Ibn al-JawziAn‑Nisa · 4:147–167

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:147–167

4:147Page 101

مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧

What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ "ما": حَرْفُ اسْتِفْهامٍ ومَعْناهُ: التَّقْرِيرُ، (p-٢٣٦)أيْ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ الشّاكِرَ المُؤْمِنَ، ومَعْنى الآَيَةِ: ما يَصْنَعُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ نِعَمَهُ، وآَمَنتُمْ بِهِ وبِرَسُولِهِ. والإيمانُ مُقَدَّمٌ في المَعْنى وإنْ أُخِّرَ في اللَّفْظِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ: التَّوْحِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ أيْ: لِلْقَلِيلِ مِن أعْمالِكم، عَلِيمًا بِنِيّاتِكم، وقِيلَ: شاكِرًا، أيْ: قابِلًا.

4:148Page 102

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.

أحَدُهُما: أنَّ ضَيْفًا تَضَيَّفَ قَوْمًا فَأساؤُوا قِراهُ فاشْتَكاهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ رُخْصَةً في أنْ يَشْكُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

(p-٢٣٧)والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا نالَ مِن أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ والنَّبِيُّ ﷺ حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ لَهُ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتَ عَلَيْهِ قُمْتُ؟! فَقالَ: "إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلِمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ، ذَهَبَ المَلِكُ، وجاءَ الشَّيْطانُ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٌ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ (إلّا مَن ظَلَمَ) فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الظّاءِ، وكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو رَجاءٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، بِفَتْحِهِما. (p-٢٣٨)فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا أنْ يَدْعُوَ المَظْلُومُ عِلَّةً مِن ظُلْمِهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْخَصَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: إلّا أنْ يَنْتَصِرَ المَظْلُومُ مِن ظالِمِهِ، قالَهُ الحُسْنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: إلّا أنْ يُخْبِرَ المَظْلُومُ بِظُلْمِ مَن ظَلَمَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: إلّا أنْ يَجْهَرَ الضَّيْفُ بِذَمِّ مَن لَمْ يُضَيِّفْهُ. فَأمّا قِراءَةُ مَن فَتَحَ الظّاءَ، فَقالَ ثَعْلَبٌ: هي مَرْدُودَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ إلّا مَن ظَلَمَ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيها قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إلّا أنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ ظُلْمًا.

والثّانِي: إلّا أنْ تَجْهَرُوا بِالسُّوءِ لِلظّالِمِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ "إلّا" في هَذا المَكانِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْناها: لَكِنَّ المَظْلُومَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ. ولَكِنَّ الظّالِمَ قَدْ يَجْهَرُ لَهُ بِالسُّوءِ، فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلّا مَن ظَلَمَ، أيْ: أقامَ عَلى النِّفاقِ، فَيَجْهَرُ لَهُ بِالسُّوءِ حَتّى يَنْزِعَ.

(p-٢٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ أيْ: لِما تَجْهَرُونَ بِهِ مِن سُوءِ القَوْلِ (عَلِيمًا) بِما تُخْفُونَ. وقِيلَ: سَمِيعًا لِقَوْمِ المَظْلُومِ، عَلِيمًا بِما في قَلْبِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، . ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ وقالَ الحَسَنُ: مَن ظُلِمَ فَقَدْ رُخِّصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي، اللَّهُمَّ حِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ.

4:149Page 102

إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَبْدُوا خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ. وأكْثَرُهم عَلى أنَّ "الهاءَ" في "تُخْفُوهُ" تَعُودُ إلى الخَيْرِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: تَعُودُ إلى السُّوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: أيْ: لَمْ يَزَلْ ذا عَفْوٍ مَعَ قُدْرَتِهِ، فاعْفُوا أنْتُمْ مَعَ القُدْرَةِ.

4:150Page 102

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠

Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ. (p-٢٤٠)أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِمُوسى، وعُزَيْرٍ، والتَّوْراةِ، ويَكْفُرُونَ بِعِيسى، والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ، والقُرْآَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، آَمَنَ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى، وآَمَنَ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ، ولا يَصِحُّ الإيمانُ بِهِ والتَّكْذِيبُ بِرُسُلِهِ أوْ بِبَعْضِهِمْ ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، وتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضٍ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: مَذْهَبًا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دِينًا يَدِينُونَ بِهِ.

4:151–152Page 102

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢

But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ ذَكَرَ "الحَقَّ" هاهُنا: تَوْكِيدًا لِكُفْرِهِمْ إزالَةً لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ إيمانَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ يُزِيلُ عَنْهُمُ اسْمَ الكَفْرِ.

4:153Page 102

يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢٤١)أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُنْزِلَ كِتابًا عَلَيْهِمْ خاصَّةً، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أتَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: لا نُبايِعُكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وإلى فُلانٍ بِكِتابٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنَّ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ مَكْتُوبًا كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، هَذا قَوْلُ القُرَظِيِّ، والسُّدِّيِّ.

وَفِي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اليَهُودُ والنَّصارى. والثّانِي: اليَهُودُ.

وَفِي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كِتابٌ مَكْتُوبٌ غَيْرُ القُرْآَنِ.

والثّانِي: كِتابٌ بِتَصْدِيقِهِ في رِسالَتِهِ، وقَدْ بَيَّنّا في (البَقَرَةِ) مَعْنى سُؤالِهِمْ رَؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، واتِّخاذِهُمُ العِجْلَ. و "البَيِّناتِ": الآَياتُ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ، و "ثُمَّ" تَقْتَضِي التَّراخِيَ، والتَّأخُّرَ، أفَكانَ اتِّخاذُ العِجْلِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً"؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدَهُنَّ: أنْ تَكُونَ "ثُمَّ" مَرْدُودَةٌ عَلى فِعْلِهِمُ القَدِيمِ، والمَعْنى: وإذْ وعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخالَفُوا أيْضًا، ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً في المَعْنى، مُؤَخَّرَةً في اللَّفْظِ، والتَّقْدِيرِ: فَقَدِ اتَّخَذُوا العِجْلَ، ثُمَّ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. ومِثْلُهُ ﴿فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٢٨] المَعْنى: فَألْقِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ انْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم.

(p-٢٤٢)والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ثُمَّ كانُوا اتَّخَذُوا العِجْلَ، فَأضْمَرَ الكَوْنَ.

والرّابِعُ: أنَّ "ثُمَّ" مَعْناها التَّأْخِيرُ في الإخْبارِ، والتَّقْدِيمُ في الفِعْلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: شَرِبْتُ الماءَ، ثُمَّ أكَلْتُ الخُبْزَ، يُرِيدُ: شَرِبْتُ الماءَ، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنِّي أكَلْتُ الخُبْزَ بَعْدَ إخْبارِي بِشُرْبِ الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَمْ نَسْتَأْصِلْ عَبَدَةَ العِجْلِ. و "السُّلْطانُ المُبِينُ": الحُجَّةُ البَيِّنَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اليَدُ والعَصا. وقالَ غَيْرُهُ: الآياتُ التِّسْعُ.

4:154Page 102

وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِما أعْطَوُا اللَّهَ مِنَ العَهْدِ، و "المِيثاقِ": لَيَعْمَلُنَّ بِما في التَّوْراةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ قَرَأ نافِعٌ: لا تَعْدُّوا، بِتَسْكِينِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الدّالِ، ورَوى عَنْهُ ورْشٌ "تَعَدُّوا" بِفَتْحِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ "تَعْدُوا" خَفِيفَةً، وكُلُّهم ضَمَّ الدّالَ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا وغَيْرَهُ في (البَقَرَةِ) و "المِيثاقُ الغَلِيظُ": العَهْدُ المُؤَكَّدُ.

4:155Page 103

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥

And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2

(p-٢٤٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "ما": صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، وهو أنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ يُبَيِّنُوا ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرَهُ. والجالِبُ لِلْباءِ العامِلُ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ أيْ: بِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والأشْياءَ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَهُ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ (فَبِما نَقْضِهِمْ ﴾، وجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم عَلى كُفْرِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّبْعُ: الخَتْمُ و [مِن ذَلِكَ] طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِ الكافِرِ [كَأنَّهُ] خَتَمَ [عَلَيْهِ حَتّى لا يَصِلَ إلَيْهِ هُدًى ولا نُورٌ] فَلَمْ يُوَفَّقْ لِخَيْرٍ، والطّابَعُ: الخاتَمُ يُخْتَمُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَلا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: المَعْنى: إيمانُهم قَلِيلٌ. وهو قَوْلُهُمْ: رَبُّنا اللَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

4:156Page 103

وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ في إعادَةِ ذِكْرِ الكُفْرِ فائِدَةٌ. وفِيها قَوْلانِ.

(p-٢٤٤)أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: وبِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وبِكُفْرِهِمْ بِالمَسِيحِ، وقَدْ بَشَّرُوا بِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا "البُهْتانُ" فَهو في قَوْلِ الجَماعَةِ: قَذْفُهم مَرْيَمَ بِالزِّنى.

4:157–158Page 103

وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨

Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بِاعْتِرافِهِمْ بِقَتْلِهِمْ إيّاهُ، وما قَتَلُوهُ، يُعَذَّبُونَ عَذابَ مِن قَتَلَ، لِأنَّهم قَتَلُوا الَّذِي قَتَلُوا عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ وفي قَوْلِهِ: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلى زَعْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ، لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ.

وَفِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْضُ مَن أرادَ قَتْلَهُ مِنَ اليَهُودِ. رَوى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا اجْتَمَعَتْ عَلى قَتْلِ عِيسى، أدْخَلَهُ جِبْرِيلُ خَوْخَةً لَها رَوْزَنَةٌ، ودَخَلَ وراءَهُ رَجُلٌ مِنهم، فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى، فَلَمّا خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ، قَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ عِيسى، ثُمَّ صَلَبُوهُ، وبِهَذا قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ عِيسى، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عِيسى خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ لَمّا أرادَ اللَّهُ رَفْعَهُ، فَقالَ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ (p-٢٤٥)شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكانِي، ويَكُونُ في دَرَجَتِي؟ فَقامَ شابٌّ، فَقالَ: أنا، فَقالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ القَوْلَ، فَقامَ الشّابُّ، فَقالَعِيسى: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ، فَقالَ الشّابُّ: أنا، فَقالَ: نَعَمْ أنْتَ ذاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى، وجاءَ اليَهُودُ، فَأخَذُوا الرَّجُلَ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ. وبِهَذا القَوْلِ قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في المُخْتَلِفِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في هاءِ "فِيهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ، فاخْتَلَفُوا هَلْ قَتَلُوهُ أمْ لا؟ .

وَفِي سَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا قَتَلُوا الشَّخْصَ المُشَبَّهَ كانَ الشَّبَهُ قَدْ أُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ دُونَ جَسَدِهِ، فَقالُوا: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا عِيسى، فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وإنْ كانَ هَذا صاحِبَنا، فَأيْنَ عِيسى؟ يَعْنُونَ الَّذِي دَخَلَ في طَلَبِهِ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ "الهاءَ" كِنايَةٌ عَنْ عِيسى، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ولَدُ زِنى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ساحِرٌ.

(p-٢٤٦)والثّانِي: أنَّ المُخْتَلِفِينَ النَّصارى، فَعَلى هَذا في هاءِ "فِيهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَتْلِهِ، هَلْ قُتِلَ أمْ لا؟ . والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ، هَلْ هو إلَهٌ أمْ لا؟ وفي هاءِ "مِنهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَتْلِهِ.

والثّانِي: إلى نَفْسِهِ، هَلْ هو إلَهٌ، أمْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، أمْ هو ساحِرٌ؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "اتِّباعَ: مَنصُوبٌ بِالِاسْتِثْناءِ، وهو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ. والمَعْنى: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا أنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وإنْ رَفَعَ جازَ عَلى أنْ يَجْعَلَ عِلْمَهُمُ اتِّباعَ الظَّنِّ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ﴾ في "الهاءِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الظَّنِّ فَيَكُونُ المَعْنى: وما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العِلْمِ، أيْ: ما قَتَلُوا [العِلْمَ بِهِ] يَقِينًا، تَقُولُ: قَتَلْتُهُ يَقِينًا، وقَتَلْتُهُ عِلْمًا [لِلرَّأْيِ والحَدِيثِ] هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا: أنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ وغَلَبَةٍ، يَقُولُ: فَلَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ، إنَّما كانَ ظَنًّا.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى عِيسى، فَيَكُونُ المَعْنى: وما قَتَلُوا عِيسى حَقًّا، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "اليَقِينُ" مُؤَخَّرٌ في المَعْنى، فالتَّقْدِيرُ: وما قَتَلُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا.

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

(p-٢٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وما مِنهم أحَدٌ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ومِثْلُهُ ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١]

وَفِي أهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ. وفي هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى عِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وفي هاءِ "مَوْتِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أبَدًا حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ في الهُوِيِّ، قالَ: وهي في قِراءَةِ أُبَيٍّ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"

وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. ورَوى الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُؤْمِنُ اليَهُودِيُّ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، ولا تَخْرُجُ رُوحُ النَّصْرانِيِّ حَتّى يَشْهَدَ أنَّ عِيسى عَبْدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَخْرُجُ رُوحُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . (p-٢٤٨)والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى عِيسى. رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا نَزَلَ إلى الأرْضِ لا يَبْقى يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ولا أحَدٌ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ إلّا اتَّبَعَهُ، وصَدَّقَهُ، وشَهِدَ أنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، وعَبْدُهُ، ونَبِيُّهُ. وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٢٤٩)هَذا بَعِيدٌ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، والَّذِينَ يَبْقَوْنَ حِينَئِذٍ شِرْذِمَةٌ مِنهم، إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم كُلَّهم يَقُولُونَ: إنَّ عِيسى الَّذِي يَنْزِلُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ نُؤْمِنُ بِهِ.

(p-٢٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قالَ قَتادَةُ: يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ، وأقَرَّ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ.

4:160Page 103

فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ الرِّبا، وأنْ يَأْكُلُوا أمْوالَ النّاسِ ظُلْمًا، فَفَعَلُوا، وصَدُّوا عَنْ دِينِ اللَّهِ، وعَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٦] عُقُوبَةً لَهم. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وظُلْمُهُمْ: نَقْضُهم مِيثاقَهم، وكُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، وما ذَكَرَ في الآياتِ قَبْلَها. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: صَدُّهم أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنِ الحَقِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي: الإسْلامَ، وأكْلَهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، أيْ: بِالكَذِبِ عَلى دِينِ اللَّهِ، وأخْذِ الرُّشى عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وتَبْدِيلِ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ لِيَسْتَدِيمُوا المَأْكَلَ.

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا﴾ أيْ: أعْدَدْنا لِلْكافِرِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ. وقِيلَ: إنَّما قالَ "مِنهُمْ"، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنهم يُؤْمِنُونَ فَيَأْمَنُونَ العَذابَ.

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا اسْتِثْناءٌ (p-٢٥١)لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَأمّا الرّاسِخُونَ، فَهُمُ الثّابِتُونَ في العِلْمِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن آمَنَ مَعَهُ، والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الحَبَشَةِ، والمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ فَهُمُ القائِمُونَ بِأدائِها كَما أُمِرُوا.

وَفِي نَصْبِ "المُقِيمِينَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قالَ: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ" بِالواوِ.

(p-٢٥٢)وَقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ خَطَأٌ، بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا القُرْآنَ هم أهْلُ اللُّغَةِ، والقُدْوَةِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ في كِتابِ اللَّهِ شَيْئًا يُصْلِحُهُ غَيْرُهُمْ؟! فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ هَذا إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حَدِيثُ عُثْمانَ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، ومُحالٌ أنْ يُؤَخِّرَ عُثْمانُ شَيْئًا فاسِدًا، لِيُصْلِحَهُ مَن بَعْدَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى "ما" والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى الهاءِ والمِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مِنهُمْ" فالمَعْنى: لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا رَدِيءٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لا يُنْسَقُ بِالظّاهِرِ المَجْرُورِ عَلى المُضْمَرِ المَجْرُورِ إلّا في الشِّعْرِ.

(p-٢٥٣)والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، فالمَعْنى: اذْكُرِ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وهُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ. وأنْشَدُوا:

؎ لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ

؎ النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ

(p-٢٥٤)وَهَذا عَلى مَعْنى: اذْكُرِ النّازِلِينَ، وهُمُ الطَّيِّبُونَ، ومِن هَذا قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ، إنْ أرَدْتَ أنَّ تُخَلِّصَهُ مِن غَيْرِهِ، فالخَفْضُ هو الكَلامُ، وإنْ أرَدْتَ المَدْحَ والثَّناءَ، فَإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ، فَقُلْتَ: بِزَيْدٍ الكَرِيمَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: اذْكُرِ الكَرِيمَ، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى مَعْنى: هو الكَرِيمُ. وتَقُولُ: جاءَنِي قَوْمُكَ المُطْعِمِينَ في المَحْلِ، والمُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ عَلى مَعْنى: اذْكُرِ المُطْعِمِينَ، وهُمُ المُغِيثُونَ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ. فَهَذِهِ الأقْوالُ. حَكاها الزَّجّاجُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ.

4:163Page 104

۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وسُكَيْنٌ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَدْ ذَكَرْنا في (آلِ عِمْرانَ مَعْنى الوَحْيِ، وذُكِرَ هُنالِكَ.

وَإسْحاقُ أعْجَمِيٌّ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيِّ، يُقالُ: أسْحَقَهُ اللَّهُ يَسْحَقُهُ إسْحاقًا، ويَعْقُوبُ: أعْجَمِيٌّ. فَأمّا اليَعْقُوبُ، وهو ذَكَرُ الحَجَلِ وهي القَبْجُ فَعَرَبِيٌّ، كَذَلِكَ قَرَأتْهُ (p-٢٥٥)عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، وأيُّوبُ: أعْجَمِيٌّ، ويُونُسُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: يُونُسُ، ويُونِسُ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ عَنِ العَرَبِ هَمْزَةً مَعَ الكَسْرَةِ والضَّمَّةِ والفَتْحَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: يُونُسُ بِضَمِّ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَعْضِ بَنِي أسَدٍ يَقُولُ: يُؤْنُسُ بِالهَمْزِ، وبَعْضُ بَنِي عُقَيْلٍ يَقُولُ: يُونَسُ بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. والمَشْهُورُ في القِراءَةِ يُونُسُ بِرَفْعِ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ: يُؤْنِسُ بِكَسْرِ النُّونِ مَهْمُوزًا. قَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ: يُونَسُ بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ: يُؤْنَسُ بِفَتْحِ النُّونِ مَهْمُوزًا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ العَدَوِيُّ: يُونِسُ بِكَسْرِ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: بِرَفْعِ النُّونِ مَهْمُوزًا. وهارُونُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وباقِي الأنْبِياءِ قَدْ تَقَدَّمُ ذِكْرُهم. فَأمّا الزَّبُورُ، فَأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ الزّايِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ وحَمْزَةُ: بِضَمِّ الزّايِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن فَتَحَ الزّايَ، أرادَ كِتابًا، ومَن ضَمَّ، أرادَ كُتُبًا. ومَعْنى ذِكْرِ "داوُدَ" أيْ: لا تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ مُحَمَّدٍ بِالقُرْآنِ، فَقَدْ أعْطى اللَّهُ داوُدَ الزَّبُورَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ حَمْزَةَ جَعَلَ كِتابَ داوُدَ أنْحاءً، وجَعَلَ كُلَّ نَحْوٍ زُبُرًا، ثُمَّ جَمَعَ. فَقالَ: زُبُورًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الزَّبُورُ فَعُولٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، كَما تَقُولُ: حَلُوبٌ ورَكُوبٌ بِمَعْنى: مَحْلُوبٍ ومَرْكُوبٍ، وهو مِن قَوْلِكَ: زَبَرْتُ الكِتابَ أزْبُرُهُ زَبْرًا: إذا كَتَبْتَهَ، قالَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى الزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ. كَأنَّهُ جَمْعٌ.

4:164Page 104

وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.

(p-٢٥٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ تَأْكِيدُ كَلَّمَ بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ حَقِيقَةً. رَوى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ إسْماعِيلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّفّارَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَعْلَبًا يَقُولُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ، لَجازَ أنْ يَكُونَ كَما يَقُولُ أحَدُنا لِلْآخَرِ: قَدْ كَلَّمْتُ لَكَ فُلانًا بِمَعْنى: كَتَبْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، أوْ بَعَثْتُ إلَيْهِ رَسُولًا، فَلَمّا قالَ: تَكْلِيمًا لَمْ يَكُنْ إلّا كَلامًا مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ.

4:165Page 104

رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أيْ: لِئَلّا يَحْتَجُّوا في تَرْكِ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ بِعَدَمِ الرُّسُلِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَجِبُ بِالرُّسُلِ.

4:166Page 104

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ في سَبَبِ نَزُولِها قَوْلانِ.

(p-٢٥٧)أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ: "إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ، فَزَعَمُوا أنَّهم لا يَعْرِفُونَكَ، فائْتِنا بِمَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ. قالَ الزَّجّاجُ: الشّاهِدُ: المُبَيِّنُ لِما يَشْهَدُ بِهِ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، ويَعْلَمُ مَعَ إبانَتِهِ أنَّهُ حَقٌّ. وفي مَعْنى ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ. والثّانِي: يَشْهَدُونَ بِصِدْقِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "الباءُ" دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، والمَعْنى: اكْتَفُوا بِاللَّهِ في شَهادَتِهِ.

4:167Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.

(p-٢٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: هُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وكانَ صَدُّهم عَنِ الإسْلامِ قَوْلُهم لِلْمُشْرِكِينَ ولِأتْباعِهِمْ: ما نَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ في كِتابِنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском