Ibn al-JawziAn‑Nisa · 4:25–34

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:25–34

4:25Page 82

وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ "الطَّوْلُ": الغِنى والسِّعَةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ. و"المُحْصَناتُ": الحَرائِرُ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَهْرِ (p-٥٦)الحُرَّةِ، يُقالُ: قَدْ طالَ فَلانٌ طَوْلًا عَلى فُلانِ، أيْ: كانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ في القُدْرَةِ.

والمُرادُ بِالفَتَياتِ هاهُنا: المَمْلُوكاتِ، يُقالُ لِلْأمَةِ: فَتاةٌ، ولِلْعَبْدِ: فَتًى، وقَدْ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. قَرَأتُ عَلى شَيْخِنا الإمامِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: المُتَفَتِّيَةُ: الفَتاةُ والمُراهِقَةُ، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ الحَدَثَةُ: فَتاةٌ، ولِلْغُلامِ: فَتًى. قالَ القُتَيْبِيُّ: ولَيْسَ الفَتى بِمَعْنى: الشّابِّ والحَدَثِ، إنَّما هو بِمَعْنى: الكامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجالِ.

فَأمّا ذِكْرُ الأيْمانِ، فَشَرْطٌ في إباحَتِهِنَّ، ولا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اعْمَلُوا عَلى ظاهِرِكم في الإيمانِ، فَإنَّكم مُتَعَبِّدُونَ بِما ظَهَرَ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ. قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ وجْهانِ. (p-٥٧)أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ النَّسَبَ، أيْ: كُلُّكم ولَدُ آَدَمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: دِينُكم واحِدٌ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هاهُنا: المُؤْمِناتِ. وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطْعَنُ في الأنْسابِ، وتَفْخَرُ بِالأحْسابِ، وتُسَمِّي ابْنَ الأمَةِ: الهَجِينُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أمْرَ العَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مُسْتَوٍ في بابِ الإيمانِ، وإنَّما كَرَّهَ التَّزْوِيجَ بِالأمَةِ، وحَرَّمَ إذا وجَدَ إلى الحُرَّةِ سَبِيلًا، لِأنَّ ولَدَ الأمَةِ مِنَ الحُرِّ يَصِيرُونَ رَقِيقًا، ولِأنَّ الأمَةَ مُمْتَهَنَةً في عِشْرَةِ الرِّجالِ، وذَلِكَ يَشُقُّ عَلى الزَّوْجِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى الآَيَةِ: كُلُّكم بَنُو آَدَمَ، فَلا يَتَداخَلُكم شُمُوخٌ وأنَفَةٌ مِن تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ [المُؤْمِناتِ]، فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ، أيْ: لِيَنْكِحْ هَذا فَتاةَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الإماءُ ﴿ (بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾، أيْ: سادَتِهِنَّ. و"الأُجُورُ": المُهُورُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مُقَدَّمٌ في المَعْنى، فَتَقْدِيرُهُ: انْكِحُوهُنَّ بِإذِنِّ أهْلِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وآَتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، كَمُهُورِ أمْثالِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مُحْصَناتٍ": عَفائِفَ غَيْرَ زَوانٍ ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ يَعْنِي: أخِلّاءٌ كانَ الجاهِلِيَّةُ يُحْرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنِ الزِّنى، ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: "المُسافِحاتُ": المُعْلِناتُ بِالزِّنى. و"المُتَّخِذاتِ أخْدانًا": ذاتُ الخَلِيلِ (p-٥٨)الواحِدُ. وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَرْأةُ تَتَّخِذُ صَدِيقًا تَزْنِي مَعَهُ، ولا تَزْنِي مَعَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أُحْصِنَّ" مَضْمُومَةُ الألِفِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ الألِفِ، والصّادِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، أرادَ: أسْلَمْنَ، فَصِرْنَ مَمْنُوعاتِ الفُرُوجِ عَنِ الحَرامِ بِالإسْلامِ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ، أرادَ: فَإذا تَزَوَّجْنَ، فَصِرْنَ مَمْنُوعاتِ الفُرُوجِ مِنَ الحَرامِ بِالأزْواجِ.

فَأمّا "الفاحِشَةُ"، فَهي الزِّنى، و"المُحْصَناتُ": الحَرائِرُ، و"العَذابُ": الحَدُّ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ الإسْلامُ والتَّزْوِيجُ شَرَطًا في إيجابِ الحَدِّ عَلى الأمَةِ، بَلْ يَجِبُ وإنْ عُدِما، وإنَّما شَرْطُ الإحْصانِ في الحَدِّ، لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ عَلَيْها نِصْفَ ما عَلى الحُرَّةِ إذا لَمْ تَكُنْ مُحَصَنَةً، وعَلَيْها مِثْلُ ما عَلى الحُرَّةِ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ الإشارَةُ إلى إباحَةِ تَزْوِيجِ الإماءِ، وفي "العَنَتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الهَلاكُ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لِقاءُ المَشَقَّةِ في مَحَبَّةِ الأمَةِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّ العَنَتَ هاهُنا: الإثْمُ. والخامِسُ: أنَّهُ العُقُوبَةُ الَّتِي تُعْنِتُهُ، وهي الحَدُّ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآَيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ نِكاح ِ الإماءِ المُؤْمِناتِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: عَدَمُ طَوْلِ الحُرَّةِ.

(p-٥٩)والثّانِي: خَوْفُ الزِّنى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، ومَكْحُولٍ، وأحْمَدَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، قالُوا: يَنْكِحُ الأمَةَ، وإنْ كانَ مُوسِرًا، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والجَماعَةُ: عَنْ نِكاحِ الإماءِ، وإنَّما نَدَبَ إلى الصَّبْرِ عَنْهُ، لِاسْتِرْقاقِ الأوْلادِ.

4:26Page 82

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦

Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللّامُ بِمَعْنى: "أنْ" وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِثْلُهُ ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشُّورى: ١٥]، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنْعامِ: ٧١]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصَّفِّ: ٨] .

والبَيانُ مِنِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ تارَةً، وبِدَلالَةِ النَّصِّ أُخْرى. قالَ الزَّجّاجُ: و"السُّنَنُ": الطُّرُقُ، فالمَعْنى: يَدُلُّكم عَلى طاعَتِهِ، كَما دَلَّ الأنْبِياءَ وتابِعِيهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الكَلامِ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ مَن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ، لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتُجِيبُوا الحَقَّ، ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ.

4:27Page 83

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧

Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ أنْ يَدُلَّكم عَلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَوْبَتِكم.

(p-٦٠)وَفِي الَّذِينَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الزُّناةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والرّابِعُ: أهَّلُ الباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ بِالمَعْصِيَةِ.

4:28Page 83

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨

And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التَّخْفِيفُ: تَسْهِيلُ التَّكْلِيفِ، أوْ إزالَةُ بَعْضِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى: يُرِيدُ أنْ يُيَسِّرَ لَكم بِإذْنِهِ في نِكاحِ الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ لِمَن لَمْ يُسْتَطَعْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ. وفي المُرادِ بِضَعْفِ الإنْسانِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الضَّعْفُ في أصْلِ الخِلْقَةِ. قالَ الحَسَنُ: هو أنَّهُ خُلِقَ مِن ماءٍ مَهِينٍ. والثّانِي: أنَّهُ قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنِ النِّساءِ، قالَهُ طاوُسُ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ ضَعْفُ العَزْمِ عَنْ قَهْرِ الهَوى، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وابْنِ كَيْسانَ.

4:29Page 83

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ الباطِلُ: ما لا يَحِلُّ في الشَّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "تِجارَةً" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِالنَّصْبِ، وقَدْ بَيَّنّا العِلَّةَ في آَخِرِ "البَقَرَةِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

(p-٦١)أحَدُها: أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى العَبْدِ قَتْلَ نَفْسِهِ، وهَذا الظّاهِرُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم عَمَلًا رُبَّما أدّى إلى قَتْلِها وإنْ كانَ فَرْضًا، وعَلى هَذا تَأوَّلَها «عَمْرُو بْنُ العاصِ في غُزاةِ ذاتِ السَّلاسِلِ حَيْثُ صَلّى بِأصْحابِهِ جَنْبًا في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قالَ لَهُ: يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي احْتَلَمَتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، وأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَذَكَرَتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .»

(p-٦٢)والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: لا تَغْفَلُوا عَنْ حَظِّ أنْفُسِكم، فَمَن غَفَلَ عَنْ حَظِّها، فَكَأنَّما قَتَلَها، هَذا قَوْلُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ. والخامِسُ: لا تَقْتُلُوها بِارْتِكابِ المَعاصِي.

4:30Page 83

وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ في المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والثّالِثُ: قَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ الأمْوالِ بِالباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. .

4:31Page 83

إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ اجْتِنابُ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ جانِبًا. وفي الكَبائِرِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: أنَّها سَبْعٌ، فَرَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ (p-٦٣)أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفِ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ" .»

وَقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الكَبائِرُ سَبْعٌ، الإشْراكُ بِاللَّهِ أوَّلُهُنَّ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّها، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ بِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والفِرارُ مِنِ الزَّحْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ، وانْقِلابٌ إلى أعْرابِيَّةٍ بَعْدَ هِجْرَةٍ" .»

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هي سَبْعٌ، فَعَدَّ هَذِهِ.

(p-٦٤)وَرُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي سَبْعٌ، وعَدَّ هَذِهِ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مَكانَ الإشْراكِ والتَّعَرُّبِ شَهادَةَ الزُّورِ وعُقُوقَ الوالِدَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها تِسْعٌ، رَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، وكانَ مِنِ الصَّحابَةِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ ما الكَبائِرُ؟ فَقالَ: "تِسْعٌ، أعْظَمُهُنَّ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ المُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، واسْتِحْلالُ البَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا" .»

والثّالِثُ: أنَّها أرْبَعٌ: رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ" .»

(p-٦٥)وَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَبائِرَ، أوْ سُئِلَ عَنْها، فَقالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ" وقالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قَوْلُ الزُّورِ، أوْ شَهادَةُ الزُّورِ" .» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الكَبائِرُ أرْبَعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والأمْنُ لِمَكْرِ اللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ.

والرّابِعُ: أنَّها ثَلاثٌ، فَرَوى عِمْرانُ بْنُ حُصِينٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فاحْتَفَزَ- قالَ: والزُّورُ" .» ورَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، -وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ- فَقالَ: وشَهادَةُ الزُّورِ" فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» وأخْرَجا في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: "أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ" . قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: "ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ (p-٦٦)يَطْعَمَ مَعَكَ" . قُلْتُ: ثُمَّ أيْ؟ قالَ: "أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ" .»

والخامِسُ: أنَّها مَذْكُورَةٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذِهِ الآَيَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: أنَّها إحْدى عَشْرَةَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ مِنِ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، والسِّحْرُ، والخِيانَةُ" . رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ يَخْتِمُهُ اللَّهُ بِنارٍ، أوْ غَضَبٍ، أوْ لَعْنَةٍ، أوْ عَذابٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّامِنُ: أنَّها كُلُّ ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ في الآَخِرَةِ، والحَدَّ في الدُّنْيا، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والتّاسِعُ: أنَّها كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهَ بِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

والعاشِرُ: أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ في رِوايَةٍ، والزَّجّاجُ.

والحادِي عَشَرَ: أنَّها ثَمانٍ، الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ المُؤْمِنِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، والزِّنا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وقَوْلُ الزُّورِ، واقْتِطاعُ الرَّجُلِ بِيَمِينِهِ وعَهْدِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. رَواهُ مِحْرِزٌ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ.

(p-٦٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ رَوى المُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: "يُكَفِّرْ" "وَيُدْخِلْكُمْ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ، عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ هاهُنا، وفي (الحَجِّ وضَمَّ الباقُونَ "المِيمَ"، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ "مِيمِ" ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "المُدْخَلُ" مَصْدَرًا، (p-٦٨)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانًا، سَواءٌ فَتَحَ، أوْ ضَمَّ. قالَ السُّدِّيُّ: السَّيِّئاتُ هاهُنا: هي الصَّغائِرُ. والمُدْخَلُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والكَرِيمُ: بِمَعْنى: الشَّرِيفُ

4:32Page 83

وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢

And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: يَغْزُو الرِّجالُ، ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو (p-٦٩)أنْ نَفْضُلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا، كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ، وقالَ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وَفِي مَعْنى هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ. . أحَدُهُما: أنْ يَتَمَنّى الرَّجُلُ مالَ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ. والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى النِّساءُ أنْ يَكُنَّ رِجالًا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وَلِلتَّمَنِّي وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ أنْ يُحَصِّلَ لَهُ مالَ غَيْرِهِ، ويَزُولَ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا الحَسَدُ.

والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى مِثْلَ ما لِغَيْرِهِ، ولا يُحِبُّ زَوالَهُ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا هو الغِبْطَةُ ورُبَّما لَمْ يَكُنْ نَيْلُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً في حَقِّ المُتَمَنِّي. قالَ الحَسَنُ: لا تَمَنَّ مالَ فُلانٍ، ولا مالَ فَلانٍ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ؟ .

والثّالِثُ: أنَّ تَتَمَنّى المَرْأةُ أنْ تَكُونَ رَجُلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَقَعُ، فَلْيَعْلَمِ العَبْدُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ، فَلْيَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولْتَكُنْ أمانِيهِ الزِّيادَةُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ.

(p-٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاكْتِسابِ، المِيراثُ، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الثَّوابُ والعِقابُ. فالمَعْنى: أنَّ المَرْأةَ تُثابُ كَثَوابِ الرَّجُلِ، وتَأْثَمُ كَإثْمِهِ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ. واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِأنَّ المِيراثَ لا يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وبِأنَّ الآَيَةَ نَزَلَتْ لِأجْلِ التَّمَنِّي والفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبانٌ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ (وَسَلُوا اللَّهَ (فَسَلِ الَّذِينَ (فَسَلْ بَنِي إسْرائِيلَ (وَسَلْ مَن أرْسَلْنا وما كانَ مِثْلَهُ مِنَ الأمْرِ المُواجِهِ بِهِ، وقَبْلَهُ "واوٌ" أوْ "فاءٌ" فَهو غَيْرُ مَهْمُوزٍ عِنْدَهم. وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ [المُمْتَحَنَةِ: ١٠] أنَّهُ مَهْمُوزٌ.

وَفِي المُرادِ بِالفَضْلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الفَضْلَ: الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدٌ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا اللَّهَ ما تَتَمَنَّوْهُ مِنِ النِّعَمِ، ولا تَتَمَنَّوْا مالَ غَيْرِكم.

4:33Page 83

وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.

(p-٧١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ المَوالِيَ: الأوْلِياءُ، وهُمُ الوَرَثَةُ مِنَ العُصْبَةِ وغَيْرِهِمْ. ومَعْنى الآَيَةِ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوالِيَ يَرِثُونَ ما تَرَكَ. وارْتِفاعُ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ عَلى مَعْنَيَيْنِ مِنَ الإعْرابِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويَكُونُ تَمامَ الكَلامِ قَوْلُهُ ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ التَّرْكُ لِلْمالِ، فَيَكُونُ الوالِدانِ، هُمُ المَوْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" بِالألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "عَقَدَتْ" بِلا ألِفٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالألِفِ، فالتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم، ومِن حَذْفِ الألِفِ، فالمَعْنى: عَقَدَتْ حِلْفَهم أيْمانُكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحِلْفِ، كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ، فَأيُّهُما ماتَ وِرْثَهُ الآَخَرُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَنْهُ عَطِيَّةُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْحَقُ الرَّجُلَ (p-٧٢)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَيَكُونُ تابِعَهُ، فَإذا ماتَ الرَّجُلُ، صارَ لِأهْلِهِ المِيراثُ، وبَقِيَ تابِعُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانكم ) فَأُعْطِي مِن مِيراثِهِ، ثُمَّ نَزَلَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ ومِمَّنْ قالَ هُمُ الحُلَفاءَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، كانَ المُهاجِرُونَ يُوَرِّثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي عَقَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم. رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ::أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ أبْناءَ غَيْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ سَعِيدٍ ابْنِ المُسَيِّبِ. فَأمّا أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالُوا: نَسَخَ حَكَمَ الحُلَفاءِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعاقَدُونَ عَلى النُّصْرَةِ والمِيراثِ بِآخِرِ (الأنْفالِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: هَذا الحُكْمُ باقٍ غَيْرَ أنَّهُ جَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوالِي المُعاقَدَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ: فَآَتَوْهم نَصِيبَهم مِنِ النَّصْرِ والنَّصِيحَةِ مِن غَيْرِ مِيراثٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّ المُعاقَدَةَ: إنَّما كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ لا غَيْرَ، والإسْلامُ لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ، وإنَّما قَرَّرَهُ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: « "أيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ (p-٧٣)إلّا شِدَّةً" .» أرادَ: النَّصْرَ والعَوْنَ. وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الآَيَةَ مَحْكَمَةٌ.

4:34Page 84

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا ٣٤

Men are in charge of women1 by [right of] what Allāh has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allāh would have them guard.2 But those [wives] from whom you fear arrogance3 - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them [lightly].4 But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allāh is ever Exalted and Grand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ زَوْجَتَهُ لَطْمَةً فاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصارِيُّ. قالَ ابْنُ (p-٧٤)عَبّاسٍ: "قَوّامُونَ" أيْ: مُسَلَّطُونَ عَلى تَأْدِيبِ النِّساءِ في الحَقِّ. ورَوى هُشامٌ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ قالَ: إذا كانُوا رِجالًا، وأنْشَدَ

؎ أكْلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ونارًا تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: الرِّجالُ عَلى النِّساءِ، وفَضَّلَ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ بِزِيادَةِ العَقْلِ، وتَوْفِيرِ الحَظِّ في المِيراثِ، والغَنِيمَةِ، والجُمْعَةِ، والجَماعاتِ، والخِلافَةِ، والإمارَةِ، والجِهادِ، وجُعِلَ الطَّلاقُ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المَهْرُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ.

وَفِي "الصّالِحاتِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: المُحْسِناتُ إلى أزْواجِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العامِلاتُ بِالخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ مُبارَكٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. و"القانِتاتُ" المُطِيعاتُ لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، والحافِظاتُ لِلْغَيْبِ، أيْ: لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ. وقالَ عَطاءٌ، (p-٧٥)وَقَتادَةُ: يَحْفَظْنَ ما غابَ عَنْهُ الأزْواجُ مِنَ الأمْوالِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن صِيانَةِ أنْفُسِهِنَّ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ اسْمِ "اللَّهِ" وفي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ، عَنْ سُفْيانَ، قالَ: بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاها أنْ جَعَلَها كَذَلِكَ.

والثّانِي: بِما حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ، وإيجابُ نَفَقَتِهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ أمْرَ اللَّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ في طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ في الخَوْفِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِمَعْنى: الظَّنِّ لِما يَبْدُو مِن دَلائِلَ النُّشُوزِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْشَدَ

؎ وما خِفْتُ يا سَلامُ أنَّكَ عائِبِي

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّشُوزُ" بُغْضُ المَرْأةِ لِلزَّوْجِ، يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها، ونَشَصَتْ: إذا فَرَكَتْهُ، ولَمْ تَطْمَئِنَّ عِنْدَهُ، وأصِلُ النُّشُوزِ: الِانْزِعاجُ. قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِنِ النَّشْزِ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الوَعْظُ: التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ.

(p-٧٦)قالَ الحَسَنُ: يَعِظُها بِلِسانِهِ، فَإنْ أبَتْ وإلّا هَجَرَها. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهَجْرِ في المَضْجَعِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ الجِماعَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ، والعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الكَلامِ، لا تَرْكُ الجِماعِ، رَواهُ أبُو الضُّحى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والثَّوْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الهَجْرِ مِنَ الكَلامِ في المَضاجِعِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ. فَيَكُونُ المَعْنى: قُولُوا لَهُنَّ في المَضاجِعِ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هَجْرُ فِراشِها، ومُضاجَعَتِها. رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، والنَّخْعِيِّ، ومِقْسَمٍ، وقَتادَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اهْجُرْها في المَضْجَعِ، فَإنْ أقْبَلَتْ وإلّا فَقَدَ أذِنَ اللَّهُ لَكَ أنْ تَضْرِبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: الآَيَةُ عَلى التَّرْتِيبِ، فالوَعْظُ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، والهَجْرُ عِنْدَ ظُهُورِ النُّشُوزِ، والضَّرْبُ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، واللَّجاجِ فِيهِ. ولا يَجُوزُ الضَّرْبُ عِنْدَ ابْتِداءِ النُّشُوزِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وعَلى هَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ ضَرْبُها في ابْتِداءِ النُّشُوزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: في المَضْجَعِ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: فَلا تَتَجَنَّ عَلَيْها العِلَلُ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لا تُكَلِّفْها الحُبَّ، لِأنَّ قَلْبَها لَيْسَ في يَدِها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: فَلا تَلْتَمِسُوا سَبِيلًا إلى ما لا يَحِلُّ لَكم مِن أبْدانِهِنَّ وأمْوالِهِنَّ بِالعِلَلِ، وذَلِكَ أنْ تَقُولَ لَها وهي مُطِيعَةٌ لَكَ: لَسْتِ لِي مُحِبَّةً، فَتَضْرِبُها، أوْ تُؤْذِيها.

(p-٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لا تَبْغُوا عَلى أزْواجِكم، فَهو يَنْتَصِرُ لَهُنَّ مِنكم. وقالَ الخَطابِيُّ: الكَبِيرُ: المَوْصُوفُ بِالجَلالِ، وكُبْرِ الشَّأْنِ، يَصْغُرُ دُونَ جَلالِهِ كُلُّ كَبِيرٍ. ويُقالُ: هو الَّذِي كَبُرَ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском