها، فَتُقَبِّلْ يَمِينِيَّ، ولا تُقَبِّلْ يَمِينَ اليَهُودِيِّ.

4:109Page 96

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "ها" لِلتَّنْبِيهِ، وأُعِيدَتْ في أوَّلِهِ. والمَعْنى: ها أنْتُمُ الَّذِينَ جادَلْتُمْ. و "المُجادَلَةُ، والجِدالُ": شِدَّةُ المُخاصَمَةِ، و "الجَدَلُ": شِدَّةُ الفَتْلِ. والكَلامُ يَعُودُ إلى مَنِ احْتَجَّ عَنِ السّارِقِ. فَأمّا قَوْلُهُ: "عَنْهُمْ" فَإنَّهُ عائِدٌ إلى السّارِقِ. و " عَلَيْهِمْ" بِمَعْنى: "لَهُمْ" . و "الوَكِيلُ": القائِمُ بِأمْرٍ مِن وكَّلَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَنِ الَّذِي يَتَوَكَّلُ لَهم مِنكم في خُصُومَةِ رَبِّهِمْ؟! .

4:110Page 96

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

(p-١٩٤)أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ خِطابًا لِلسّارِقِ، وعَرْضًا لِلتَّوْبَةِ عَلَيْهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلَّذِينِ جادَلُوا عَنْهُ مِن قَوْمِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَنى بِها كُلَّ مُسِيءٍ مُذْنِبٍ. ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وإطْلاقُها لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ. وفي هَذا السُّوءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السَّرِقَةُ. والثّانِي: الشِّرْكُ. والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما يَأْثَمُ بِهِ. وفي هَذا الظُّلْمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ رُمِيَ البَرِيءُ بِالتُّهْمَةِ. والثّانِي: ما دُونُ الشِّرْكِ.

4:111Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ أيْ: ومَن يَعْمَلُ ذَنْبًا ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: إنَّما يَعُودُ وبالُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهَذِهِ في طُعْمَةَ أيْضًا.

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّها نَزَلَتْ مُتَعَلِّقَةً (p-١٩٥)بِقِصَّةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ إذْ رَمى عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ بِالإفْكِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ "الخَطِيئَةَ" يَمِينُ السّارِقِ الكاذِبَةِ، و "الإثْمُ": سَرِقَتُهُ الدِّرْعَ، ورَمْيُهُ اليَهُودِيَّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّ "الخَطِيئَةَ" ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الذَّنْبِ، و "الإثْمُ": قَذْفُهُ البَرِيءَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ "الخَطِيئَةَ" قَدْ تَقَعُ عَنْ عَمْدٍ، وقَدْ تَقَعُ عَنْ خَطَإٍ، و "الإثْمُ": يَخْتَصُّ العَمْدَ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ: أنَّ الخَطِيئَةَ نَحْوُ قَتْلِ الخَطَإ الَّذِي يَرْتَفِعُ فِيهِ الإثْمُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا سَمّى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ المَعاصِي خَطِيئَةً، وبَعْضُها إثْمًا، أعْلَمُ أنَّ مَن كَسَبَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ أحَدُ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ثُمَّ قَذَفَ بِهِ بَرِيئًا، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ أيْ: يَقْذِفُ بِما جَناهُ بَرِيئًا مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: الخَطِيئَةُ والإثْمُ اثْنانِ، فَكَيْفَ قالَ: بِهِ، فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ: ثُمَّ يَرِمِ بِهِما، فاكْتَفى بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى الإثْمِ مِن إعادَتِهِ عَلى الخَطِيئَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ فَخَصَّ التِّجارَةَ، والمَعْنى: لِلتِّجارَةِ واللَّهْوِ.

والثّانِي: أنَّ "الهاءَ" تَعُودُ عَلى الكَسْبِ، فَلَمّا دَلَّ بِـ "يَكْسِبُ" عَلى الكَسْبِ، كَنّى عَنْهُ. والثّالِثُ: أنَّ "الهاءَ" راجِعَةٌ عَلى مَعْنى الخَطِيئَةِ والإثْمِ، كَأنَّهُ قالَ: ومَن يَكْسِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَرِمِ بِهِ. ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ. ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى الإثْمِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالبَرِيءِ: الَّذِي قَذَفَهُ هَذا السّارِقُ قَوْلانِ. (p-١٩٦)أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَمّاهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: زَيْدَ بْنَ السَّمِيرِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُسْلِمِ، فَقالَ: الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو عائِشَةُ لَمّا قَذَفَها ابْنُ أُبَيٍّ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ: هو لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ. وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: هو أبُو مُلَيِّلٍ الأنْصارِيُّ. فَأمّا البُهْتانُ: فَهو الكَذِبُ الَّذِي يُحَيِّرُ مِن عِظَمِهِ، يُقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ: إذا تَحَيَّرَ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا بِرَمْيِهِ البَرِيءَ، وإثْمًا مُبِينًا بِيَمِينِهِ الكاذِبَةِ.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقِصَّةِ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ لَبَّسُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْرَ صاحِبِهِمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ السّائِبِ.

والثّانِي: «أنَّ وفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: جِئْناكَ نُبايِعُكَ عَلى أنْ لا نَحْشِرَ ولا نَعْشِرَ، وعَلى أنَّ تُمَتِّعَنا بِالعُزّى سَنَةً، فَلَمْ يُجِبْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

وَفِي المُرادِ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ. والثّانِي: الإسْلامُ والقُرْآَنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١٩٧)قالَ مُقاتِلٌ: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيْثُ بَيَّنَ لَكَ أمْرَ طُعْمَةَ، وحَوَّلَكَ بِالقُرْآَنِ عَنْ تَصْدِيقِ الخائِنِ؛ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لَقَدْ هَمَّتْ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ﴾ وقَدْ هَمَّتْ بِإضْلالِهِ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ، لَظَهَرَ تَأْثِيرُ ما هَمُّوا بِهِ. فَأمّا الطّائِفَةُ، فَعَلى رِوايَةِ ابْنِ السّائِبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَوْمُ طُعْمَةَ، وعَلى رِوايَةِ الضَّحّاكِ: وفْدُ ثَقِيفٍ.

وَفِي الإضْلالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: التَّخْطِئَةُ في الحُكْمِ. والثّانِي: الِاسْتِزْلالُ عَنِ الحَقِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم، لِأنَّهم يَعْمَلُونَ عَمَلَ الضّالِّينَ، فَيَرْجِعُ الضَّلالُ إلَيْهِمْ. فَأمّا "الكِتابُ"، فَهو القُرْآَنُ.

وَفِي "الحِكْمَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القَضاءُ بِالوَحْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بَيانُ ما في الكِتابِ، وإلْهامُ الصَّوابِ، وإلْقاءُ صِحَّةِ الجَوابِ في الرَّوْعِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّرْعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ والآَخَرِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّالِثُ: الكِتابُ والحِكْمَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المِنَّةُ بِالإيمانِ. والثّانِي: المِنَّةُ بِالنُّبُوَّةِ، هَذانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ الفَضْلِ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском