Ibn al-JawziQaf · 50:30–45

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:30–45

50:30–40Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧

Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨

And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩

So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

And [in part] of the night exalt Him and after prostration [i.e., prayer].

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَوْمَ نَقُولُ" بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ. [وَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَوْمَ يَقُولُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ] . وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ يُقالُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ القافِ وإثْباتِ ألِفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتِصابُ "يَوْمٍ" عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ. والثّانِي: عَلى مَعْنى: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ.

فَأمّا فائِدَةُ سُؤالِهِ إيّاها، وقَدْ عَلِمَ هَلِ امْتَلَأتْ أمْ لا، فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾

[الأعْرافِ: ١٨] وفي قَوْلِها: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَوْلانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ.

(p-٢٠)أحَدُهُما: أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فالمَعْنى: هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ.

والثّانِي: أنَّها تَقُولُ تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى اللَّهَ تَعالى، وجَعَلَ اللَّهُ فِيها أنَّ تُمَيِّزَ وتُخاطِبَ، كَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] وفي المَخْلُوقاتِ أنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ [الشِّرْكَ] (غَيْرَ بَعِيدٍ) أيْ: جُعِلَتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ حَيْثُ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ، ويُقالُ لَهُمْ: "هَذا" الِذِي تَرَوْنَهُ ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] . وفي ﴿حَفِيظٍ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في [الأنْبِياءِ: ٤٩] ﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

﴿ادْخُلُوها﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴿بِسَلامٍ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَلِمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلِمُوا فِيها مِنَ الغُمُومِ والتَّغَيُّرِ والزَّوالِ، وسَلَّمَ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِمْ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا زَوالَ.

﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ حَتّى تَنْتَهِيَ مَسائِلُهُمْ، (p-٢١)فَيُعْطَوْنَ ما شاؤُوا، ثُمَّ يَزِيدُهم ما لَمْ يَسْألُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المَزِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ رَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: يَتَجَلّى لَهم.» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَعالى في كُلِّ جُمْعَةٍ.

والثّانِي: أنَّ السَّحابَ يَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ، فَيُمْطِرُهُمُ الحُورَ، فَتَقُولُ الحُورُ: نَحْنُ اللَّواتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ حَكاهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ عَلى ما تَمَنَّوْهُ وسَألُوا مِمّا لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَنَقَّبُوا " بِفَتْحِ النُّونِ والقافِ مَعَ تَشْدِيدِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ. كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا القافَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ تَهَدُّدًا. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى "فَنَقَبُوا" سارُوا في البِلادِ، فَهَلْ كانَ لَهم مِنَ المَوْتِ "مِن مَحِيصٍ" فَأُضْمِرَتْ "كانَ" ها هُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٣] أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم ناصِرٌ. ومَن قَرَأ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ، فَإنَّهُ (p-٢٢)كالوَعِيدِ؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا في البِلادِ وجِيئُوا فَهَلْ مِنَ المَوْتِ مِن مَحِيصٍ؟! وقالَ الزَّجّاجُ: "نَقِّبُوا": طَوِّقُوا وفَتِّشُوا، فَلَمْ تَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

فَأمّا المَحِيصُ: فَهو المَعْدِلُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَهُ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٢١ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرَهُ مِن إهْلاكِ القُرى ﴿لَذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِرَةً وعِظَةً ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ أنْ تَقُولَ: ما لَكَ قَلْبٌ، وما مَعَكَ قَلْبُكَ، تُرِيدُ العَقْلَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا كانَ القَلْبُ مَوْضِعًا لِلْعَقْلِ كَنّى بِهِ [عَنْهُ] . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِمَن صَرَفَ قَلْبَهُ إلى التَّفَهُّمِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ: اسْتَمَعَ مِنِّي ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: وقَلْبُهُ فِيما يَسْمَعُ. وقالَ الفَرّاءُ: "وَهُوَ شَهِيدٌ" أيْ: شاهِدٌ لَيْسَ بِغائِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، آخِرُها يَوْمُ الجُمْعَةِ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلِذَلِكَ لا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ. (p-٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مَن بَهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ونُسِخَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ﴾ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: صَلِّ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّكَ والتَّنْزِيهِ [لَهُ] مِمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ وهي صَلاةُ الفَجْرِ ﴿وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ. ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ فافْعَلُوا. وقَرَأ: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أيَّ وقْتٍ صَلّى مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: صَلاةُ العِشاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ: (p-٢٤)بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ ألِفِ "أدْبارٍ" فَهو جَمْعُ دُبُرٍ، ومَن كَسَرَها فَهو مَصْدَرُ: أدْبَرَ يُدْبِرُ إدْبارًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ في آخَرِينَ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ،قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ في أدْبارِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ في جَمِيعِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كَذَلِكَ.

50:41–45Page 520

وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٤١

And listen on the Day when the Caller1 will call out from a place that is near -

يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ ٤٢

The Day they will hear the blast [of the Horn] in truth. That is the Day of Emergence [from the graves].

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ ٤٣

Indeed, it is We who give life and cause death, and to Us is the destination

يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ ٤٤

On the Day the earth breaks away from them [and they emerge] rapidly; that is a gathering easy for Us.

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥

We are most knowing of what they say, and you are not over them a tyrant.1 But remind by the Qur’ān whoever fears My threat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُنادِي المُنادِي" بِياءٍ في الوَصْلِ. ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ، ووَقَفَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ووَقَفَ الباقُونَ ووَصَلُوا بِياءٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: واسْتَمِعْ حَدِيثَ يَوْمِ يُنادِي المُنادِي. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُنادِي: إسْرافِيلُ، يَقِفُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيُنادِي: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى الحِسابِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَجْتَمِعُوا لِفَصْلِ القَضاءِ؛ وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ (p-٢٥)الأخِيرَةُ. والمَكانُ القَرِيبُ: صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ: هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ: إنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ في وسَطِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ وهي [هَذِهِ] النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ مِنَ القُبُورِ.

﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ: نُمِيتُ في الدُّنْيا ونُحْيِي لِلْبَعْثِ ﴿وَإلَيْنا المَصِيرُ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَشَّقَّقَ" بِتَشْدِيدِ الشِّينِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها ﴿سِراعًا﴾ أيْ: فَيَخْرُجُونَ مِنها سِراعًا ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أيْ: هَيِّنٌ.

ثُمَّ عَزّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ في تَكْذِيبِكَ، يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُبْعَثْ لِتَجْبُرَهم عَلى الإسْلامِ إنَّما بُعِثْتَ مُذَكِّرًا، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ هَذا القَوْلَ فَقالَ: العَرَبُ لا تَقُولُ: "فَعّالٌ مِن أفْعَلْتُ" لا يَقُولُونَ: "خَرّاجٌ" يُرِيدُونَ "مُخْرِجٌ" ولا "دَخّالٌ" يُرِيدُونَ "مُدْخِلٌ" إنَّما يَقُولُونَ: "فَعّالٌ" مِن "فَعَلْتُ"، وإنَّما الجَبّارُ هُنا في مَوْضِعِ السُّلْطانِ مِنَ الجَبْرِيَّةِ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ في حَرْفٍ واحِدٍ: "دَرّاكٌ" مِن "أدْرَكْتُ" وهو شاذٌّ، فَإنْ جَعَلَ هَذا عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهو وجْهٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "بِجَبّارٍ" أيْ: بِمُسَلَّطٍ، والجَبّارُ: المَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَبُّرِهِ، يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمَلِكٍ مُسَلَّطٍ.

(p-٢٦)قالَ اليَزِيدِيُّ: لَسْتَ بِمُسَلَّطٍ فَتَقْهَرَهم عَلى الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِتَقْتُلَهم. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ﴾ أيْ: فَعِظْ بِهِ "مَن يَخافُ وعِيدِ" وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَعِيدِي" بِياءٍ في الحالَيْنِ]، أيْ: ما أوْعَدْتُ مَن عَصانِي مِنَ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском