Ibn al-JawziAl‑Qamar · 54:41–55

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:41–55

54:41–46Page 530

وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١

And there certainly came to the people of Pharaoh warning.

كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢

They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣

Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?

أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤

Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?

سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦

But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.

والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿أخْذَ عَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.

ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿الزُّبُرِ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟ وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ. وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿وَأمَرُّ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.

54:47–55Page 530

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧

Indeed, the criminals are in error and madness.1.

يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨

The Day they are dragged into the Fire on their faces [it will be said], "Taste the touch of Saqar."1

إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩

Indeed, all things We created with predestination.

وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠

And Our command is but one, like a glance of the eye.

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١

And We have already destroyed your kinds,1 so is there any who will remember?

وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢

And everything they did is in written records.

وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣

And every small and great [thing] is inscribed.

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤

Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,

فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥

In a seat of honor near a Sovereign, Perfect in Ability.1

أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .»

والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِقَدَرٍ﴾،» قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُعُرٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الجُنُونُ. والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ. ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا (p-١٠٢)فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" . [وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ. ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.

﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ. (p-١٠٣)وَفِي ﴿الزُّبُرِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ. والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ. فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ:

؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ

يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ:

فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا

وَمِثْلُهُ:

كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا

وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً:

؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها

(p-١٠٤)أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: ٢] . فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском