Ibn al-JawziAz‑Zukhruf · 43:41–83

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:41–83

43:41–44Page 492

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناها: فَإنْ نَذْهَبَنَّ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتْ "ما" تَوْكِيدًا لِلشَّرْطِ، ودَخَلَتِ النُّونُ الثَّقِيلَةُ في "نَذْهَبَنَّ" تَوْكِيدًا أيْضًا؛ والمَعْنى: إنّا نَنْتَقِمُ مِنهم إنْ تُوُفِّيتَ أوْ نُرِيَنَّكَ ما وعَدْناهم ووَعَدْناكَ فِيهِمْ مِنَ النَّصْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ [لَهُ] .

(p-٣١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَكَ بِما أعْطاكَ اللَّهُ ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ في قَوْمِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: العَرَبُ قاطِبَةً. والثّانِي: قُرَيْشٌ. والثّالِثُ: جَمِيعُ مَن آمَنَ بِهِ. وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سُئِلَ: لِمَن هَذا الأمْرُ مِن بَعْدِكَ؟ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: "لِقُرَيْشٍ" .» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَهِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَلِي عَلى المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُ مِن بَعْدِهِ في الوِلايَةِ لِشَرَفِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَجُلٍ مِنهم. ومَذْهَبُ مُجاهِدٍ أنَّ القَوْمَ هاهُنا: العَرَبُ، والقُرْآنُ شَرَفٌ لَهم إذْ أُنْزِلَ بِلُغَتِهِمْ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما وُضِعَ الذِّكْرُ مَوْضِعَ الشَّرَفِ، لِأنَّ الشَّرِيفَ يُذْكَرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنْ شُكْرِ ما أُعْطِيتُمْ مِن ذَلِكَ. والثّانِي: عَمّا لَزِمَكم فِيهِ مِنَ الحُقُوقِ.

43:45–56Page 492

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.

وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨

And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩

And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠

But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.

وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١

And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?

أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢

Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1

فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣

Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"

فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤

So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].

فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥

And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.

فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦

And We made them a precedent and an example for the later peoples.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْألُ الرُّسُلَ وقَدْ ماتُوا قَبْلَهُ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُسْرِيَ بِهِ جُمِعَ لَهُ الأنْبِياءُ فَصَلّى بِهِمْ، ثُمَّ قالَ [لَهُ] جِبْرِيلُ: سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ. . . الآيَةُ. فَقالَ: لا أسْألُ، قَدِ اكْتَفَيْتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ؛ قالُوا: جُمِعَ لَهُ الرُّسُلُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَلَقِيَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَسْألَهُمْ، فَما شَكَّ ولا سَألَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ: [اسْألْ] مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ [مِنَ] الَّذِينَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آخَرِينَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: سَلْ أتْباعَ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ، (p-٣٢٠)كَما تَقُولُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، أيْ: سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ، أيْ: شِعْرُ زُهَيْرٍ. وعِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى القَوْلَيْنِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ، فَإذا سَألَ جَمِيعَ الأُمَمِ، لَمْ يَأْتُوا بِأنَّ في كُتُبِهِمْ: أنِ اعْبُدُوا غَيْرِي.

والثّالِثُ: [أنَّ] المُرادَ بِخِطابِ النَّبِيِّ ﷺ: خِطابُ أُمَّتِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً بِها وتَكْذِيبًا.

﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ يَعْنِي ما تَرادَفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ، فَكانَتْ كُلُّ آيَةٍ أكْبَرَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وهي العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾، فَكانَتْ عَذابًا لَهُمْ، ومُعْجِزاتٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ في خِطابِهِمْ لَهُ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أرادُوا: يا أيُّها العالِمُ، وكانَ السّاحِرُ فِيهِمْ عَظِيمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسّاحِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ بِكَ. فَدَعا مُوسى، فَكُشِفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا. وقَدْ ذَكَرْنا ما تَرَكْناهُ هاهُنا في [الأعْرافِ: ١٣٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِي ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عَظْمَتِي وشَدَّةَ مُلْكِي؟!

(p-٣٢١)﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ بَلْ أنا خَيْرٌ. وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّهُما قالا: عُطِفَ "أنا" بِـ "أمْ" عَلى "أفَلا تُبْصِرُونَ" [فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ] أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ؟! لِأنَّهم إذا قالُوا: أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ، فَقَدْ صارُوا عِنْدَهُ بُصَراءَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَهِينُ: القَلِيلُ؛ يُقالُ: شَيْءٌ مَهِينٌ، أيْ: قَلِيلٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: "مَهِينٌ" بِمَعْنى ذَلِيلٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أشارَ إلى عُقْدَةِ لِسانِهِ الَّتِي كانَتْ بِهِ ثُمَّ أذْهَبَها اللَّهُ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ قَدْ كانَ وزالَ، ويَدُلُّ عَلى زَوالِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طَه: ٣٦]، وكانَ في سُؤالِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طَه: ٢٧] . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا يَكادُ يُبِينُ الحُجَّةَ ولا يَأْتِي بِبَيانٍ يُفْهَمُ.

﴿فَلَوْلا﴾ أيْ: فَهَلّا ( أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَة مَن ذَهَبَ ) وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ (p-٣٢٢)عاصِمٍ: "أسْوِرَةٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ الأساوِرَةِ: إسْوارٌ، وقَدْ تَكُونُ الأساوِرَةُ جَمْعَ أسْوِرَةٍ، كَما يُقالُ في جَمْعِ الأسْقِيَةِ: الأساقِي، وفي جَمْعِ الأكْرَعِ: الأكارِعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ الأساوِرَةُ جَمْعَ الجَمْعِ، تَقُولُ: أسْوِرَةٌ وأساوِرَةٌ، كَما تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ إسْوارٍ، وإنَّما صُرِفَتْ أساوِرَةٌ، لِأنَّكَ ضَمَمْتَ الهاءَ إلى أساوِرَ، فَصارَ اسْمًا واحِدًا، وصارَ لَهُ مِثالٌ في الواحِدِ، نَحْوُ "عَلانِيَةٍ" .

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، لِأنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا الرَّجُلَ مِنهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ.

﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مُتَتابِعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: يَمْشُونَ مَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اسْتَفَزَّهُمْ؛ وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَخَفَّ أحْلامَهم وحَمَلَهم عَلى خِفَّةِ الحِلْمِ بِكَيْدِهِ وغُرُورِهِ ﴿فَأطاعُوهُ﴾ في تَكْذِيبِ مُوسى.

﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْضَبُونا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: الغَضَبُ، يُقالُ: آسَفْتُ آسَفُ أسَفًا، أيْ: غَضِبْتُ.

﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: قَوْمًا تَقَدَّمُوا. وقَرَأها أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، كَأنَّ واحِدَتَهُ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، مِثْلُ القِطْعَةِ، يُقالُ: تَقَدَّمَتْ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: قِطْعَةٌ مِنهم. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، وهو (p-٣٢٣)جَمْعُ "سَلَفٍ"، كَما قالُوا: خَشَبٌ وخُشُبٌ، وثَمَرٌ وثُمُرٌ، ويُقالُ: هو جَمْعُ "سَلِيفٍ"، وكُلُّهُ مِنَ التَّقَدُّمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: "السَّلِيفُ" جَمْعٌ قَدْ مَضى؛ والمَعْنى: جَعَلْناهم سَلَفًا مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلا﴾ أيْ: عِبْرَةً [وَعِظَةً] .

43:57–66Page 493

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧

And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.

وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨

And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.

إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ ابْنِ الزِّبَعْرى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. . .﴾ [الآيَةُ] [الأنْبِياءِ: ٩٨] . وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ١٠١] . والمُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ ضَرَبُوا عِيسى مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ (p-٣٢٤)وَشَبَّهُوهُ بِها، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الأصْنامِ، لِأنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَألْزَمُوهُ عِيسى، وضَرَبُوهُ مَثَلًا لِأصْنامِهِمْ، لِأنَّهُ مَعْبُودُ النَّصارى. والمُرادُ بِقَوْمِهِ: المُشْرِكُونَ.

فَأمّا ﴿يَصِدُّونَ﴾ فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الصّادِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُما جَمِيعًا: يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن كَسَرَ الصّادَ، فَمَجازُها: يَضِجُّونَ، ومِن ضَمَّها، فَمَجازُها: يَعْدِلُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ المَعْنى: لَيْسَتْ خَيْرًا مِنهُ، فَإنْ كانَ في النّارِ لِأنَّهُ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَدْ رَضِينا أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا بِمَنزِلَتِهِ.

﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ أيْ: ما ذَكَرُوا عِيسى إلّا لِيُجادِلُوكَ بِهِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ بِـ "حَصَبُ جَهَنَّمَ" ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَواتِ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أيْ: أصْحابُ خُصُوماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلا﴾ أيْ: آيَةً وعِبْرَةً ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ما يُرِيدُ، إذْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

(p-٣٢٥)ثُمَّ خاطَبَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكم ﴿مَلائِكَةً﴾؛ ثُمَّ في مَعْنى "يَخْلُفُونَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَخْلُفُونَكم لِيَكُونُوا بَدَلًا مِنكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: يَخْلُفُونَ الرُّسُلَ فَيَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنهُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: "وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً" أيْ: قَلَبْنا الخِلْقَةَ فَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ مَن ذَهَبَ مِنكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] تَرْجِعُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: نُزُولُ عِيسى مِن أشْراطِ السّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وتَسْكِينِ اللّامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُ السّاعَةِ، ومَن فَتَحَ العَيْنَ واللّامَ، فَإنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ والدَّلِيلِ.

(p-٣٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ أيْ: فَلا تَشُكُّنَّ فِيها ﴿واتَّبِعُونِ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿هَذا﴾ الَّذِي أنا عَلَيْهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [البَقَرَةِ: ٨٧] .

﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [أيْ]: مِن أمْرِ دِينِكُمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" مِن تَبْدِيلِ التَّوْراةِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ البَعْضَ هاهُنا بِمَعْنى الكُلِّ. وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في [حم المُؤْمِنِ: ٢٨]؛ قالَ الزَّجّاجُ: والصَّحِيحُ أنَّ البَعْضَ لا يَكُونُ في مَعْنى الكُلِّ، وإنَّما بَيَّنَ لَهم عِيسى بَعْضَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمّا احْتاجُوا إلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فَبَيَّنَ لَهم أمْرَ دِينِهِمْ فَقَطْ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ١٧٥، مَرْيَمَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

43:67–73Page 494

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨

[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩

[You] who believed in Our verses and were Muslims.

ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠

Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١

Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.

وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢

And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.

لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣

For you therein is much fruit1 from which you will eat.

(p-٣٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِأنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ. فَإذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، فَيَرْفَعُ الخَلائِقُ رُؤُوسَهُمْ، فَيَقُولُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، فَيُنَكِّسُ الكُفّارُ رُؤُوسَهم.

(p-٣٢٨)قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يا عِبادِي" بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ وإسْكانِها، وحَذَفَها في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ.

وَفِي أزْواجِهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: زَوْجاتُهم. والثّانِي: قُرَناؤُهم.

وَقَدْ سَبَقَ مَعْنى ﴿تُحْبَرُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها صَحْفَةٌ، وهي القَصْعَةُ. والأكْوابُ، واحِدُها: كُوبٌ، وهو إناءٌ مُسْتَدِيرٌ لا عُرْوَةَ لَهُ؛ قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ: [الكُوزُ] المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، وقالَ عَدِيٌّ:

؎ مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأكْوابُ: الأبارِيقُ الَّتِي لا عُرًى لَها. وقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وإنَّما كانَتْ بِغَيْرِ عُرًى لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: (٣٠ وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ) وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَشْتَهِيهِ" بِزِيادَةِ هاءٍ. وحَذْفُ الهاءِ كَإثْباتِها في المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ يُقالُ: لَذِذْتُ الشَّيْءَ، واسْتَلْذَذَتْهُ، والمَعْنى: ما مِن شَيْءٍ اشْتَهَتْهُ نَفْسٌ أوِ اسْتَلَذَّتْهُ عَيْنٌ إلّا وهو في الجَنَّةِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ نَعِيمِ الجَنَّةِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ ما مِن نِعْمَةٍ إلّا وهي نَصِيبُ النَّفْسِ أوِ العَيْنِ، وتَمامُ النَّعِيمِ الخُلُودُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَمْ تَطِبْ.

(p-٣٢٩)﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ يَعْنِي الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: "ادْخُلُوا الجَنَّةَ" ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأعْرافِ: ٤٣] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ .

43:74–83Page 495

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤

Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.

لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥

It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦

And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.

وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧

And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."

لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨

We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.

أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩

Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].

أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠

Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، ﴿لا يُفَتَّرُ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ ﴿عَنْهم وهم فِيهِ﴾ يَعْنِي في العَذابِ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأنْعامِ: ٤٤] ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: ما عَذَّبْناهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِما جَنَوا عَلَيْها. قالَ الزَّجّاجُ: والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: "هُمْ" هاهُنا فَصْلٌ، كَذَلِكَ يُسَمُّونَها، ويُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ: العِمادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: ["يا مالِ"] بِغَيْرِ كافٍ مَعَ كَسْرِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ: [التَّرْخِيمَ]، ولَكِنِّي أكْرَهُها لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَدْعُونَ مالِكًا خازِنَ النّارِ فَيَقُولُونَ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ (p-٣٣٠)[أيْ]: لِيُمِتْنا؛ والمَعْنى: أنَّهم تَوَسَّلُوا بِهِ لِيَسْألَ اللَّهَ تَعالى لَهُمُ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ العَذابِ؛ فَيَسْكُتُ عَنْ جَوابِهِمْ مُدَّةً، فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أرْبَعُونَ عامًا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ أنَسٌ. والثّالِثُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

وَفِي سُكُوتِهِ عَنْ جَوابِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَتَ حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ أجِبْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مالِكٌ فَقالَ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ في العَذابِ.

﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: كُلَّكم ﴿كارِهُونَ﴾ لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ في "أمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ. والثّانِي: بِمَعْنى "بَلْ" . والإبْرامُ: الإحْكامُ. وفي هَذا الأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ القِصَّةِ [الأنْفالِ: ٣٠]، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ إحْكامُ أمْرِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ: إبْرامُ أمْرِهِمْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

(p-٣٣١)﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ أيْ: مُحْكِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ.

﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما يَسُرُّونَهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم ﴿بَلى﴾ والمَعْنى: إنّا نَسْمَعُ ذَلِكَ ﴿وَرُسُلُنا﴾ يَعْنِي [مِنَ] الحَفَظَةِ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .

﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ في قَوْلِكم وعَلى زَعْمِكُمْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أعْرابِيَّيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ هَذا كانَتْ لِي في يَدِهِ أرْضٌ، فَعَبَدَنِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ الجاحِدِينَ أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.

والثّانِي: فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللَّهَ مُخالِفًا لِقَوْلِكُمْ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ.

والثّالِثُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ لِلَّهِ مِمّا قُلْتُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: عَبِدْتُ مِن كَذا، أعْبَدُ عَبَدًا، فَأنا عَبِدٌ وعابِدٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ:(p-٣٣٢)

؎ [أُولَئِكَ قَوْمٌ إنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ] وأعْبَدُ أنْ تُهْجى تَمِيمٌ بِدارِمِ

أيْ: آنَفُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ وأعْبَدُ أنْ أسُبَّهم بِقَوْمِي ∗∗∗ وأُوثِرُ دارِمًا وبَنِي رَزاحِ

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كَما أنِّي لَسْتُ أوَّلَ عابِدٍ لِلَّهِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ كاتِبًا فَأنا حاسِبٌ، أيْ: لَسْتَ كاتِبًا ولا أنا حاسِبٌ؛ حَكى هَذا القَوْلَ الواحِدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "إنْ" بِمَعْنى "ما"، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ [وَلَدٌ]، فَأنا أوَّلُ مَن عَبَدَ اللَّهَ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاءُ عَلى [هَذا القَوْلِ] بِمَعْنى الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿يَخُوضُوا﴾ في باطِلِهِمْ ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "حَتّى يَلْقَوا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. والمُرادُ: يُلاقُوا [يَوْمَ] القِيامَةِ وهَذِهِ الآيَةُ [عِنْدَ الجُمْهُورِ] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском