Ibn al-JawziAl‑Hujurat · 49:13–18

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:13–18

49:13Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

(p-٤٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وقَوْلِهِ في الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يُفْسِحْ لَهُ: أنْتَ ابْنُ فُلانَةٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١١] .

والثّانِي: أنَّهُ «لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَصَعَدَ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَأذَّنَ، وأرادَ أنْ يُذِلَّ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ، فَلَمّا أذِنَ، قالَ عَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَبَضَ أُسَيْدًا قَبْلَ اليَوْمِ، وقالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: أما وجَدَ مُحَمَّدًا غَيْرَ هَذا الغُرابِ الأسْوَدِ مُؤَذِّنًا؟! وقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: إنْ يَكْرَهِ اللَّهُ شَيْئًا يُغَيِّرْهُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أمّا أنا فَلا أقُولُ شَيْئًا، فَإنِّي إنْ قُلْتُ شَيْئًا لَتَشْهَدَنَّ عَلَيَّ السَّماءُ، ولَتُخْبِرَنَّ عَنِّي الأرْضُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ عَبْدًا أسْوَدَ مَرِضَ فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قُبِضَ فَتَوَلّى غَسْلَهُ وتَكْفِينَهُ ودَفْنَهُ، فَأثَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّحابَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ. فَأمّا المُرادُ بِالذَّكَرِ والأُنْثى، فَآدَمُ وحَوّاءُ. والمَعْنى: إنَّكم تَتَساوُونَ في النَّسَبِ؛ وهَذا زَجْرٌ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ. فَأمّا الشُّعُوبُ، فَهي جَمْعُ شَعْبٍ. وهو الحَيُّ العَظِيمُ، مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها، كَبَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وتَمِيمٌ مِن (p-٤٧٤)مُضَرَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ بِالشُّعُوبِ: المَوالِيَ، وبِالقَبائِلِ: العَرَبَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: الشُّعُوبُ: أهْلُ الجِبالِ الَّذِينَ لا يَعْتَزُّونَ لِأحَدٍ، والقَبائِلُ: قَبائِلُ العَرَبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ القَبائِلَ هي الأُصُولُ، والشُّعُوبُ هي البُطُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، وهَذا ضِدُّ القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ أيْ: لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا في قُرْبِ النَّسَبِ وبُعْدِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِتَعارَفُوا، لا لِتَفاخَرُوا. ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أرْفَعَهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً أتْقاهم. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "لِتَعْرِفُوا" بِإسْكانِ العَيْنِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لِتَّعارَفُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِألِفٍ مَفْتُوحَةَ الرّاءِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، والأعْمَشُ: "لِتَتَعَرَّفُوا" بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَةَ الرّاءِ وبِتَشْدِيدِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ "أنْ" فَكَأنَّهُ قالَ: لِتَعارَفُوا أنَّ الكَرِيمَ التَّقِيُّ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتْ "لِتَعْرِفُوا"، غَيْرَ أنَّهُ يَجُوزُ "لِتَعارَفُوا" عَلى مَعْنى: لِيُعَرِّفَ بَعْضُكم بَعْضًا أنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم.

49:14–18Page 517

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

(p-٤٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أعْرابِ بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. ووَصَفَ غَيْرُهُ حالَهُمْ، فَقالَ: قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ، فَأظْهَرُوا (p-٤٧٦)الإسْلامَ ولَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وأفْسَدُوا طُرُقَ المَدِينَةِ بِالعُذُراتِ، وأغْلَوا أسْعارَهُمْ، وكانُوا يَمُنُّونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: أتَيْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أعْرابِ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأسْلَمَ وأشْجَعَ وغِفارٍ [وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ [الفَتْحِ] وكانُوا يَقُولُونَ: آمَنّا بِاللَّهِ، لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ]، فَلَمّا اسْتُنْفِرُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ مَنازِلُهم بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَكانُوا إذا مَرَّتْ بِهِمْ سَرِيَّةٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: آمَنّا، لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَهم فَلَمْ يَنْفِرُوا مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيِ: اسْتَسْلَمْنا مِن خَوْفِ السَّيْفِ، وانْقَدْنا. قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ: إظْهارُ الخُضُوعِ والقَبُولِ لِما أتى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَهُ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ، فَذَلِكَ الإيمانُ، فَأخْرَجَ اللَّهُ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا، إنَّما أسْلَمْتُمْ تَعَوُّذًا مِنَ القَتْلِ. وقالَ مُقاتِلٌ: "وَلَمّا" بِمَعْنى "وَلَمْ" يَدْخُلِ التَّصْدِيقُ في قُلُوبِكم.

(p-٤٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُخْلِصُوا الإيمانَ ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْلِتْكُمْ" بِألِفٍ وهَمْزٍ؛ ورُوِيَ عَنْهُ بِألِفٍ ساكِنَةٍ مَعَ تَرْكِ الهَمْزَةِ: وقَرَأ الباقُونَ: "يَلِتْكُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ. فَقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو مِن ألَتَ يَأْلِتُ، وقِراءَةُ الباقِينَ مِن لاتَ يَلِيتُ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُما واحِدٌ. والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: ألَتَ يَأْلِتُ، تَقْدِيرُها: أفَكَ يَأْفِكُ، وألاتَ يُلِيتُ، تَقْدِيرُها: أقالَ يُقِيلُ، ولاتَ يَلِيتُ، قالَ رُؤْبَةُ:

؎ ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أعْمالِكُمْ﴾ أيْ: مِن ثَوابِها. ثُمَّ نَعَتَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ. ومَعْنى: ﴿يَرْتابُوا﴾ يَشُكُّوا. وإنَّما ذُكِرَ الجِهادُ، لِأنَّ الجِهادَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ فَرْضًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [فِي إيمانِهِمْ فَلَمّا نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ أتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ] فَنَزَلَتْ [هَذِهِ الآيَةُ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ و "عَلَّمَ" بِمَعْنى "أعْلَمَ"، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: "بِدِينِكُمْ" والمَعْنى: أتُخَبِّرُونَ [اللَّهَ] بِالدِّينِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ؟!، (p-٤٧٨)أيْ: هو عالِمٌ بِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى إخْبارِكُمْ؛ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ قالُوا: أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ [واللَّهُ أعْلَمُ] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском