Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:28–53
42:28–31Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨
And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩
And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.
وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠
And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١
And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.
(p-٢٨٨)﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِنَ المَعاصِي. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها. وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟ قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.
42:32–36Page 487
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢
And of His signs are the ships in the sea, like mountains.
إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣
If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤
Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.
وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥
And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦
So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ.
﴿كالأعْلامِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] .
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
(p-٢٩٠)أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم.
والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.
42:37–43Page 487
وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧
And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,
وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨
And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩
And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1
وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢
The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣
And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ. وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] . وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: الزِّنا. والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم (p-٢٩١)طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى.
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ (p-٢٩٢)البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ.
فَصْلٌ
واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ. ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ [الشُّورى: ٤٣] فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ.
والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ.
(p-٢٩٣)والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ.
﴿فَمَن عَفا﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ. وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] . قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا.
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٩] و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي.
(p-٢٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .
42:44–46Page 487
وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤
And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"
وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥
And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦
And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ بَعْدَ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ.
﴿وَتَرى الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ في الآخِرَةِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ؟
﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن طَرْفٍ ذَلِيلٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: يَنْظُرُونَ مِن عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ. وقالَ غَيْرُهُ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ" .
والثّانِي: يُسارِقُونَ النَّظَرَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: يَنْظُرُونَ بِبَعْضِ العَيْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى النّارِ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ حُشِرُوا عُمْيًا، فَلَمْ يَرَوْها بِأعْيُنِهِمْ، حَكاهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٢، هُودٍ: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
42:47–50Page 488
ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧
Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨
But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.
لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩
To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.
أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠
Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.
(p-٢٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم. وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم. وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٢٩٦)المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] . والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ﷺ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] .
﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم. وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ. وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.
42:51–53Page 488
۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١
And it is not for any human being that Allāh should speak to him except by revelation or from behind a partition or that He sends a messenger [i.e., angel] to reveal, by His permission, what He wills. Indeed, He is Most High and Wise.
وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢
And thus We have revealed to you an inspiration of Our command [i.e., the Qur’ān]. You did not know what is the Book or [what is] faith, but We have made it a light by which We guide whom We will of Our servants. And indeed, [O Muḥammad], you guide to a straight path -
صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣
The path of Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Unquestionably, to Allāh do [all] matters evolve [i.e., return].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟ فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ.
﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى.
﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿فَيُوحِيَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ . قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ. (p-٢٩٨)وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ.
"وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿وَلا الإيمانُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣]، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ. والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (p-٢٩٩)أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ. وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها. وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [يَعْنِي القُرْآنَ] ﴿وَلا الإيمانُ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ. والثّانِي: إلى الإيمانِ.
﴿نُورًا﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [مِن عِبادِنا] إلى دِينِ الحَقِّ.
(p-٣٠٠)﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences