Ibn al-JawziAn‑Nisa · 4:19–24

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:19–24

4:19Page 80

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ سَبَبُ (p-٣٩)نُزُولِها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا ماتَ، كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ، إنْ شاؤُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ إذا ماتَ الرَّجُلُ، قامَ أقْرَبُ النّاسِ مِنهُ، فَيُلْقِي عَلى امْرَأتِهِ ثَوْبًا، فَيَرِثُ نِكاحَها. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ، فابْنُهُ الأكْبَرُ أحَقُّ بِامْرَأتِهِ، فَيَنْكِحُها إنْ شاءَ، أوْ يَنْكِحُها مَن شاءَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ ابْنِ حَنِيفٍ: لَمْ تُوَفِّي أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ أرادَ ابْنُهُ أنَّ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ ذَلِكَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ عِكْرِمَةُ: واسْمُ هَذِهِ المَرْأةِ: كَبِيشَةُ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ، وكانَ هَذا في العَرَبِ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: كانَتِ الأنْصارُ تَفْعَلُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ هَذا في أهْلِ المَدِينَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِلْأوْلِياءِ ما لَمْ تَسْبِقِ المَرْأةُ، فَتَذْهَبُ إلى أهْلِها، فَإنْ ذَهَبَتْ، فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ تَرِثُوا نِكاحَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنْ تَرِثُوا أمْوالَهُنَّ كُرْهًا. رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ يُلْقِي حَمِيمُ المَيِّتِ عَلى الجارِيَةِ ثَوْبًا، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تُزَوَّجَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَها حَتّى تَمُوتَ، فَيَرِثُها.

(p-٤٠)٢ - واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ كافِ "الكُرْهِ" وضَمَّتِها في أرْبَعَةِ مَواضِعَ: هاهُنا، وفي "التَّوْبَةِ" وفي "الأحْقافِ" في مَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرِو بِفَتْحِ الكافِ فِيهِنَّ، وضَمَّهُنَّ حَمْزَةُ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ في "النِّساءِ" و"التَّوْبَةِ"، وبِالضَّمِّ في "الأحْقافِ" . وهُما لُغَتانِ، قَدْ ذَكَرْناهُما في "البَقَرَةِ" .

وَفِيمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، ثُمَّ في العَضَلِ الَّذِي نَهى عَنْهُ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُكْرِهُ صُحْبَةَ امْرَأتِهِ، ولَها عَلَيْهِ مَهْرٌ، فَيَحْبِسُها، ويَضْرِبُها لِتَفْتَدِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْكِحُ المَرْأةَ الشَّرِيفَةَ، فَلَعَلَّها لا تُوافِقُهُ، فَيُفارِقُها عَلى أنْ لا تَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِهِ، ويَشْهَدُ عَلى ذَلِكَ، فَإذا خَطَبَتْ، فَأرْضَتْهُ، أُذِنَ لَها، وإلّا عَضَلَها قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا بَعْدَ الطَّلاقِ يَعْضِلُونَ، كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا. وقَدْ ذَكَرْنا في "البَقَرَةِ" أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُطْلِّقُ المَرْأةَ، ثُمَّ يُراجِعُها، ثُمَّ يُطْلِّقُها كَذَلِكَ أبَدًا إلى غَيْرِ غايَةٍ يَقْصِدُ إضْرارَها، حَتّى نَزَلَتْ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٩] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ، ثُمَّ في ما نُهُوا عَنْهُ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَتْ لَهُ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، ألْقى عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَلَمْ تَتَزَوَّجْ أبَدًا غَيْرَهُ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ اليَتِيمَةَ كانَتْ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَحْبِسُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَتَزَوَّجَ بِابْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

(p-٤١)والثّالِثُ: أنَّ الأوْلِياءَ كانُوا يَمْنَعُونَ النِّساءَ مِنَ التَّزْوِيجِ، لِيَرِثُوهُنَّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِوَرَثَةِ أزْواجِ النِّساءِ الَّذِينَ قِيلَ: لَهُمْ: لا يَحْلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا. كانَ الرَّجُلُ يَرِثُ امْرَأةً قَرِيبَةً، فَيَعْضُلُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَرُدَّ عَلَيْهِ صَداقَها. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ. وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِالأوَّلِ، وعَلى الأقْوالِ. الَّتِي قَبْلَهُ يَكُونُ ذِكْرُ العَضْلِ مُنْفَصِلًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾ .

وَفِي الفاحِشَةِ قَوْلانِ. . أحَدُهُما: أنَّها النُّشُوزُ عَلى الزَّوْجِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في جَماعَةٍ.

والثّانِي: الزِّنى، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ في جَماعَةٍ. وقَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أصابَتْ فاحِشَةً، أخَذَ زَوْجُها ما ساقَ إلَيْها، وأخْرَجَها، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالحَدِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ الحَدَّ حَقُّ اللَّهِ، والِافْتِداءَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، ولَيْسَ أحَدُهُما: مُبْطِلًا لِلْآَخَرِ، (p-٤٢)والصَّحِيحُ: أنَّها إذا أتَتْ بِأيِّ فاحِشَةٍ كانَتْ، مِن زِنى الفَرْجِ، أوْ بَذاءَةِ اللِّسانِ، جازَ لَهُ أنْ يَعْضُلَها، ويُضَيِّقَ عَلَيْها حَتّى تَفْتَدِيَ. فَأمّا قَوْلُهُ: "مُبَيِّنَةٍ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُبَيَّنَةٍ"، و"آَياتٍ مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما جَمِيعًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الياءِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ، أبُو عَمْرٍو "مُبِيِّنَةٍ" كَسْرًا و"آَياتٍ مُبَيَّناتٍ" فَتْحًا. وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "العَشْرَةِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رُبَّما رَزَقَ اللَّهُ مِنهُما ولَدًا، فَجَعَلَ اللَّهُ في ولَدِها خَيْرًا كَثِيرًا. وقَدْ نَدَبَتِ الآَيَةُ إلى إمْساكِ المَرْأةِ مَعَ الكَراهَةِ لَها، ونَبَّهَتْ عَلى مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ وُجُوهَ الصَّلاحِ، فَرُبَّ مَكْرُوهٍ عادَ مَحْمُودًا، ومَحْمُودٌ عادَ مَذْمُومًا.

والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لا يَكادُ يَجِدُ مَحْبُوبًا لَيْسَ فِيهِ ما يَكْرَهُ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَكْرَهُ لِما يُحِبُّ. وأنْشَدُوا في هَذا المَعْنى:

؎ ومَن لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ وعَنْ بَعْضِ ما فِيهِ يَمُتْ وهْوَ عاتِبُ

وَمِن ∗∗∗ يَتَتَبَّعْ جاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ∗∗∗ يَجِدْها ولا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صاحِبُ.

4:20Page 81

وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

(p-٤٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ هَذا الخِطابُ لِلرِّجالِ. والزَّوْجُ: المَرْأةُ. وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "القِنْطارِ" في (آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ إنَّما ذَلِكَ في حَقِّ مَن وطِئَها، أوْ خَلا بِها، وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما خُصَّ النَّهْيُ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا أعْطى بِحالِ الِاسْتِبْدالِ، وإنْ كانَ المَنعُ عامًا، لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ لَمّا عادَ البِضْعُ إلى مِلْكِها، وجَبَ أنْ يُسْقِطَ حَقَّها مِنَ المَهْرِ، أوْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَ الثّانِيَةَ أوْلى بِالمَهْرِ مِنها، لِقِيامِها مَقامَها.

وَفِي البُهْتانِ قَوْلانِ. . أحَدُهُما: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: الباطِلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى الكَلامِ: أتَأْخُذُونَهُ مُباهِتِينَ آثِمِينَ.

4:21Page 81

وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أخْذَهُ. وفي "الإفْضاءِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: الخُلْوَةُ بِها، وإنْ لَمْ يَغْشَها، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَفِي المُرادِ بِالمِيثاقِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ؛ الإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ، أوِ التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ. هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

(p-٤٤)والثّانِي: أنَّهُ عَقْدُ النِّكاحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمانَةُ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

4:22Page 81

وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحْرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ إلّا امْرَأةَ الأبِ، والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقالَ بَعْضُ الأنْصارِ: تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، فَخَطِبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأتَهُ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْتَأْذِنُهُ، وقالَتْ: إنَّما كُنْتُ أُعُدُّهُ ولَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْناهُ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ، أنَّ "النِّكاحَ" في أصْلِ اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقَدْ سَمَّوُا الوَطْءَ نَفْسَهُ نِكاحًا مِن غَيْرِ عَقْدٍ.

قالَ الأعْشى:

وَمَنكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ

يَعْنِي: المَسْبِيَّةُ المَوْطُوءَةُ بِغَيْرِ مَهْرٍ ولا عَقْدٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: قَدْ يُطْلَقُ النِّكاحُ عَلى العَقْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] وهو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، والجَمْعُ: إنَّما يَكُونُ بِالوَطْءِ، فَسُمِّيَ العَقْدُ نِكاحًا، لِأنَّهُ سَبَبٌ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: بَعْدَ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والمُفَضَّلُ. (p-٤٥)وَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم، فَإنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ، فَقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ عَنْكم.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: سِوى ما قَدْ سَلَفَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعَوْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ كانَ فاحِشَةً.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ولا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آَبائِكُمُ النِّساءَ، أيْ: كَما نَكَحُوا عَلى الوُجُوهِ الفاسِدَةِ الَّتِي لا تَجُوزُ في الإسْلامِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ في جاهِلِيَّتِكم، مِن نِكاحٍ لا يَجُورُ ابْتِداءُ مِثْلِهِ في الإسْلامِ، فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكم عَنْهُ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: لا تَفْعَلُ ما فَعَلَتْ، أيْ: لا تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والخامِسُ: أنَّها بِمَعْنى: "الواوِ" فَتَقْدِيرُها: ولا ما قَدْ سَلَفَ، فَيَكُونُ المَعْنى: اقْطَعُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن نِكاحِ الآباءِ، ولا تَبْتَدِئُوا، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.

والسّادِسُ: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آَباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ [الجائِزِ الَّذِي كانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ] إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى، والسِّفاحِ، فَإنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ" يَعْنِي: النِّكاحُ، و"الفاحِشَةُ": ما يُفْحِشُ ويُقَبِّحُ. و"المَقْتُ": أشَدُّ البُغْضِ. وفي المُرادِ بِهَذا "المَقْتِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِهَذا النِّكاحِ، وكانُوا يُسَمُّونَ نِكاحَ امْرَأةَ الأبِ في الجاهِلِيَّةِ: مَقْتًا، ويُسَمُّونَ الوَلَدَ مِنهُ: "المَقْتِيَّ" . فَأُعْلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ [مِن نِكاحِ امْرَأةِ الأبِ] لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا [فِي قُلُوبِهِمْ] مَمْقُوتًا عِنْدَهم. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

(p-٤٦)والثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ مَقْتَ اللَّهِ لِفاعِلِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: قَبُحَ هَذا الفِعْلُ طَرِيقًا.

4:23Page 81

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في أُمَّهاتٍ: أماتَ، ولَكِنَّ الهاءَ زِيدَتْ مُؤَكِّدَةً، كَما زادُوها فِي: أهْرَقْتُ الماءَ، وإنَّما أصْلُهُ: أرَقْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ إنَّما سُمِّينَ أُمَّهاتٍ، لِمَوْضِعِ الحُرْمَةِ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الرَّضاعِ العَدَدُ، أمْ لا؟ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيَّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وطاوُوسَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ. ونَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبّاسِ، عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِثَلاثِ رَضَعاتٍ. ونَقَلَ أبُو الحارِثِ، عَنْ أحْمَدَ: لا يَتَعَلَّقُ بِأقَلِّ مِن (p-٤٧)خَمْسِ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ أُمَّهاتُ النِّساءِ: يَحْرُمْنَ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلى البِنْتِ، سَواءٌ دَخَلَ بِالبِنْتِ، أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُوسَ، والحَسَنِ والجُمْهُورِ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ: لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ﴾ الرَّبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الزَّوْجِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْنى الرَّبِيبَةُ: مَرْبُوبَةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ يُرَبِّيها، وخَرَجَ الكَلامُ عَلى الأعَمِّ مِن كَوْنِ التَّرْبِيَةِ في حِجْرِ الرَّجُلِ، لا عَلى الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَلائِلُ: الأزْواجُ. وحَلِيلَةٌ: بِمَعْنى: مُحَلَّةٌ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَلالِ. وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها (p-٤٨)تَحِلُّ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وقَرَأْتٌ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: الحَلِيلُ: الزَّوْجُ، والحَلِيلَةُ: المَرْأةُ، وسُمِّيا بِذَلِكَ، إمّا لِأنَّهُما يَحِلّانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحالُ صاحِبُهُ، أيْ: يُنازِلُهُ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحِلُّ إزارَ صاحِبِهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ قالَ عَطاءٌ: إنَّما ذَكَرَ الأصْلابَ، لِأجْلِ الأدْعِياءِ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الآَيَةِ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ زادُوا في هَذا قَوْلَيْنِ آَخَرِينَ. أحَدُهُما: إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِن أمْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أُمِّ يُوسُفَ وأُخْتِها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدِهِما: أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَتِنا، ولَيْسَ كُلُّ الشَّرائِعِ تَتَّفِقُ، ولا وجْهَ لِلْعَفْوِ عَنّا فِيما فَعَلَهُ غَيْرُنا. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ طُولِبَ قائِلُ هَذا بِتَصْحِيحِ نَقْلِهِ، لَعُسِرِ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ العُقُودَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى الأُخْتَيْنِ لا تَنْفَسِخُ، ويَكُونُ لِلْإنْسانِ أنْ يَخْتارَ إحْداهُما، ومِنهُ حَدِيثُ «فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ قالَ: أسْلَمَتُ وعِنْدِي أُخْتانِ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: "طَلِّقْ إحْداهُما"» ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

4:24Page 82

۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-٤٩)قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوَطاسٍ لَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقْعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.

وَأمّا خِلافَ القُرّاءِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الصّادِ في كُلِّ القُرْآنِ، وفَتْحِ الكِسائِيِّ الصّادَّ في هَذِهِ وحَّدَها، وقَرَأ سائِرَ القُرْآَنِ بِالكَسْرِ، و"المُحْصَناتِ" و"مُحْصَناتٍ" . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والإحْصانُ: أنْ يَحْمِيَ الشَّيْءَ، ويَمْنَعَ مِنهُ، فالمُحْصَناتُ [مِنَ النِّساءِ]: ذَواتُ الأزْواجِ، لِأنَّ الأزْواجَ أحْصَنُوهُنَّ، ومَنَعُوا مِنهُنَّ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ والمُحْصَناتُ: الحَرائِرُ وإنْ لَمْ يَكُنَّ مُتَزَوِّجاتٍ، لِأنَّ الحُرَّةَ تُحْصَنُ وتُحَصِّنُ، ولَيْسَتْ كالأمَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ (p-٥٠)يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [ النِّساءِ: ٢٥] وقالَ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] يَعْنِي: الحَرائِرُ، والمُحْصَناتُ: العَفائِفُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النُّورِ: ٤] يَعْنِي: العَفائِفُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] أيْ: عَفَتْ.

وَفِي المُرادِ بِالمُحْصَناتِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ذَواتُ الأزْواجِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: العَفائِفُ: فَإنَّهُنَّ حَرامٌ عَلى الرِّجالِ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينٍ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: الحَرائِرُ، فالمَعْنى: أنَّهُنَّ حَرامٌ بَعْدِ الأرْبَعِ اللَّواتِي ذَكَرْنَ في أوَّلِ السُّورَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ السَّبايا في الحُرُوبِ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآَيَةَ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا.

والثّانِي: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ ذَواتِ الأزْواجِ، بِسَبْيٍ أوْ غَيْرِ سَبْيٍ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآيَةَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرٌ، وأنَسٌ، وكانَ هَؤُلاءِ يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ: أنَّهم قالُوا: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها، والأوَّلُ أصَحُّ، (p-٥١)لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ إذْ أعْتَقَتْها عائِشَةٌ، بَيْنَ المَقامِ مَعَ زَوْجِها الَّذِي زَوَّجَها مِنهُ سادَتُها في حالِ رِقِّها، وبَيْنَ فِراقِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ عِتْقَ عائِشَةَ إيّاها طَلاقًا، ولَوْ كانَ طَلاقًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْيِيرِهِ إيّاها مَعْنًى. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ ما ذَكَرْناهُ مِن سَبَبِ نُزُولِ الآَيَةِ.

وَعَلى القَوْلِ الثّانِي: العَفائِفُ حَرامٌ إلّا بِمِلْكٍ، والمِلْكُ يَكُونُ عَقْدًا، ويَكُونُ مِلْكَ يَمِينٍ.

وَعَلى القَوْلِ الثّالِثِ: الحَرائِرُ حَرامٌ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يُحْصَرْنَ بِعَدَدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم هَذا كِتابًا، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ، ويَكُونُ "عَلَيْكُمْ" مُفَسِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ. قالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ، إلّا أنَّ السُّنَةَ، قَدْ حَرَّمَتْ تَزْوِيجَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها، وتَزْوِيجَها عَلى خالَتِها، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ: ( كُتُب اللَّهِ عَلَيْكم ) (p-٥٢)بِفَتْحِ الكافِ، والتّاءِ، والباءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، ورَفْعِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: وأحَلَّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الألِفِ.

فَصْلٌ

قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وعامَّةُ العُلَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ تَحْلِيلٌ ورَدَ بِلَفْظِ العُمُومِ، وأنَّهُ عُمُومُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، والمُخَصَّصُ لَهُ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها، أوْ عَلى خالَتِها،» ولَيْسَ هَذا عَلى سَبِيلِ النَّسْخِ. وذَهَبَ طائِفَةٌ إلى أنَّ التَّحْلِيلَ المَذْكُورَ في الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِهَذا الحَدِيثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُوا إمّا بِصَداقٍ في نِكاحٍ، أوْ ثَمَنٍ في مِلْكِ "مُحْصِنِينَ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَزَوِّجِينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ، وقالَ غَيْرُهُما: مُتَعَفِّفِينَ غَيْرَ زانِينَ. والسِّفاحُ: الزِّنى، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ مِن سَفَحْتُ القِرْبَةَ: إذا صَبَبْتَها، فَسُمِّيَ الزِّنى سِفاحًا، لِأنَّهُ [يُسافِحُ] يَصُبُّ النُّطْفَةَ، وتَصُبُّ المَرْأةُ النُّطْفَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: السِّفاحُ: صَبُّ الماءِ بِلا عَقْدٍ، ولا نِكاحٍ، فَهو كالشَّيْءِ يَسْفَحُ ضَياعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

(p-٥٣)أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِمْتاعُ في النِّكاحِ بِالمُهُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِمْتاعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى مِن غَيْرِ عَقْدِ نِكاحٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُفْتِي بِجَوازِ المُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقَدْ تَكَلَّفَ قَوْمٌ مِن مُفَسِّرِي القُرّاءِ، فَقالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآَيَةِ نِكاحُ المُتْعَةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ،» وهَذا تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجازَ المُتْعَةَ، ثُمَّ مَنَعَ مِنها، فَكانَ قَوْلُهُ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ. وأمّا الآَيَةُ، (p-٥٤)فَإنَّها لَمْ تَتَضَمَّنْ جَوازَ المُتْعَةِ. لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيها: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى النِّكاحِ الصَّحِيحِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ فَما نَكَحْتُمُوهُنَّ عَلى الشَّرِيطَةِ الَّتِي جَرَتْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورُهُنَّ. ومَن ذَهَبَ في الآَيَةِ إلى غَيْرِ هَذا، فَقَدْ أخْطَأ، وجَهِلَ اللُّغَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَرَكَتْهُ المَرْأةُ مِن صَداقِها، ووَهَبَتْهُ لِزَوْجِها، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن مَقامٍ، أوْ فِرْقَةٍ بَعْدَ أداءِ الفَرِيضَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: ولا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها الأزْواجُ إذا أعْسَرْتُمْ بَعْدَ الفَرْضِ لِنِسائِكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن أنْ يُنْقِصْنَكم أوْ يُبَرِّئْنَكم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ.

(p-٥٥)والرّابِعُ: لا جُناحَ عَلَيْكم إذا انْقَضى أجْلُ المُتْعَةِ أنْ يَزِدْنَكم في الأجَلِ، وتَزِيدُونَهُنَّ في الأجْرِ مِن غَيْرِ اسْتِبْراءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وهو يَعُودُ إلى قِصَّةِ المُتْعَةِ.

والخامِسُ: لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَهَبَ المَرْأةُ لِلرَّجُلِ مَهْرَها، أوْ يَهَبَ هو لِلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها نِصْفَ المَهْرِ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ في الزِّيادَةِ، والنُّقْصانِ، والتَّأْخِيرِ، والإبْراءِ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском