Ibn al-JawziAl‑Ma'idah · 5:12–25

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:12–25

5:12Page 109

۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم أنْ يُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ. وفي مَعْنى النَّقِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الضَّمِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ضَمِينٌ لِيَعْرِفَ أحْوالَ مَن تَحْتَ يَدِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِينًا عَنْهم بِالوَفاءِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ضَمانُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَفِيلُ عَلى القَوْمِ. والنِّقابَةُ شَبِيهَةٌ بِالعَرافَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النَّقِيبُ: شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهم.

(p-٣١١)والثّالِثُ: الأمِينُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، واليَزِيدِيُّ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَتَقارَبُ. قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ في اللُّغَةِ، كالأمِينِ والكَفِيلِ، يُقالُ: نَقَبَ الرَّجُلُ عَلى القَوْمِ يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، وصِناعَتُهُ النِّقابَةُ، وكَذَلِكَ عَرُفَ عَلَيْهِمْ: إذا صارَ عَرِيفًا، ويُقالُ لِأوَّلِ ما يَبْدُو مِنَ الجَرَبِ: النُّقْبَةُ، ويَجْمَعُ النُّقَبَ والنُّقْبَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ

وَيُقالُ: في فُلانٍ مَناقِبُ جَمِيلَةٌ، وكُلُّ البابِ مَعْناهُ: التَّأْثِيرُ الَّذِي لَهُ عُمْقٌ ودُخُولٌ، ومِن ذَلِكَ نَقَبْتُ الحائِطَ، أيْ: بَلَغْتُ في النَّقْبِ آخِرَهُ، والنُّقْبَةُ مِنَ الجَرَبِ: داءٌ شَدِيدُ الدُّخُولِ. وإنَّما قِيلَ: نَقِيبٌ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ دَخِيلَةَ أمْرِ القَوْمِ، ويَعْرِفُ مَناقِبَهم، وهو الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ. ونُقِلَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى وقَوْمَهُ بِالسَّيْرِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبّارُونَ، فَقالَ تَعالى يا مُوسى اخْرُجْ إلَيْها (p-٣١٢)وَجاهِدْ مَن فِيها مِنَ العَدُوِّ، وخُذْ مِن قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فاخْتارُوا النُّقَباءَ.

وَفِيما بُعِثُوا لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مُوسى بَعَثَهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الجَبّارِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم بُعِثُوا ضُمَناءَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالوَفاءِ بِمِيثاقِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ. وفي نُبُوَّتِهِمْ قَوْلانِ. أصَحُّهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لَهم.

وَفِي المَقُولِ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النُّقَباءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. ومَعْنى: "إنِّي مَعَكُمْ" أيْ: بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. وفي مَعْنى: "وَعَزَّرْتُمُوهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإعانَةُ والنَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، قالَهُ عَطاءٌ، واليَزِيدِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ في هَذا الإقْراضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ. والثّانِي: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ. وقَدْ شَرَحْنا في (البَقَرَةِ) مَعْنى القَرْضِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ يُشِيرُ إلى: المِيثاقِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: أخْطَأ قَصْدَ الطَّرِيقِ.

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

(p-٣١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَنَقَضُوا، فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم. وفي المُرادِ بِهَذِهِ اللَّعْنَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها التَّعْذِيبُ بِالجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: التَّعْذِيبُ بِالمَسْخِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ والثّالِثُ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً" بِالألْفِ، يُقالُ: قَسَتْ، فَهي قاسِيَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "قَسِيَّةً" بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ، لِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ فاعِلٌ وفَعِيلٌ، مِثْلَ شاهِدٍ وشَهِيدٍ، وعالِمٍ وعَلِيمٍ، و "القَسْوَةُ": خِلافُ اللِّينِ والرِّقَّةِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (البَقَرَةِ) . وفي تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَغْيِيرُ حُدُودِ التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: تَغْيِيرُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: تَفْسِيرُهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مُبَيَّنٌ في سُورَةِ (النِّساءِ)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ "النِّسْيانُ" هاهُنا: التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ. و "الحَظُّ": النَّصِيبُ. قالَ مُجاهِدٌ: نَسُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ. وفي مَعْنى (ذُكِّرُوا بِهِ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أُمِرُوا. والثّانِي: أُوصُوا.

(p-٣١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى خِيانَةٍ مِنهم "قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ: الخِيانَةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْخائِنِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ طاغِيَةٌ، وراوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ مِثْلُ نَقْضِ قُرَيْظَةَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخُرُوجِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ إلى أهْلِ مَكَّةَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: بَلِ القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ واخْتَلَفُوا في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ. واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها آيَةُ السَّيْفِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنْفالِ: ٥٨]

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَغَدَرُوا، وأرادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ولَمْ تُنْسَخْ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يُعْفى عَنْهم في غَدْرَةٍ فَعَلُوها، ما لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا، ولَمْ يَمْتَنِعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ والإقْرارِ بِالصَّغارِ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

(p-٣١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّما قالَ: قالُوا إنّا نَصارى، ولَمْ يَقُلْ: مِنَ النَّصارى، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى مِنهاجِ النَّصارى حَقِيقَةً، وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا بِقَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: ناصِرَةٌ، فَسُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ. قالَ مُقاتِلٌ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، كَما أُخِذَ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، فَتَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ قالَ النَّضْرُ: هَيَّجْنا، وقالَ المُؤَرِّجُ: حَرَّشْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْصَقْنا بِهِمْ ذَلِكَ، يُقالُ: غَرَيْتُ بِالرَّجُلِ غَرًى مَقْصُورًا: إذا لَصِقْتَ بِهِ، هَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ. وقالَ غَيْرُ الأصْمَعِيِّ: غَرَّيْتُ بِهِ غِراءً مَمْدُودٌ، وهَذا الغِراءُ الَّذِي يُغْرّى بِهِ إنَّما يُلْصَقُ بِهِ الأشْياءُ، ومَعْنى أغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ: أنَّهم صارُوا فِرَقًا يُكَفِّرُ بَعْضُهم بَعْضًا. وفي الهاءِ والمِيمِ مِن قَوْلِهِ "بَيْنَهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الرَّبِيعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ النَّصارى، مِنهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلَكِيَّةُ، وكُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى. وفي تَمامِ الآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم.

5:15Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

(p-٣١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى. والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتَهُ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يَتَجاوَزُ، فَلا يُخْبِرُهم بِكِتْمانِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ لَهُ أنْ يُمْسِكَ عَنْ حَقٍّ كَتَمُوهُ فَلا يُبَيِّنُهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُتَلَقِّيًا ما يُؤْمَرُ بِهِ، فَإذا أُمِرَ بِإظْهارِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، أظْهَرَهُ، وأخَذَهم بِهِ، وإلّا سَكَتَ.

والثّانِي: أنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إنَّما كانَ عَلى أنْ يُقِرُّوا عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا كَتَمُوا كَثِيرًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، واتَّخَذُوا غَيْرَهُ دِينًا، أظْهَرَ عَلَيْهِمْ ما كَتَمُوهُ مِن صِفَتِهِ وعَلامَةِ نُبُوَّتِهِ، لِتَتَحَقَّقَ مُعْجِزَتُهُ عِنْدَهم، واحْتَكَمُوا إلَيْهِ في الرَّجْمِ، فَأظْهَرَ ما كَتَمُوا مِمّا يُوافِقُ شَرِيعَتَهُ، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ لِيَتَحَقَّقَ إقْرارُهم عَلى دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِالنُّورِ: النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ .

وَقالَ غَيْرُهُ: هو الإسْلامُ، فَأمّا الكِتابُ المُبِينُ، فَهو القُرْآنُ.

5:16Page 110

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

وَ "السُّبُلُ": جَمْعُ سَبِيلٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُبُلُ السَّلامِ: دِينُ الإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ: "السَّلامُ": هو اللَّهُ، و "سُبُلُهُ": دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "سُبُلُ السَّلامِ" طَرِيقَ السَّلامَةِ الَّتِي مَن سَلَكَها سَلِمَ في دِينِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "السَّلامُ" اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ المَعْنى: طُرُقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الكُفْرَ ﴿إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي: الإيمانَ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ. وقالَ الحَسَنُ: طَرِيقُ الحَقِّ.

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ نَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ إلَهًا ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: فَمَن يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ مِن عَذابِهِ شَيْئًا ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أيْ: فَلَوْ كانَ إلَهًا كَما تَزْعُمُونَ لَقَدَرَ أنْ يَرُدَّ أمْرَ اللَّهِ إذا جاءَهُ بِإهْلاكِهِ أوْ إهْلاكِ أُمِّهِ، ولَمّا نَزَلَ أمْرُ اللَّهِ بِأُمِّهِ، لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَدْفَعَ عَنْها. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا لِلنَّبِيِّ: فَهاتِ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما بَيْنَهُنَّ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: وما بَيْنَ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الأشْياءِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

(p-٣١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هم يَهُودُ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى إسْرائِيلَ: إنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ فَيَكُونُونَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى تُطَهِّرَهم، وتَأْكُلَ خَطاياهم، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كانَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنّا ابْنُ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ إبْطالٌ لِدَعْواهم، لِأنَّ الأبَ لا يُعَذِّبُ ولَدَهُ، والحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ وهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُنا أرْبَعِينَ يَوْمًا بِالنّارِ.

(p-٣١٩)وَقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: فَلِمَ عَذَّبَ مِنكم مَن مَسَخَهُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ وهم أصْحابُ السَّبْتِ والمائِدَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: أنْتُمْ كَسائِرِ بَنِي آدَمَ تُجازَوْنَ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. قالَ عَطاءٌ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، وهُمُ المُوَحِّدُونَ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، وهُمُ المُشْرِكُونَ.

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وعُقْبَةَ بْنَ وهْبٍ قالُوا: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ.

فَقالَ: وهَبُ بْنُ يَهُوذا، ورافِعٌ: ما قُلْنا هَذا لَكم، وما أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى مِن كِتابٍ، ولا أرْسَلَ رَسُولًا بَشِيرًا ولا نَذِيرًا [بَعْدَهُ]، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأمّا "الفَتْرَةُ" فَأصْلُها السُّكُونُ، يُقالُ: فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا: إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ، وانْقَطَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، والطَّرْفُ الفاتِرُ: الَّذِي لَيْسَ بِحَدِيدٍ. والفُتُورُ: الضَّعْفُ. وفي مُدَّةِ الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-٣٢٠)أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أرْبَعُ مِائَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أيِ: انْقِطاعٍ مِنهم، قالَ: وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى، ومِيلادِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وهي فَتْرَةٌ. وكانَ بَعْدَ عِيسى أرْبَعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [يس: ١٤] . قالَ: والرّابِعُ لا أدْرِي مَن هو. وكانَ بَيْنَ تِلْكَ السِّنِينَ مِائَةُ سَنَةٍ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ نُبُوَّةً وسائِرُها فَتْرَةٌ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والرّابِعُ -واللَّهُ أعْلَمُ- خالِدُ بْنُ سِنانٍ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « "نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ" .»

(p-٣٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَيْ لا تَقُولُوا: ﴿ [ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ]﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقالَ غَيْرُهُ: لِئَلّا تَقُولُوا، وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.

5:20Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ أنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى، وهارُونَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وبِماذا جَعَلَهم مُلُوكًا؟ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ. والثّانِي: بِأنْ جَعَلَ لِلرَّجُلِ مِنهم زَوْجَةً وخادِمًا. والثّالِثُ: بِالزَّوْجَةِ والخادِمِ والبَيْتِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا الثّالِثُ اخْتِيارُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ. والرّابِعُ: بِالخادِمِ والبَيْتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: بِتَمْلِيكِهِمُ الخَدَمَ، وكانُوا أوَّلَ مَن تَمَلَّكَ الخَدَمَ، ومَنِ اتَّخَذَ (p-٣٢٢)خادِمًا فَهو مَلِكٌ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: بِكَوْنِهِمْ أحْرارًا يَمْلِكُ الإنْسانُ مِنهم نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والسّابِعُ: بِالمَنازِلِ الواسِعَةِ، فِيها المِياهُ الجارِيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّامِنُ: بِأنْ جَعَلَ لَهُمُ المُلْكَ والسُّلْطانَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ مُوسى، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويَعْنِي بِالعالَمِينَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. وفي الَّذِي آتاهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَنُّ والسَّلْوى والحَجَرُ والغَمامُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الدّارُ والخادِمُ والزَّوْجَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما أُوتِيَ أحَدٌ مِنَ النِّعَمِ في زَمانِ قَوْمِ مُوسى ما أُوتُوا.

والثّالِثُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي مالِكٍ.

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

أحَدُهُما: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ. قالَ: وقِيلَ: لِلسَّطْلِ: القَدَسُ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ مِنهُ، وسُمِّيَ بَيْتُ المَقْدِسِ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: سَمّاها مُقَدَّسَةً، لِأنَّها طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ، وجُعِلَتْ مَسْكَنًا لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُقَدَّسَةَ: المُبارَكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي المُرادِ بِتِلْكَ الأرْضِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أرِيحا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ السُّدِّيُّ: أرِيحا: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ إيلِياءُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأْتُ في مُناجاةِ مُوسى أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ اخْتَرْتَ مِنَ الأنْعامِ الضّائِنَةَ، ومِنَ الطَّيْرِ الحَمامَةَ، ومِنَ البُيُوتِ بَكَّةَ وإيلِياءَ، ومِن إيلِياءَ بَيْتَ المَقْدِسِ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيلِياءَ الأرْضُ الَّتِي فِيها بَيْتُ المَقْدِسِ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ إيلِياءَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو مُعَرَّبٌ. قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ وبَيْتانِ بَيْتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ وبَيْتٌ بِأعْلى إيلِياءَ مُشَرَّفُ

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّها دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الشّامُ كُلُّها، قالَهُ قَتادَةُ (p-٣٢٤)وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: أمَرَكم وفَرَضُ عَلَيْكم دُخُولَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: وهَبَها اللَّهُ لَكم، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَعَلَها لَكم.

والثّالِثُ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها مَساكِنُكم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَتَبَها لَهُمْ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما جَعَلَها لَهم بِشَرْطِ الطّاعَةِ، فَلَمّا عَصَوْا حَرَّمَها عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ كَتَبَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإلَيْهِمْ صارَتْ، ولَمْ يَعْنِ مُوسى أنَّ اللَّهَ كَتَبَها لِلَّذِينِ أُمِرُوا بِدُخُولِها بِأعْيانِهِمْ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَرَجَ مُخْرَجَ العُمُومِ، وأُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، فَتَكُونَ مَكْتُوبَةً لِبَعْضِهِمْ، وقَدْ دَخَلَها يُوشَعُ، وكالِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ. والثّانِي: لا تَرْجِعُوا إلى الشِّرْكِ بِهِ.

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ: الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، يُقالُ: جَبّارٌ: بَيِّنُ الجَبَرِيَّةِ، والجِبِرِيَّةِ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، والجَبَرُوَّةُ والجُبُّورَةُ والتَّجْبارُ والجَبَرُوتُ.

وَفِي مَعْنى وصَفِهِ هَؤُلاءِ بِالجَبّارِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عِظامَ الخَلْقِ والأجْسامِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا قَتّالِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

(p-٣٢٥)الإشارَةُ إلى القِصَّةِ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ مُوسى وقَوْمُهُ بِمَدِينَةِ الجَبّارِينَ، بَعَثَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، فَجَعَلَهم في كِسائِهِ، فَأتى بِهِمُ المَدِينَةَ، ونادى في قَوْمِهِ، فاجْتَمَعُوا، فَقالُوا لَهُمْ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسى بَعَثَنا لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكم، فَأعْطَوْهم حَبَّةً مِن عِنَبٍ تُوقِرُ الرَّجُلَ، وقالُوا لَهُمْ: قُولُوا لِمُوسى وقَوْمِهِ: اقْدُرُوا قَدْرَ فاكِهِهِمْ، فَلَمّا رَجَعُوا، قالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الَّذِي لَقِيَهم، يُقالُ لَهُ: عاجٌ، يَعْنِي: عَوْجَ بْنَ عَناقٍ، فَأخَذَ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَجَعَلَهم في حُجْرَتِهِ وعَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ، فَقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها، وقالَ: ألا أطْحَنَهم بِرِجْلِي؟ فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لا، بَلْ خَلِّ عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا. فَلَمّا خَرَجُوا قالُوا: يا قَوْمُ إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ بِخَبَرِ القَوْمِ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، فَأخَذُوا المِيثاقَ بَيْنَهم عَلى كِتْمانِ ذَلِكَ، فَنَكَثَ عَشْرَةٌ، وكَتَمَ رَجُلانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا رَأى النُّقَباءُ الجَبّارِينَ وجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نَزَعَ حَبَّها خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ، إلّا يُوشَعَ، وابْنَ يُوقَنّا.

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

(p-٣٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ في الرَّجُلَيْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما يُوشَعُ بْنُ نُونَ. وكالِبُ بْنُ يُوقِنِّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: ابْنُ يُوقَنّا، وهُما مِنَ النُّقَباءِ.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مِنَ الجَبّارِينَ فَأسْلَما، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُما كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ، وهُما عَلى دِينِ مُوسى، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأيُّوبُ: "يُخافُونَ" بِضَمِّ الياءِ، عَلى مَعْنى أنَّهُما كانا مِنَ العَدُوِّ، فَخَرَجا مُؤْمِنَيْنِ.

وَفِي مَعْنى "خَوْفِهِمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم خافُوا اللَّهَ وحْدَهُ. والثّانِي: خافُوا الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم قَوْلَ الحَقِّ. والثّالِثُ: يَخافُ مِنهم، عَلى قِراءَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وَفِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الصَّلاحُ والفَضْلُ واليَقِينُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: الهُدى، قالَهُ الضَّحّاكُ. والرّابِعُ: الخَوْفُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ الرَّجُلانِ: ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ بابَ القَرْيَةِ، فَإنَّهم قَدْ مُلِئُوا مِنّا رُعْبًا وفَرَقًا.

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

(p-٣٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالُوا لَهُ: انْظُرْ كَما صَنَعَ رَبُّكَ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَلْيَصْنَعْ بِهَؤُلاءِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فاذْهَبْ أنْتَ وسَلْ رَبَّكَ النَّصْرَ. وقالَ غَيْرُهُما: اذْهَبْ أنْتَ ولْيُعِنْكَ رَبُّكَ. «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدادِ مَشْهَدًا لَأنْ أكُونَ صاحِبَهُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عُدِلَ بِهِ، أتى النَّبِيَّ ﷺ وهو يَدْعُو عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنّا نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ، ومِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ. فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْرَقَ لِذَلِكَ وجْهُهُ وسُرَّ بِهِ.» وقالَ أنَسٌ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ خَرَجَ إلى بَدْرٍ، فَأشارَ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشارَهم، فَأشارَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَسَكَتَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّما يُرِيدُكم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنْ واللَّهِ لَوْ ضَرَبْتَ أكْبادَها حَتّى تَبْلُغَ بِرَكَ الغِمادِ لَكُنّا مَعَكَ.»

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

(p-٣٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ.

والثّانِي: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإلّا أخِي، أيْ: وأمْلِكُ طاعَةَ أخِي، لِأنَّ أخاهُ إذا أطاعَهُ فَهو كالمَلِكِ لَهُ، وهَذا عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "ما نَفَعَنِي [مالٌ] قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبِي بَكْرٍ" فَبَكى أبُو بَكْرٍ، وقالَ: هَلْ أنا ومالِي إلّا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. يَعْنِي: أنِّي مُتَصَرِّفٌ حَيْثُ صَرَّفَتْنِي، وأمْرُكَ جائِزٌ في مالِي.»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: باعِدْ، وافْصِلْ، ومَيِّزْ. وفي المُرادِ بِالفاسِقِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٣٢٩)أحَدُها: العاصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الكاذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الكافِرُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قالَ السُّدِّيُّ: غَضِبَ مُوسى حِينَ قالُوا لَهُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ، فَدَعا عَلَيْهِمْ، وكانَتْ عَجَلَةٌ مِن مُوسى عَجِلَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском