Ibn al-JawziAd‑Dukhan · 44:1–42

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

الدخان

Ad-Dukhan

The Smoke · Meccan · 59 ayahs

44:1–9Page 496

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣

Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].

فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤

Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -

أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥

[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]

رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦

As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧

Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.

لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.

بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩

But they are in doubt, amusing themselves.

(p-٣٣٦)سُورَةُ الدُّخانِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ[المُؤْمِنُ، والزُّخْرُفُ]، وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، والهاءُ كِنايَةٌ عَنِ الكِتابِ، وهو القُرْآنُ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً، (p-٣٣٧)فَوُضِعَ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: مُخَوِّفِينَ عِقابَنا.

﴿فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ ﴿يُفْرَقُ كُلُّ﴾ أيْ: يُفْصَلُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "يَفَرِقُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. (p-٣٣٨)"كُلَّ" بِنَصْبِ اللّامِ ﴿أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أيْ: مُحْكَمٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْتَبُ مِن أُمِّ الكِتابِ في لَيْلَةِ القَدْرِ ماهُوَ كائِنٌ في السَّنَةِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأرْزاقِ والآجالِ، حَتّى الحاجُّ، وإنَّكَ لَتَرى الرَّجُلُ يَمْشِي في الأسْواقِ وقَدْ وقَعَ اسْمُهُ في المَوْتى، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ذَلِكَ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والرِّوايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ قَدْ خُولِفَ الرّاوِي لَها، فَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: في لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا المُفَسِّرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ قالَ الأخْفَشُ: "أمْرًا" و "رَحْمَةً" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ؛ المَعْنى؛ إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا وراحِمِينَ رَحْمَةً. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "يُفْرَقُ" بِمَنزِلَةِ يُفْرَقُ فَرْقًا، لِأنَّ "أمْرًا" بِمَعْنى "فَرْقًا" . قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ الرَّحْمَةُ بِوُقُوعِ "مُرْسِلِينَ" عَلَيْها، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ هي النَّبِيَّ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: "مُرْسِلِينَ" بِمَعْنى مَنزِلِينَ هَذا القُرْآنَ، أنْزَلْناهُ رَحْمَةً لِمَن آمَنَ بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: إنّا نَأْمُرُ بِنَسْخِ ما يُنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ الأنْبِياءَ، ﴿رَحْمَةً﴾ مِنّا بِخَلْقِنا ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "رَبُّ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "رَبِّ" بِكَسْرِ الباءِ. وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ ﴿فِي شَكٍّ﴾ مِمّا جِئْناهم بِهِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يَهْزَؤُونَ بِهِ.

44:10–16Page 496

فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠

Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke

يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١

Covering the people; this is a painful torment.

رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢

[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣

How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.

ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤

Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."

إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥

Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].

يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.

(p-٣٣٩)﴿فارْتَقِبْ﴾ أيْ: فانْتَظِرَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الدُّخانِ ووَقْتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] دُخانٌ يَجِيءُ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ الدُّخانَ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ بِأنْفاسِ الكُفّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي مَلِيكَةَ قالَ: غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ ذاتَ يَوْمٍ، فَقالَ: ما نِمْتُ اللَّيْلَةَ حَتّى أصْبَحْتُ، قُلْتُ: لِمَ؟ قالَ: طَلَعَ الكَوْكَبُ ذُو الذَّنَبِ، فَخَشِيتُ أنْ يَطْرُقَ الدُّخانُ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ.

(p-٣٤٠)والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا أصابَهم جُوعٌ، فَكانُوا يَرَوْنَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ دُخانًا مِنَ الجُوعِ؛ فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنا رَجُلٌ، فَقالَ: جِئْتُكَ مِنَ المَسْجِدِ وتَرَكْتُ رَجُلًا يَقُولُ في هَذِهِ [الآيَةِ] "يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ": يَغْشاهم يَوْمَ القِيامَةِ دُخانٌ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ حَتّى يُصِيبَهم مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ، إنَّما كانَ [هَذا] لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ والمَيْتَةَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَها كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجَهْدِ، فَقالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، (p-٣٤١)فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ، فَأُخِذُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾»، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حُجِبَتِ السَّماءُ بِالغَبْرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: هَذا عَذابٌ.

﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: الجُوعُ. والثّانِي: الدُّخانُ ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ.

﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ أيْ: مِن أيْنَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ والِاتِّعاظُ بَعْدَ نُزُولِ هَذا البَلاءِ، "وَ" حالُهم أنَّهُ " قَدّ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ " أيْ: ظاهِرُ الصِّدْقِ؟!

﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضُوا ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أيْ: هو مُعَلَّمٌ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ مَجْنُونٌ بِادِّعائِهِ النُّبُوَّةَ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا﴾ أيْ: زَمانًا يَسِيرًا. وفي العَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الضُّرُّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ كُشِفَ بِالخِصْبِ، هَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ مُقاتِلٌ: كَشَفَهُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: إلى عَذابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٣٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو عِمْرانَ: "يَوْمَ تُبْطَشُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ "البَطْشَةُ" بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْطِشُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: "مُنْتَقِمُونَ"، لِأنَّ ما بَعْدَ "إنّا" لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها.

وَفِي هَذا اليَوْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.

44:17–29Page 496

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩

And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا﴾ أيِ: ابْتَلَيْنا ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بِإرْسالِ مُوسى إلَيْهِمْ ﴿وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ.

وَفِي مَعْنى "كَرِيمٍ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٣٤٣)والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: شَرِيفٌ وسِيطُ النَّسَبِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أدُّوا﴾ أيْ: بِأنْ أدُّوا ﴿إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أدُّوا إلَيَّ ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِاتِّباعِي، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا يَنْتَصِبُ "عِبادَ اللَّهِ" بِالنِّداءِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَكُونُ المَعْنى: أنْ أدُّوا إلَيَّ ما آمُرُكم بِهِ يا عِبادَ اللَّهِ.

والثّانِي: أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: أطْلِقُوهم مِن تَسْخِيرِكُمْ، وسَلِّمُوهم إلَيَّ.

﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا تَعْتَوا عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَعَظَّمُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةِ تَدَلُّ عَلى صِدْقِي.

فَلَمّا قالَ هَذا تَواعَدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ رَجْمُ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنْ يَقُولُوا: شاعِرٌ أوْ مَجْنُونٌ.

والثّانِي: القَتْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: فاتْرُكُونِي لا مَعِي ولا عَلَيَّ، فَكَفَرُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ "أنَّ"، فالمَعْنى: بِأنَّ هَؤُلاءِ؛ ومَن كَسَرَ، فالمَعْنى: قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ، و "إنَّ" بَعْدَ القَوْلِ مَكْسُورَةٌ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: المُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

(p-٣٤٤)فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وقالَ: ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا﴾ يَعْنِي بِالمُؤْمِنِينَ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهم يَتْبَعُونَهُمْ، وأنَّهُ سَيَكُونُ سَبَبًا لِغَرَقِهِمْ.

﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: ساكِنًا عَلى حالِهِ بَعْدَ أنِ انْفَرَقَ لَكَ، ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ كَما كانَ حَتّى يَدْخُلَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. والرَّهْوُ: مَشْيٌ في سُكُونٍ.

قالَ قَتادَةُ: لَمّا قَطَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ، عَطَفَ يَضْرِبُ البَحْرَ بِعَصاهُ لِيَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَقِيلَ [لَهُ]: "واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا"، أيْ: كَما هُوَ- طَرِيقًا يابِسًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِغَرَقِهِمْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ في تَرْكِ البَحْرِ عَلى حالِهِ.

﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ: بَعْدَ غَرَقِهِمْ ﴿مِن جَنّاتٍ﴾ وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ في [الشُّعَراءِ: ٥٧] . فَأمّا "النَّعْمَةُ" فَهو العَيْشُ اللَّيِّنُ الرَّغْدُ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يَس: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ﴾ أيْ: عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، وفي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ (p-٣٤٥)رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ بَكَيا عَلَيْهِ"» وتَلا ﷺ هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، وإنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الأرْضِ مُصَلًّى ولا في السَّماءِ مَصْعَدُ عَمَلٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: "فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ"،» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمْرَةُ الَّتِي في السَّماءِ: بُكاؤُها. وقالَ مُجاهِدٌ: ما ماتَ مُؤْمِنٌ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَقِيلَ لَهُ: أوَ تَبْكِي؟ قالَ: وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟! وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَسْبِيحِهِ وتَكْبِيرِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟! .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ: أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤]، أيْ: أهْلُ الحَرْبِ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ إذا أرادَتْ تَعْظِيمَ مَهْلِكِ عَظِيمٍ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ لَهُ، وكَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ والسَّماءُ والأرْضُ، يُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في وصْفِ المُصِيبَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ مِنهُمْ، لِأنَّهم جَمِيعًا (p-٣٤٦)مُتَواطِئُونَ عَلَيْهِ، والسّامِعُ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ القائِلِ فِيهِ؛ ونِيَّتَهم في قَوْلِهِمْ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ: كادَتْ تُظْلِمُ، وكَسَفَ القَمَرُ: كادَ يَكْسِفُ، ومَعْنى "كادَ": هَمَّ أنْ يَفْعَلَ ولَمْ يَفْعَلْ؛ قالَ ابْنُ مُفَرَّغٍ يَرْثِي رَجُلًا:

؎ الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامَهْ

وَقالَ الآخَرُ

؎ الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ- ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ- نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا

أرادَ: الشَّمْسُ طالِعَةٌ تَبْكِي عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ مَعَ طُلُوعِها كاسِفَةً النُّجُومَ والقَمَرَ، لِأنَّها مُظْلِمَةٌ، وإنَّما تَكْسِفُ بِضَوْئِها، فَنُجُومُ اللَّيْلِ بادِيَةٌ بِالنَّهارِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ اللَّهَ لَمّا أهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ باكٍ: ولَمْ يَجْزَعْ جازِعٌ، ولَمْ يُوجَدْ لَهم فَقْدٌ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

44:30–42Page 497

وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠

And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -

مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.

وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢

And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.

وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣

And We gave them of signs that in which there was a clear trial.

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤

Indeed, these [disbelievers] are saying,

إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥

"There is not but our first death, and we will not be resurrected.

فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦

Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."

أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧

Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨

And We did not create the heavens and earth and that between them in play.

مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩

We did not create them except in truth, but most of them do not know.

إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠

Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١

The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والتَّعَبَ في أعْمالِ فِرْعَوْنَ، ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ أيْ: جَبّارًا.

﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، ﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ كانْفِراقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يَعْنُونَ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أيِ: ابْعَثُوهم لَنا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في البَعْثِ. وهَذا جَهْلٌ مِنهم مَن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَدْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ؛ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَنَطَّعُوا.

والثّانِي: أنَّ الإعادَةَ لِلْجَزاءِ؛ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، لا في الدُّنْيا.

ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿أهم خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ؟! أيْ: لَيْسُوا خَيْرًا مِنهم. رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي تُبَّعًا، نَبِيٌّ، أوْ غَيْرُ نَبِيٍّ.» وقالَتْ (p-٣٤٨)عائِشَةُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ. وقالَ وهْبٌ: أسْلَمَ تُبَّعٌ ولَمْ يُسْلِمْ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ ولَمْ يُذْكَرْ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ النّارَ، فَأسْلَمَ ودَعا قَوْمَهُ -وَهم حِمْيَرٌ- إلى الإسْلامِ، فَكَذَّبُوهُ.

فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِـ "تُبَّعٍ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ يُسَمّى: تُبَّعًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُ صاحِبَهُ، فَمَوْضِعُ "تُبَّعٍ" في الجاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الخَلِيفَةِ في الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ أتْباعِهِ، واسْمُهُ مَلْكَيَكْرِبُ. وإنَّما ذَكَرَ قَوْمَ تُبَّعٍ، لِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ في الهَلاكِ إلى كُفّارِ مَكَّةَ مِن غَيْرِهِمْ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الأنْبِياءِ: ١٦، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ العِبادِ ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ أيْ: مِيعادُهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ يَأْتِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ.

﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ قَرِيبٌ قَرِيبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يُغْنِي ولِيٌّ عَنْ ولِيِّهِ بِالقَرابَةِ أوْ غَيْرِها.

(p-٣٤٩)والثّانِي: لا يَنْفَعُ ابْنُ عَمٍّ ابْنَ عَمِّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ يُشَفَّعُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском