Ibn al-JawziAl‑Ma'idah · 5:101–106

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:101–106

5:101Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النّاسَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَقامَ مُغْضَبًا خَطِيبًا، فَقالَ: "سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ"، فَقامَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟ قالَ في النّارِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، إنّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ مَن آباؤُنا، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ عَنْ أنَسٍ.

(p-٤٣٤)والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: أما إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن هَلَكَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ"» رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: إنَّ السّائِلَ عَنْ ذَلِكَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو الجَوْرِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٤٣٥)والرّابِعُ: «أنَّ قَوْمًا سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عِكْرِمَةَ.

والسّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في تَمَنِّيهِمُ الفَرائِضَ، وقَوْلِهِمْ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَنا في قِتالِ المُشْرِكِينَ، وسُؤالِهِمْ عَنْ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ الزَّجّاجُ: "أشْياءَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّها فُتِحَتْ، لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ. و "تُبْدَ لَكُمْ": تَظْهَرُ لَكم. فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ السُّؤالَ عَنْ مِثْلِ هَذا الجِنْسِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، لِأنَّهُ يَسُوءُ الجَوابُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُبْدَ لَكم، أيْ: إنْ نَزَلَ القُرْآنُ فِيها بِغَلِيظٍ، ساءَكم ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾ أيْ: حِينَ يَنْزِلُ القُرْآنُ فِيها بِفَرْضٍ أوْ إيجابٍ، أوْ نَهْيٍ أوْ حُكْمٍ، ولَيْسَ في ظاهِرِ ما نَزَلَ دَلِيلٌ عَلى شَرْحِ ما بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ، فَإذا سَألْتُمْ حِينَئِذٍ عَنْها تُبْدَ لَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأشْياءِ.

والثّانِي: إلى المَسْألَةِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم، عَفا اللَّهُ عَنْها. ويَكُونُ مَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: أمْسَكَ عَنْ ذِكْرِها، فَلَمْ يُوجِبْ فِيها حُكْمًا. وعَلى القَوْلِ الثّانِي، الآيَةُ عَلى نَظْمِها، ومَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: لَمْ يُؤاخِذْ بِها.

5:102Page 124

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

(p-٤٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ سَألُوا عِيسى نُزُولَ المائِدَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ حِينَ سَألُوا النّاقَةَ، هَذا عَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ. وهَذانَ القَوْلانِ. يُخَرَّجانِ عَلى أنَّهُما سَألُوا الآياتِ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ هُمُ الَّذِينَ سَألُوا في شَأْنِ البَقَرَةِ وذَبْحِها، فَلَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً لَأجْزَأتْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وهَذا يَخْرُجُ عَلى سُؤالِ مَن سَألَ عَنِ الحَجِّ، إذْ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُشَدِّدَ عَلَيْهِمْ بِالزِّيادَةِ في الفَرْضِ لَشَدَّدَ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا، وهو يَخْرُجُ عَلى مَن قالَ: إنَّما سَألُوا عَنِ الجِهادِ والفَرائِضِ تَمَنِّيًا لِذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْألُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أخْبَرُوهم بِها تَرَكُوا قَوْلَهم ولَمْ يُصَدِّقُوهم، فَأصْبَحُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ كافِرِينَ.

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ أيْ: ما أوْجَبَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِهِ.

وَفِي "البَحِيرَةِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها النّاقَةُ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا نَحَرُوهُ، فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ أُنْثى شَقُّوا أُذُنَها، وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لا يَنْتَفِعْنَ بِها، ولا يَذُقْنَ مِن لَبَنِها، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ خاصَّةً، فَإذا ماتَتْ، اشْتَرَكَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

(p-٤٣٧)والثّانِي: أنَّها النّاقَةُ تَلِدُ خَمْسَ إناثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، فَيَعْمِدُونَ إلى الخامِسَةِ، فَيَبْتِكُونَ أُذُنَها، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّها ابْنَةُ السّائِبَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والفَرّاءُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ النّاقَةُ إذا تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ، فَإذا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُنْثى، شُقَّتْ أُذُنُها، وسُمِّيَتْ بَحِيرَةً، وخُلِّيَتْ مَعَ أُمِّها.

والرّابِعُ: أنَّها النّاقَةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وكانَ آخِرُها ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَها، أيْ: شَقُّوها، وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، وإذا لَقِيَها لَمْ يَرْكَبْها، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا "السّائِبَةُ": فَهي فاعِلَةٌ بِمَعْنى: مَفْعُولَةٍ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: مَرَضِيَّةٍ. وفي السّائِبَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الَّتِي تُسَيَّبُ مِنَ الأنْعامِ لِلْآلِهَةِ، لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ مِنها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما شاءَ، فَيَأْتِي بِهِ خَزَنَةَ الآلِهَةِ، فَيُطْعِمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ مِن ألْبانِهِ ولُحُومِهِ إلّا النِّساءَ، فَلا يُطْعِمُونَهُنَّ شَيْئًا مِنهُ إلّا أنْ يَمُوتَ، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ (p-٤٣٨)الشَّعْبِيُّ: كانُوا يَهْدُونَ لِآلِهَتِهِمُ الإبِلَ والغَنَمَ، ويَتْرُكُونَها عِنْدَ الآلِهَةِ، فَلا يَشْرَبُ مِنها إلّا رَجُلٌ، فَإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

والثّالِثُ: أنَّها النّاقَةُ إذا ولَدَتْ عَشْرَةَ أبْطُنٍ، كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ، فَلَمْ تُرْكَبْ، ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ أوْ ولَدُها حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ أكَلَها الرِّجالُ والنِّساءُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّها البَعِيرُ يُسَيَّبُ بِنَذْرٍ يَكُونُ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مَن مَرَضٍ، أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: كانَ الرَّجُلُ إذا نَذَرَ لِشَيْءٍ مِن هَذا، قالَ: ناقَتِي سائِبَةٌ، فَكانَتْ كالبَحِيرَةِ في أنْ لا يُنْتَفَعَ بِها ولا تُمْنَعَ مِن ماءٍ ومَرْعًى.

والخامِسُ: أنَّهُ البَعِيرُ يُحَجُّ عَلَيْهِ الحَجَّةُ، فَيُسَيَّبُ، ولا يُسْتَعْمَلُ شُكْرًا لَنَجَحِها، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. وفي "الوَصِيلَةِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشّاةُ كانَتْ إذا نُتِجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ أُنْثى، لَمْ يَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ إلّا أنْ تَمُوتَ، فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلُوهُ جَمِيعًا، وإنْ كانَ ذَكَرانِ وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها فَلا تُذْبَحُ، ومَنافِعُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: إنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا، ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ أُنْثى، تُرِكَتْ في النَّعَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ تُذْبَحْ، لِمَكانِها، وكانَتْ لُحُومُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، ولَبَنُ الأُنْثى حَرامًا عَلى النِّساءِ إلّا أنْ يَمُوتَ مِنها شَيْءٌ فَيَأْكُلُهُ الرِّجالُ والنِّساءُ. (p-٤٣٩)والثّانِي: أنَّها النّاقَةُ البِكْرُ تَبْتَكِرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ بِالأُنْثى، ثُمَّ تُثَنِّي بِالأُنْثى، فَكانُوا يَسْتَبْقُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، ويَدْعُونَها الوَصِيلَةَ، أيْ: وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى، لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ.

والثّالِثُ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ عَشْرَ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ، فَيَدْعُونَها الوَصِيلَةَ، وما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والرّابِعُ: أنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ، فَإذا ولَدَتْ في سابِعِها عَناقًا وجَدْيًا، قِيلَ: وصَلَتْ أخاها، فَجَرَتْ مَجْرى السّائِبَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والخامِسُ: أنَّ الشّاةَ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى، فَهي لَهم، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ فَإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى، قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي "الحامِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الفَحْلُ، يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الفَحْلُ يُولَدُ لِوَلَدِهِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى هَذا ظَهْرَهُ، فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ، ولا يَجُزُّونَ وبَرَهُ، ولا يَمْنَعُونَهُ ماءً، ولا مَرْعًى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الفَحْلُ يَظْهَرُ مِن أوْلادِهِ عَشْرُ إناثٍ مِن بَناتِهِ، وبَناتِ بَناتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

(p-٤٤٠)والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَنْتِجُ لَهُ سَبْعُ إناثٍ مُتَوالِياتٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي لِصُلْبِهِ عَشْرَةٌ كُلُّها تَضْرِبُ في الإبِلِ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الفَحْلُ يَضْرِبُ في إبِلِ الرَّجُلِ عَشْرَ سِنِينَ، فَيُخَلّى، ويُقالُ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ. قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي ذَكَرْناهُ في البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ أثْبَتُ ما رَوَيْنا عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْئًا، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ مُقاتِلٌ: وافْتِراؤُهُمْ: قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، وأمَرَنا بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وأكْثَرُهم، يَعْنِي: الأتْباعَ لا يَعْقِلُونَ أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلى اللَّهِ مِنَ الرُّؤَساءِ الَّذِينَ حَرَّمُوا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي: إذا قِيلَ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ: تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن تَحْلِيلِ ما حَرَّمْتُمْ عَلى أنْفُسِكم، قالُوا: ﴿حَسْبُنا﴾ أيْ: يَكْفِينا ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مِنَ الدِّينِ والمِنهاجِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ لَهُ، أيَتَّبِعُونَهم في خَطَئِهِمْ.

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى هَجَرٍ، وعَلَيْهِمُ المُنْذِرُ بْنُ ساوِي يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَلَمّا أتاهُ الكِتابُ، عَرَضَهُ عَلى مَن عِنْدَهُ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، فَأقَرُّوا بِالجِزْيَةِ، وكَرِهُوا الإسْلامَ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أمّا العَرَبُ فَلا تَقْبَلْ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فاقْبَلْ مِنهُمُ الجِزْيَةَ" فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسْلَمَتِ العَرَبُ، وأعْطى أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ الجِزْيَةَ، فَقالَ مُنافِقُو مَكَّةَ: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، وقَدْ قَبِلَ مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، وأهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، فَهَلّا أكْرَهَهم عَلى الإسْلامِ، وقَدْ رَدَّها عَلى إخْوانِنا مِنَ العَرَبِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَقْبَلُ الجِزْيَةَ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ فَلَمّا أسْلَمَتِ العَرَبُ طَوْعًا وكُرْهًا، قَبِلَها مِن مَجُوسِ هَجَرٍ، فَطَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ، قالُوا لَهُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلَتْهم، وكانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَنْصُرَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما ألْزَمَكُمُ اللَّهُ أمْرَ أنْفُسِكم، ولا يُؤاخِذُكم بِذُنُوبِ غَيْرِكم، وهَذِهِ الآيَةُ لا تُوجِبُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا تَرَكَهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لَهُ، فَهو (p-٤٤٢)ضالٌّ، ولَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: لَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَأْوِيلُها في آخِرِ الزَّمانِ: قُولُوا ما قُبِلَ مِنكم، فَإذا غُلِبْتُمْ، فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَوْلانِ. (p-٤٤٣)أحَدُهُما: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إذا اهْتَدَيْتُمْ أنْتُمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الجَزاءِ.

فَصْلٌ

فَعَلى ما ذَكَرْنا عَنِ الزَّجّاجِ في مَعْنى الآيَةِ هي مُحْكَمَةٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ آيَةُ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ آخِرَها نَسَخَ أوَّلَها. رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ جَمَعَتِ النّاسِخَ والمَنسُوخَ غَيْرُ هَذِهِ، ومَوْضِعُ المَنسُوخِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ والنّاسِخُ: قَوْلُهُ: إذا اهْتَدَيْتُمْ. والهُدى هاهُنا: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

5:106Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."

(p-٤٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَداءٍ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَصَحِبَهُما رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مَن بَنِي سَهْمٍ، فَماتَ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأوْصى إلَيْهِما بِتَرِكَتِهِ، فَلَمّا قَدِما، دَفَعاها إلى أهْلِهِ، وكَتَما جامًا كانَ مَعَهُ مِن فِضَّةٍ، وكانَ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَقالا: لَمْ نَرَهُ، فَأُتِيَ بِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاسْتَحْلَفَهُما بِاللَّهِ: ما كَتَما، وخَلّى سَبِيلَهُما. ثُمَّ إنَّ الجامَ وُجِدَ عِنْدَ قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: ابْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، فَقامَ أوْلِياءُ السَّهْمِيِّ، فَأخَذُوا الجامَ، وحَلَفَ رَجُلانِ مِنهم بِاللَّهِ: إنَّ هَذا الجامَ جامُ صاحِبِنا، وشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وما اعْتَدَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها.» قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ المَيِّتِ: بِزِيلُ بْنُ أبِي (p-٤٤٥)مارِيَةَ مَوْلى العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وكانَ تَمِيمٌ، وعَدِيٌّ نَصْرانِيَّيْنِ، فَأسْلَمَ تَمِيمٌ، وماتَ عَدِيٌّ نَصْرانِيًّا. فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكُمُ اثْنانِ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: شَهادَةُ هَذِهِ الحالِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحَذَفَ "شَهادَةً"، ويَقُومُ "اثْنانِ" مَقامَهُما. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: لِيُشْهِدْكم في سَفَرِكم إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ، وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ اثْنانِ. وفي هَذِهِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عِنْدَ الحُكّامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، وشُرَيْحٍ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّها أيْمانُ الوَصِيِّ بِاللَّهِ تَعالى إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ بِهِما، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها شَهادَةُ الوَصِيَّةِ، أيْ: حُضُورُها، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣] جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّ هاهُنا اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا، واسْتَدَلَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ قالُوا: والشّاهِدُ لا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ. فَأمّا "حُضُورُ المَوْتِ" فَهو حُضُورُ أسْبابِهِ ومُقَدِّماتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ أيْ: وقْتَ الوَصِيَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ قَوْلانِ. (p-٤٤٦)أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.

والثّانِي: مِن عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا. قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن غَيْرِ مِلَّتِكم ودِينِكم، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: مِن غَيْرِ عَشِيرَتِكم وقَبِيلَتِكم، وهم مُسْلِمُونَ أيْضًا، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الثّانِي. وفي "أوْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وإنَّما المَعْنى: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنكم، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَصْلٌ

فالقائِلُ بِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ شَهادَةُ مُسْلِمِينَ مِنَ القَبِيلَةِ أوْ مِن غَيْرِ القَبِيلَةِ، لا يَشُكُّ في إحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا القائِلُ بِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أهْلُ الكِتابِ إذا شَهِدُوا عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، فَلَهم فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، والعَمَلُ عَلى هَذا باقٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأحْمَدَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ وهو قَوْلُ (p-٤٤٧)زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وإلَيْهِ يَمِيلُ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، قالُوا: وأهْلُ الكُفْرِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ هَذا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ كَما يَجُوزُ في بَعْضِ الأماكِنِ شَهادَةُ نِساءٍ لا رَجُلَ مَعَهُنَّ بِالحَيْضِ والنِّفاسِ والِاسْتِهْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ هَذا الشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّهادَةِ، والمَعْنى: لِيُشْهِدْكُمُ اثْنانِ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، أيْ: سافَرْتُمْ. ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ أسْنَدْتُمُ الوَصِيَّةَ إلَيْهِما، ودَفَعْتُمْ إلَيْهِما مالَكم ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ إذا ارْتابُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفّارِ. فَأمّا إذا كانا مُسْلِمَيْنِ، فَلا يَمِينَ عَلَيْهِما. وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ. (p-٤٤٨)أحَدُهُما: صَلاةُ العَصْرِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والشَّعْبِيُّ،

والثّانِي: مِن بَعْدِ صَلاتِهِما في دِينِهِما، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: كانَ النّاسُ بِالحِجازِ يَحْلِفُونَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّهُ وقْتٌ يُعَظِّمُهُ أهْلُ الأدْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ أيْ: فَيَحْلِفانِ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: شَكَكْتُمْ يا أوْلِياءَ المَيِّتِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا قَدِمَ المُوصى إلَيْهِما بِتَرِكَةِ المُتَوَفّى، فاتَّهَمَهُما الوارِثُ، اسْتُحْلِفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ: أنَّهُما لَمْ يَسْرِقا، ولَمْ يَخُونا. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَحْبِسُونَهُما، كَأنَّهُ قالَ: إنِ ارْتَبْتُمْ حَبَسْتُمُوهُما فاسْتَحْلَفْتُمُوهُما، فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أيْ: بِأيْمانِنا، وقِيلَ: بِتَحْرِيفِ شَهادَتِنا، فالهاءُ عائِدَةٌ عَلى المَعْنى. ﴿ثَمَنًا﴾ أيْ: عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ: ولَوْ كانَ المَشْهُودُ لَهُ ذا قَرابَةِ مِنّا، وخَصَّ ذا القَرابَةِ، لِمَيْلِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ. والمَعْنى: لا نُحابِي في شَهادَتِنا أحَدًا، ولا نَمِيلُ مَعَ ذِي القُرْبى في قَوْلِ الزُّورِ. ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ إنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، لِأمْرِهِ بِإقامَتِها، ونَهْيِهِ عَنْ كِتْمانِها. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ﴾ بِالتَّنْوِينِ (اللَّهِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها، وكَسْرِ الهاءِ، ساكِنَةَ النُّونِ في الوَصْلِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ والوَصْلِ مَنصُوبَةَ الهاءِ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ وإسْكانِها في الوَصْلِ (اللَّهَ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها مَفْتُوحَةَ الهاءِ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "شَهادَةً" بِالتَّنْوِينِ وإسْكانِها في الوَصْلِ (p-٤٤٩)((اللَّهِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، ومَدِّها، وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما نَصَبا الهاءَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ لِأيِّ مَعْنًى وجَبَتِ اليَمِينُ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِكَوْنِهِما مِن غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ. والثّانِي: لِوَصِيَّةٍ وقَعَتْ بِخَطِّ المَيِّتِ وفَقَدَ ورَثَتُهُ بَعْضَ ما فِيها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: لِأنَّ الوَرَثَةَ كانُوا يَقُولُونَ: كانَ مالُ مَيِّتِنا أكْثَرَ، فاسْتَخانُوا الشّاهِدَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском