Ibn al-JawziAn‑Nisa · 4:46–59

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:46–59

4:46Page 86

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦

Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2

(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكٍ ابْنِ الضَّيْفِ، وكَعْبِ بْنِ أُسِيدٍ، وكُلُّهم يَهُودٌ. وفي "مِن" قَوْلانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّها مِن صِلَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادَوْا.

والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، فالمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُحَرِّفُونَ، صِفَةٌ، ويَكُونُ المَوْصُوفُ مَحْذُوفًا، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎ وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

والمَعْنى: فَمِنهُما تارَةٌ أمُوتُ فِيها، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: والمَعْنى: وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادَوْا، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ.

فَأمّا "التَّحْرِيفُ"، فَهو التَّغْيِيرُ. و"الكَلِمُ": جَمْعُ كَلِمَةٍ. وقِيلَ: إنَّ "الكَلامَ" مَأْخُوذٌ مِنَ "الكَلِمِ"، وهو الجُرْحُ الَّذِي يَشُقُّ الجِلْدَ واللَّحْمَ، فَسُمِّيَ الكَلامُ كَلامًا، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأسْماعَ بِوُصُولِهِ إلَيْها، وقِيلَ: بَلْ لِتَشْقِيقِهِ المَعانِيَ المَطْلُوبَةَ في أنْواعِ الخِطابِ.

وَفِي مَعْنى تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ، فَإذا خَرَجُوا، حَرَّفُوا كَلامَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُهُمُ التَّوْراةَ قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: عَنْ أماكِنِهِ ووُجُوهِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْنا قَوْلَكَ، وعَصَيْنا أمْرَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: اسْمَعْ غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في (البَقَرَةِ) مَعْنى: وراعِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: "اللَّيُّ": تَحْرِيكُ ألْسِنَتِهِمْ بِذَلِكَ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى "لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ": أنَّهم يُحَرِّفُونَ "راعِنا" عَنْ طَرِيقِ المُراعاةِ، والِانْتِظارِ إلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا بَدَّلُوا، و(أقُومُ) أيْ: أعْدَلُ، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ بِمُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: فَلا يُؤْمِنُ مِنهُمُ الّا قَلِيلٌ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن تَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

(p-١٠١)والثّانِي: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ. قالَ مُقاتِلٌ: وهو اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ورَزَقَهم.

4:47Page 86

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا قَوْمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ [ابْنُ أسَدٍ] إلى الإسْلامِ، وقالَ لَهُمْ: إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ: التَّوْراةَ، وعَلى الثّانِي: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. والمُرادُ بِما نَزَّلْنا: القُرْآَنُ، وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) بَيانُ تَصْدِيقِهِ لِما مَعَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ في طَمْسِ الوُجُوهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إعْماءُ العُيُونِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضِّحاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ طُمِسَ ما فِيها مِن عَيْنٍ، وأنْفٍ، وحاجِبٍ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. (p-١٠٢)والثّالِثُ: أنَّهُ رَدَّها عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، والضِّحاكُ، والسَّدِّيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، أيْ: نُحَوِّلَ المِلَّةَ عَنِ الهُدى والبَصِيرَةِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ذِكْرُ الوَجْهِ مَجازًا. والمُرادُ: البَصِيرَةُ والقُلُوبُ. وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يَكُونُ المُرادُ بِالوَجْهِ: العُضْوُ المَعْرُوفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُصَيِّرُها في الأقْفاءِ، ونَجْعَلُ عُيُونَها في الأقْفاءِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ.

والثّانِي: نُصَيِّرُها كالأقْفاءِ، لَيْسَ فِيها فَمٌ، ولا حاجِبٌ، ولا عَيْنٌ، وهَذا قَوْلُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: نَجْعَلُ الوَجْهَ مَنبَتًا لِلشَّعْرِ، كالقُرُودِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: نَنْفِيها مُدَبِّرَةً عَنْ دِيارِها ومَواضِعِها. وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي هم فِيها. وناحِيَتَهُمُ الَّتِي هم بِها نُزُولٌ، فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها مِن حَيْثُ جاؤُوا بَدِيًّا مِنَ الشّامِ.

والخامِسُ: نَرُدُّها في الضَّلالَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ يَعُودُ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ. وفي مَعْنى لَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ قَوْلانِ.

(p-١٠٣)أحَدُهُما: مَسَخَهم قِرَدَةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: طَرَدَهم في التِّيهِ، حَتّى هَلَكَ فِيهِ أكْثَرُهم ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأمْرُ هاهُنا: بِمَعْنى: المَأْمُورُ، سُمِّيَ بِاسْمِ الأمْرِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ.

4:48Page 86

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] قالُوا: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: والشِّرْكُ؟ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.» وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإشْراكُ.

والمُرادُ مِنَ الآَيَةُ: لا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ ماتَ عَلى شِرْكِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّها تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ عَلى ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ لا يَقْطَعُ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا. والثّانِي: أنَّ تَعْلِيقَهُ بِالمَشِيئَةِ فِيهِ نَفْعٌ (p-١٠٤)لِلْمُسْلِمِينَ، وهو أنْ يَكُونُوا عَلى خَوْفٍ وطَمَعٍ.

4:49Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُرَحِّبَ ابْنَ زَيْدٍ، وبَحْرَيَّ بْنَ عَوْنٍ -وَهُما مِنَ اليَهُودِ- أتَيا النَّبِيَّ ﷺ بِأطْفالِهِما، ومَعَهُما طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلْ عَلى هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ؟ قالَ: لا، قالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وفي الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم قَوْلانِ. أحَدُهُما: اليَهُودُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْنى "يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ": يَزْعُمُونَ أنَّهم أزْكِياءُ، يُقالُ: زَكّى الشَّيْءَ: إذا نَما في الصَّلاحِ.

وَفِي الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم بَرَّؤُوا أنْفُسَهم مِنَ الذُّنُوبِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١٠٥)والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ أبْناءَنا الَّذِينَ ماتُوا يُزَكُّونَنا عِنْدَ اللَّهِ، ويَشْفَعُونَ لَنا رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم في الصَّلاةِ فَيَؤُمُّونَهم، يَزْعُمُونَ أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ، وأبِي مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ زاكِيًا، ولا يَظْلِمُ اللَّهُ أحَدًا مِقْدارَ فَتِيلٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ "الفَتِيلِ" المَفْتُولُ، صُرِفَ عَنْ مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَصَرِيعٍ، ودَهِينٍ.

وَفِي الفَتِيلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَكُونُ في شِقِّ النَّواةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَخْرُجُ بَيْنَ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ إذا دُلِّكْنَ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

4:50Page 86

ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠

Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وهو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَوْلُهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وقَوْلُهم:لا ذَنْبَ لَنا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا كَذَّبُوا فِيهِ ﴿وَكَفى بِهِ﴾ أيْ: وحَسِبَهم بِقِيلِهِمُ الكَذِبَ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ يَتَبَيَّنُ كَذِبُهم لِسامِعِيهِ.

4:51Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

(p-١٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ، فَسَألُوهُمْ: أدِينُنا خَيْرٌ، أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ فَقالَ: اليَهُودُ: بَلْ دِينُكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وحُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ، قَدِما مَكَّةَ، فَقالَتْ لَهُما قُرَيْشٌ: أنْحَنُ خَيْرٌ، أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالا: أنْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ في رِوايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في كَعْبٍ، وحُيَيِّ، ورَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ مِن بَنِي النَّضِيرِ قالُوا: لِقُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ.

(p-١٠٧)والثّالِثُ: أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وهو الَّذِي قالَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وعِكْرِمَةَ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ وإيّاكم خَيْرٌ مِن مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ. والمُرادُ بِالمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ اليَهُودُ.

وَفِي "الجِبْتِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السِّحْرُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والثّانِي: الأصْنامُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الجِبْتُ: صَنَمٌ. والثّالِثُ: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ. والرّابِعُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والخامِسُ: الكاهِنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ. والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والسّابِعُ: السّاحِرُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ. ورَوى أبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشَّيْطانُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها لِيُضِلُّوا النّاسَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ. والرّابِعُ: الكاهِنُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والخامِسُ: أنَّهُ الصَّنَمُ، (p-١٠٨)قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقالَ الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. والسّادِسُ: السّاحِرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ، فَهَذِهِ الأقْوالُ. تَدُلُّ عَلى أنَّهُما اسْمانِ لِمُسَمَّيَيْنِ.

وَقالَ اللُّغَوِيُّونَ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: كُلُّ مَعْبُودٍ مَن دُونِ اللَّهِ، مَن حَجَرٍ، أوْ صُورَةٍ، أوْ شَيْطانٍ، فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ: أنْتُمْ "أهْدى" مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا، يَعْنُونَ النَّبِيَّ وأصْحابَهُ "طَرِيقًا" في الدِّيانَةِ والِاعْتِقادِ.

4:52–53Page 87

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢

Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.

أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، فالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ جَوابٌ لِجَزاءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَئِنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. وفي "النَّقِيرِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-١٠٩)أحَدُها: أنَّهُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ، رَواهُ التَّيْمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقَرَ الرَّجُلَ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ، رَواهُ أبُو العالِيَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: و"الفَتِيلُ" و"النَّقِيرُ" و"القِطْمِيرُ": تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ.

4:54Page 87

أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤

Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ، ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١١٠)وَفِي "أمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: بِمَعْنى: "بَلْ" قالَهُ الزَّجّاجُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "الحَسَدِ" في (سُورَةِ البَقَرَةِ) والحاسِدُونَ هاهُنا: اليَهُودُ. وفي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النَّبِيُّ ﷺ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: العَرَبُ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: النَّبِيُّ، والصَّحابَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إباحَةُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَنْكِحَ ما شاءَ مِنَ النِّساءِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: بِعْثَةُ نَبِيٍّ مِنهم عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُمُ العَرَبُ.

(p-١١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ. كُلُّهُ كانَ في آَلِ إبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ. وفي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي المُلْكِ العَظِيمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مُلْكُ سُلَيْمانَ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُلْكُ داوُدَ، وسُلَيْمانَ في النِّساءِ، كانَ لِداوُدَ مِائَةَ امْرَأةٍ، ولِسُلَيْمانَ سَبْعَمِائَةَ امْرَأةٍ، وثَلاثَمِائَةَ سُرِّيَّةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ. والخامِسُ: الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا، وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

4:55Page 87

فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ فِيمَن تَعُودُ عَلَيْهِ الهاءُ، والمِيمُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودُ الَّذِينَ أنْذَرُهم نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ.

(p-١١٢)والفَرّاءُ في آَخَرِينَ. فَعَلى هَذا القَوْلِ في هاءِ "بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَعُودُ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: فَيَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو النُّبُوَّةُ، والقُرْآَنُ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يَعْنِي: بِالنّاسِ مُحَمَّدًا ﷺ، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّها تَعُودُ إلى النَّبَإ عَنْ آَلِ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي أنَّ الهاءَ، والمِيمَ في قَوْلِهِ (فَمِنهُمْ) تَعُودُ إلى آَلِ إبْراهِيمَ، فَعَلى هَذا في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ إلى إبْراهِيمَ، قالَهُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: إلى الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرَيُّ: (مَن صَدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو رَجاءٍ، والجَوْنِيُّ: بِكَسْرِ الصّادِ.

4:56Page 87

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَشْوِيهِمْ في نارٍ. ويُرْوى أنَّ يَهُودِيَّةً أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ شاةً مُصْلِيَةً، أيْ: مَشْوِيَّةً. وفي قَوْلِهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها غَيْرُها حَقِيقَةً، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: كَيْفَ بُدِّلَتْ (p-١١٣)جُلُودٌ التَذَّتْ بِالمَعاصِي بِجُلُودٍ ما التَذَّتْ، لِأنَّ الجُلُودَ آَلَةٌ في إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ، كَما كانَتْ آَلَةً في إيصالِ اللَّذَّةِ، وهُمُ المُعاقِبُونَ لا الجُلُودُ.

والثّانِي: أنَّها هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ احْتِراقِها، كَما تُعادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ. فَتَكُونُ الغَيْرِيَّةُ عائِدَةً إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ، فالمَعْنى: بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، كَما تَقُولُ: صُغْتُ مِن خاتَمِي خاتَمًا آَخَرَ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: في هَذِهِ الآَيَةِ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةً، كُلَّما أكَلَتْهم قِيلَ: لَهُمْ: عُودُوا، فَعادُوا.

4:57Page 87

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَظَلُّ مِنَ الحَرِّ والرِّيحِ، ولَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ كَذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ظِلَّ الجَنَّةِ ظَلِيلٌ لا حَرَّ مَعَهُ، ولا بَرْدَ. فَإنْ قِيلَ: أفِي الجَنَّةِ بَرْدٌ أوْ حَرٌّ يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى ظِلٍّ؟ فالجَوابُ: أنْ لا، وإنَّما خاطَبَهم بِما يَعْقِلُونَ مِثْلَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٢] وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ وصْفِها، وتَمْكِينِ بِنائِها، فَلَوْ كانَ البَرْدُ أوِ الحَرُّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْها، لَكانَ في أبْنِيَتِها وشَجَرِها ظِلٌّ ظَلِيلٌ.

4:58Page 87

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨

Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. .

(p-١١٤)أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، طَلَبَ مِفْتاحَ البَيْتِ مِن عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَذَهَبَ لِيُعْطِيَهُ إيّاهُ، فَقالَ: العَبّاسُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ مَخافَةَ أنْ يُعْطِيَهُ لِلْعَبّاسِ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "هاتِ المِفْتاحَ" فَأعادَ العَبّاسُ قَوْلَهُ، وكَفَّ عُثْمانُ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "أرِنِي المِفْتاحَ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآَخِرِ" فَقالَ: هاكِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَأخَذَ المِفْتاحَ، فَفَتَحَ البَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَدَعا عُثْمانَ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأُمَراءِ. رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: أمَرَ الأُمَراءَ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. واعْلَمْ أنَّ نُزُولَها عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ عُمُومَ حُكْمِها، فَإنَّها عامَّةٌ في الوَدائِعِ وغَيْرِها مِنَ الأماناتِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمانَةُ في الوُضُوءِ، وفي الصَّلاةِ، وفي الصَّوْمِ، وفي الحَدِيثِ، وأشَدُّ ذَلِكَ في الوَدائِعِ.

(p-١١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ يَقُولُ: نِعِمَّ الشَّيْءُ يَعِظُكم بِهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ) .

4:59Page 87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١١٦)والثّانِي: «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ كانَ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ، فَهَرَبَ القَوْمُ، ودَخْلَ رَجُلٌ مِنهم عَلى عَمّارٍ، فَقالَ: إنِّي قَدْ أسْلَمَتْ، هَلْ يَنْفَعُنِي، أوْ أذْهَبُ كَما ذَهَبَ قَوْمِي؟ قالَ عَمّارٌ: أقِمْ فَأنْتَ آَمِنٌ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، وأقامَ فَجاءَ خالِدٌ، فَأخَذَ الرَّجُلَ، فَقالَ عَمّارٌ: إنِّي قَدْ أمَّنْتُهُ، وإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، قالَ: أتُجِيرُ عَلَيَّ وأنا الأمِيرُ؟ فَتَنازَعا، وقَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ طاعَةُ الرَّسُولِ في حَياتِهِ: امْتِثالُ أمْرِهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، وبَعْدَ مَماتِهِ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ.

وَفِي أُولِي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

(p-١١٧)والثّانِي: أنَّهُمُ العُلَماءُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، والنَّخْعِيِّ، والضَّحّاكِ، ورَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اخْتَلَفْتُمْ. وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: القَوْلُ القَوْلِيُّ. واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ: أنْ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ الحُجَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ في كَيْفِيَّةِ هَذا الرَّدِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ رَدُّهُ إلى كِتابِهِ، ورَدَّهُ إلى النَّبِيِّ رَدُّهُ إلى سُنَّتِهِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الرَّدُّ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدِهِما: إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ ومَعْناهُ، والثّانِي: الرَّدُّ إلَيْهِما مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، واعْتِبارِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ، والنَّظائِرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، أنْ يَقُولَ: مَن لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، ذَكَرَهُ قَوْمٌ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُرادِ بِالتَّأْوِيلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الجَزاءُ، والثَّوابُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُ العاقِبَةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ (p-١١٨)قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّصْدِيقُ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةٍ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: رَدُّكم إيّاهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِكم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском