Ibn al-JawziAl‑Ma'idah · 5:73–89

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:73–89

5:73Page 120

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَّصارى. قالَ وهْبُّ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا وُلِدَ عِيسى لَمْ يَبْقَ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ، فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ إلى إبْلِيسَ، فَأخْبَرُوهُ، فَذَهَبَ فَطافَ أقْطارَ الأرْضِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: هَذا المَوْلُودُ الَّذِي وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، أرَدْتُ أنْ أنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدْتُ المَلائِكَةَ قَدْ حَفَّتْ بِأُمِّهِ، فَلْيَتَخَلَّفْ عِنْدِي اثْنانِ مِن مَرَدَتِكم، فَلَمّا أصْبَحَ، خَرَجَ بِهِما في صُورَةِ الرِّجالِ، فَأتَوْا مَسْجِدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم يَتَحَدَّثُونَ بِأمْرِ عِيسى ويَقُولُونَ: مَوْلُودٌ مِن غَيْرِ أبٍ. فَقالَ إبْلِيسُ: ما هَذا بِبَشَرٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ في امْرَأةٍ لِيَخْتَبِرَ العِبادَ، فَقالَ أحَدُ صاحِبَيْهِ: ما أعْظَمَ ما قُلْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أحَبَّ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا. وقالَ الثّالِثُ: ما أعْظَمَ ما قُلْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَجْعَلَ إلَهًا في (p-٤٠٣)الأرْضِ، فَألْقَوْا هَذا الكَلامَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَتَكَلَّمَ بِهِ النّاسُ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَمّا رُفِعَ عِيسى اجْتَمَعَ مِئَةٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وانْتَخَبُوا مِنهم أرْبَعَةً، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى هو اللَّهُ كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعَدَ إلى السَّماءِ، لِأنَّهُ لا يُحْيِي المَوْتى ولا يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الثّانِي: لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنّا قَدْ عَرَفْنا عِيسى، وعَرْفَنا أُمَّهُ. ولَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وقالَ الثّالِثُ: لا أقُولُ كَما قُلْتُما، ولَكِنْ جاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ. فَقالَ: الرّابِعُ لَقَدْ قُلْتُمْ قَبِيحًا، ولَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ، فَخَرَجُوا، فاتَّبَعَ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم عُنُقٌ مِنَ النّاسِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النَّصارى قالَتِ: الإلَهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وعِيسى ومَرْيَمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم إلَهٌ. وفي الآيَةِ إضْمارٌ، فالمَعْنى: ثالِثُ ثَلاثَةِ آلِهَةٌ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الآلِهَةِ، لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ، لِأنَّهُ لا يَكْفُرُ مَن قالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ولَمْ يُرِدِ الآلِهَةَ، لِأنَّهُ ما مِنِ اثْنَيْنِ إلّا وهو ثالِثُهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ثالِثُ ثَلاثَةٍ: أنَّهُ أحَدُ ثَلاثَةٍ. ودَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَما مِن إلَهٍ﴾ لِلتَّوْكِيدِ.

والَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم، هُمُ المُقِيمُونَ عَلى هَذا القَوْلِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَسِيحُ هو اللَّهُ، والَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكُلَّ كافِرٍ يَسْلُكُ سَبِيلَهم، عَذابٌ ألِيمٌ.

5:74Page 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] .

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

(p-٤٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَتَهُ، وعَلى النَّصارى في ادِّعائِهِمْ إلَهِيَّتَهُ. والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنَّما حُكْمُهُ حُكْمُ مَن سَبَقَهُ مِنَ الرُّسُلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ رَدٌّ عَلى مَن نَسَبَها مِنَ اليَهُودِ إلى الفاحِشَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: والصِّدِّيقَةُ: المُبالِغَةُ في الصِّدْقِ، وصِدِّيقٌ "فِعِّيلٌ" مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ سِكِّيتٌ، أيْ: مُبالِغٌ في السُّكُوتِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُما يَعِيشانِ بِالغِذاءِ، ومَن لا يُقِيمُهُ إلّا أكْلُ الطَّعامِ فَلَيْسَ بِإلَهٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ بِأكْلِ الطَّعامِ عَلى عاقِبَتِهِ، وهو الحَدَثُ، إذْ لا بُدَّ لِآكِلِ الطَّعامِ مِنَ الحَدَثِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ مِن ألْطَفِ ما يَكُونُ مِنَ الكِنايَةِ. و "يُؤْفَكُونَ": يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْدَلُونَ، يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ عَنْ كَذا: إذا عَدَلَ عَنْهُ، وأرْضٌ مَأْفُوكَةٌ: مَحْرُومَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، كَأنَّ ذَلِكَ صُرِفَ عَنْها وعُدِلَ.

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قُلْ لِنَصارى نَجْرانَ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا في الدُّنْيا، ولا (p-٤٠٥)نَفْعًا في الآخِرَةِ. واللَّهُ هو السَّمِيعُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، العَلِيمُ بِمَقالَتِهِمْ.

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هم نَصارى نَجْرانَ. والمَعْنى: لا تَغْلُوا في دِينِكم، فَتَقُولُوا غَيْرَ الحَقِّ في عِيسى. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الغُلُوِّ" في آخِرِ سُورَةِ (النِّساءِ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: مِن قَبْلِ أنْ تَضِلُّوا. وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم رُؤَساءُ الضَّلالَةِ مِنَ اليَهُودِ.

والثّانِي: رُؤَساءُ اليَهُودِ والنَّصارى، والآيَةُ خِطابٌ لِلَّذِينِ كانُوا في عَصْرِ نَبِيِّنا ﷺ نُهُوا أنْ يَتَّبِعُوا أسْلافَهم فِيما ابْتَدَعُوهُ بِأهْوائِهِمْ.

5:78Page 121

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ في لَعْنِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْسُ اللَّعْنِ، ومَعْناهُ: المُباعَدَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، فَصارُوا قِرَدَةً، و لُعِنُوا عَلى لِسانِ عِيسى في الإنْجِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ داوُدُ وعِيسى أُعْلِما أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ، ولَعَنا مَن كَفَرَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ المَسْخُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَصارُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى، فَصارُوا خَنازِيرَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لُعِنَ أصْحابُ السَّبْتِ (p-٤٠٦)عَلى لِسانِ داوُدَ، فَإنَّهم لَمّا اعْتَدَوْا، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم، واجْعَلْهم آيَةً، فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولُعِنَ أصْحابُ المائِدَةِ عَلى لِسانِ عِيسى، فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنها ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَجُعِلُوا خَنازِيرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في مُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وبِاعْتِدائِهِمْ في مُجاوَزَةِ ما حَدَّهُ لَهم.

5:79Page 121

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ التَّناهِي: تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ: كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُنْكَرِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذا المُنْكَرِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ. والثّانِي: أخْذُ الرِّشْوَةِ في الحُكْمِ.

والثّالِثُ: أكْلُ الرِّبا، وأثْمانَ الشُّحُومِ. وذِكْرُ المُنْكَرِ مُنَكَّرًا يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْنَعُ هَذا الحَصْرَ، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا رَأى أخاهُ عَلى الذَّنْبِ نَهاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ ما رَأى مِنهُ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وخَلِيطَهُ وشَرِيبَهُ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ" .»

(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ دَخَلَتْ لِلْقَسَمِ والتَّوْكِيدِ، والمَعْنى: لَبِئْسَ شَيْئًا فِعْلُهم.

5:80–81Page 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ. فَعَلى هَذا القَوْلِ انْتِظامُ الآياتِ ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ يَرْجِعُ الكَلامُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ . وفي الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ أرْبابُ هَذا القَوْلِ الثّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: بِئْسَما قَدَّمُوا لِمَعادِهِمْ ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هو، كَأنَّهُ قِيلَ: هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

5:82–83Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

(p-٤٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ قَوْمًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأسْلَمُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، وسَنَذْكُرُ قِصَّتَهم فِيما بَعْدُ. قالَ الزَّجّاجُ: واللّامُ في "لَتَجِدَنَّ" لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ، و "عَداوَةً" مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، واليَهُودُ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَسَدًا لِلنَّبِيِّ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَعْنِي: عَبَدَةَ الأوْثانِ. فَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى، فَهَلْ هَذا عامٌّ في كُلِّ النَّصارى، أمْ خاصٌّ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ النَّجّاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْلَمُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ. قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّصارى، لِأنَّهم كانُوا أقَلَّ مُظاهَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "القِسُّ" و "القِسِّيسُ": مِن رُؤَساءِ النَّصارى. وقالَ قُطْرُبٌ: القِسِّيسُ: العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَأمّا "الرُّهْبانُ": فَهُمُ العُبّادُ أرْبابُ الصَّوامِعِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: التَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَهم بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أمْرِ شَرِيعَتِنا؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مَدَحَهم بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ عِيسى حِينَ اسْتَعْمَلُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ، (p-٤٠٩)وَقَدْ كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ مُسْتَحْسَنَةً في دِينِهِمْ. والمَعْنى: بِأنَّ فِيهِمْ عُلَماءَ بِما أوْصى بِهِ عِيسى مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ورُبَّما ظَنَّ جاهِلٌ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحَ النَّصارى، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ إنَّما مَدَحَ مَن آمَنَ مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ مِن مَقالَةِ اليَهُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَكَبَّرُونَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا حَضَرَ أصْحابُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ النَّجاشِيِّ، وقَرَؤُوا القُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، فانْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِعَ الشّاهِدِينَ﴾ . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ مِن خِيارِ أصْحابِهِ ثَلاثِينَ رَجُلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَبَكَوْا ورَقُّوا، وقالُوا: نَعْرِفُ واللَّهِ، وأسْلَمُوا، وذَهَبُوا إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرُوهُ فَأسْلَمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةُ.» وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ سَبْعَةٌ مِنَ القِسِّيسِينَ، وخَمْسَةٌ مِنَ الرُّهْبانِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، بَكَوْا وآمَنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مَعَ مَن يَشْهَدُ بِالحَقِّ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالشّاهِدِينَ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

5:84–86Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لامَهم قَوْمُهم عَلى الإيمانِ، فَقالُوا هَذا. وفي القَوْمِ الصّالِحِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَوابُ المُؤْمِنِينَ.

5:87–88Page 122

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨

And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَرَّمُوا اللَّحْمَ والنِّساءَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأرادُوا جَبَّ أنْفُسِهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِلْعِبادَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانُوا عَشْرَةً: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، والمِقْدادُ بْنُ الأُسُودِ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وأبُو ذَرٍّ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، اجْتَمَعُوا في دارِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَتَواثَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: « "مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"» ونَزَلَتْ (p-٤١١)هَذِهِ الآيَةُ. قالَ السُّدِّيُّ: كانَ سَبَبَ عَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا، فَلَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ، فَرَقَّ النّاسُ، وبَكَوْا، فَعَزَمَ هَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ، وحَلَفُوا عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، والمِقْدادَ، وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ في أصْحابِهِ، تَبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا النِّساءَ، ولَبِسُوا المُسُوحَ وحَرَّمُوا طَيِّباتِ الطَّعامِ واللِّباسِ، إلّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهْلُ السِّياحَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَمُّوا بِالِاخْتِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي إذا أكَلْتُ مِن هَذا اللَّحْمِ، أقْبَلْتُ عَلى النِّساءِ، وإنِّي حَرَّمْتُهُ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ ضَيْفًا نَزَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا، فَلَمّا جاءَ، قالَ لِزَوْجَتِهِ: هَلْ أكَلَ الضَّيْفُ؟ فَقالَتْ: انْتَظَرْتُكَ. فَقالَ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي؟! طَعامُكِ عَلَيَّ حَرامٌ. فَقالَتْ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ لَمْ تَأْكُلْهُ، فَقالَ الضَّيْفُ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ لَمْ تَأْكُلُوهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ابْنُ رَواحَةَ قالَ: قَرِّبِي طَعامَكِ، كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ غَدا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ: أحْسَنْتَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ (p-٤١٢)الآيَةُ.» وقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ. فَأمّا "الطَّيِّباتُ" فَهي اللَّذِيذاتُ الَّتِي تَشْتَهِيها النُّفُوسُ مِمّا أُبِيحَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَجُبُّوا أنْفُسَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ.

والثّانِي: لا تَأْتُوا ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: لا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ مِن تَرْكِ النِّساءِ، وإدامَةِ الصِّيامِ، والقِيامِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: لا تُحَرِّمُوا الحَلالَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والخامِسُ: لا تَغْصِبُوا الأمْوالَ المُحَرَّمَةَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

5:89Page 122

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩

Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ سَبَبِ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا حَرَّمُوا النِّساءَ واللَّحْمَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّغْوِ" في سُورَةِ (البَقَرَةِ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "عَقَّدْتُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ، مُشَدَّدَةَ القافِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناها: (p-٤١٣)وَكَّدْتُمْ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "عَقَدْتُمْ" خَفِيفَةً بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناها: أوْجَبْتُمُوها عَلى أنْفُسِكم. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "عاقَدْتُمْ" بِألِفٍ، مِثْلُ "عاهَدْتُمْ" . قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ القِراءَةُ المُشَدَّدَةُ لا تَحْتَمِلُ إلّا عَقْدَ قَوْلٍ. فَأمّا المُخَفَّفَةُ، فَتَحْتَمِلُ عَقْدَ القَلْبِ، وعَقْدَ القَوْلِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ عَلَيْهِ قُلُوبَكم في التَّعَمُّدِ لِلْيَمِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِما عَقَّدْتُمْ عَلَيْهِ قُلُوبَكم أنَّهُ كَذِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الهاءُ عائِدَةٌ عَلى "ما" في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ .

فَصْلٌ

فَأمّا إطْعامُ المَساكِينِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ في آخَرِينَ: أنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وعائِشَةَ في آخَرِينَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، قالَ عُمَرُ، وعائِشَةُ: أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا في جَمِيعِ الكَفّاراتِ الَّتِي فِيها إطْعامٌ، مِثْلَ كَفّارَةِ اليَمِينِ، والظِّهارِ، وفِدْيَةِ الأذى، والمُفَرِّطَةِ في قَضاءِ رَمَضانَ، مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ. ومِن شَرْطِ صِحَّةِ الكَفّارَةِ، تَمْلِيكُ الطَّعامِ لِلْفُقَراءِ، فَإنْ غَدّاهم وعَشّاهم، لَمْ يُجْزِئْهُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَكَمُ، والشّافِعِيُّ. وقالَ الثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يُجْزْئُهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ. ولا يَجُوزُ صَرْفُ مُدَّيْنِ إلى مِسْكِينٍ واحِدٍ، ولا إخْراجُ القِيمَةِ في الكَفّارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما وقَعَ (p-٤١٤)لَفْظُ التَّذْكِيرِ في المَساكِينِ، ولَوْ كانُوا إناثًا لَأجْزَأ، لِأنَّ المُغَلَّبَ في كَلامِ العَرَبِ التَّذْكِيرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَن أوْسَطِهِ في القَدْرِ، قالَهُ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِن أوْسَطِ أجْناسِ الطَّعامِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والأسْوَدُ، وعُبَيْدَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ [يَقُولُونَ:] لِلْحُرِّ مِنَ القُوتِ أكْثَرُ ما لِلْمَمْلُوكِ، ولِلْكَبِيرِ أكْثَرُ ما لِلصَّغِيرِ، فَنَزَلَتْ ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ لَيْسَ بِأفْضَلِهِ ولا بِأخَسِّهِ. وفي كِسْوَتِهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ثَوْبٌ واحِدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ، والشّافِعِيُّ. والثّانِي: ثَوْبانُ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، والضَّحّاكُ. والثّالِثُ: إزارٌ ورِداءٌ وقَمِيصٌ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والرّابِعُ: ثَوْبٌ جامِعٌ كالمِلْحَفَةِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ. والخامِسُ: كِسْوَةٌ تُجْزِئُ فِيها الصَّلاةُ، قالَهُ مالِكٌ. ومَذْهَبُ أصْحابِنا: أنَّهُ إنْ كَسا الرَّجُلَ، كَساهُ ثَوْبًا، والمَرْأةَ ثَوْبَيْنِ، دِرْعًا وخِمارًا، وهو أدْنى ما تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلاةُ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أوْ كُسْوَتُهُمْ"، بِضَمِّ الكافِ. وقَدْ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "أوْكَإسْوَتِهِمْ" بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، مَفْتُوحَةَ الكافِ، مَكْسُورَةَ التّاءِ والهاءِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْزِيُّ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الهَمْزَةَ. قالَ المُصَنِّفُ: ولا أرى هَذِهِ القِراءَةَ جائِزَةً، لِأنَّها تُسْقِطُ أصْلًا مَن أُصُولِ الكَفّارَةِ.

(p-٤١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ تَحْرِيرُها: عِتْقُها، والمُرادُ بِالرَّقَبَةِ: جُمْلَةُ الشَّخْصِ. واتَّفَقُوا عَلى اشْتِراطِ إيمانِ الرَّقَبَةِ في كَفّارَةِ القَتْلِ لِمَوْضِعِ النَّصِّ.

واخْتَلَفُوا في إيمانِ الرَّقَبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الكَفّارَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّدَ بِذِكْرِ الإيمانِ في كَفّارَةِ القَتْلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ.

والثّانِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وعَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في إيمانِ الرَّقَبَةِ المُعْتَقَةِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ، وكَفّارَةِ الظِّهارِ، وكَفّارَةِ الجِماعِ، والمَنذُورَةِ، رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيما إذا لَمْ يَجِدْهُ، صامَ، عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَجِدْ دِرْهَمَيْنِ صامَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: ثَلاثَةَ دَراهِمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: إذا لَمْ يَجِدْ إلّا قَدْرَ ما يُكَفِّرُ بِهِ، صامَ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ. والخامِسُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا قَدْرُ قُوتِهِ وقُوتِ عائِلَتِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، قالَهُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، وفي تَتابُعِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ، وكانَ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَآنِ: ( فَصِيام ثَلاثَةِ أيّام مُتَتابِعات ) وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.

والثّانِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ، ويَجُوزُ التَّفْرِيقُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ فِيهِ قَوْلانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ فِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٤١٦)أحَدُها: أقِلُّوا مِنها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ وأنْشَدُوا:

؎ قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ

والثّانِي: احْفَظُوا أنْفُسَكم مِنَ الحَنَثِ فِيها.

والثّالِثُ: راعُوها لِكَيْ تُؤَدُّوا الكَفّارَةَ عِنْدَ الحَنَثِ فِيها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском