Ibn al-JawziAr‑Rahman · 55:37–78

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:37–78

55:37–45Page 532

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧

And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨

So which of the favors of your Lord would you deny? -

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩

Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١

The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣

This is Hell, which the criminals deny.

يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤

They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْفَرَجَتْ مِنَ المَجَرَّةِ لِنُزُولِ مَن فِيها يَوْمَ القِيامَةِ "فَكانَتْ ورْدَةً" وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: الفَرَسُ الوَرْدَةُ، تَكُونُ في الرَّبِيعِ ورْدَةً إلى الصُّفْرَةِ، فَإذا اشْتَدَّ الحَرُّ (p-١١٨)كانَتْ ورْدَةً حَمْراءَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَتْ ورْدَةً إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ؛ وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: "فَكانَتْ ورْدَةً" أيْ: كَلَوْنِ فَرَسِ ورْدَةٍ؛ والكُمَيْتُ: الوَرْدُ يَتْلُونَ، فَيَكُونُ لَوْنُهُ في الشِّتاءِ خِلافَ لَوْنِهِ في الصَّيْفِ، ولَوْنُهُ في الصَّيْفِ خِلافَ لَوْنِهِ في الشِّتاءِ، فالسَّماءُ تَتَلَوَّنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَكانَتْ حَمْراءَ في لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ.

والثّانِي: أنَّها ورْدَةُ النَّباتِ؛ وقَدْ تَخْتَلِفُ ألْوانُها، إلّا أنَّ الأغْلَبَ عَلَيْها الحُمْرَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الدِّهانِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ واحِدٌ، وهو الأدِيمُ الأحْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ دُهْنٍ، والدُّهْنُ تَخْتَلِفُ ألْوانُهُ بِخُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ. وقالَ الفَرّاءُ: شَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وشَبَّهَ الوَرْدَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِها بِالدُّهْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يُسْألُونَ لِيُعْلَمَ حالُهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ مِنهم بِذَلِكَ.

والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهُمْ، فالكافِرُ أسْوَدُ الوَجْهِ، والمُؤْمِنُ أغَرُّ مُحَجَّلٌ مِن أثَرِ وُضُوئِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يُسْألُ أحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُسْتَفْهَمَ، ولَكِنَّهُ يُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقِ الأعْيُنِ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَهم عَلى وُجُوهِهِمْ (p-١١٩)فِي النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، فَيُسْحَبُونَ إلى النّارِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. ورَوى مُرْدَوَيْهِ الصّائِغُ، قالَ: صَلّى بِنا الإمامُ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" ومَعَنا عَلِيُّ بْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، فَلَمّا قَرَأ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ خَرَّ عَلِيٌّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتّى فَرَغْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنا لَهُ: أما سَمِعْتَ الإمامَ يَقْرَأُ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾؟ قالَ: شَغَلَنِي عَنْها ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم. هَذِهِ جَهَنَّمُ ﴿الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: يُطَوِّفُونَ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الواوِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، والآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّهم يَسْعَوْنَ بَيْنَ عَذابِ الجَحِيمِ وبَيْنَ الحَمِيمِ، إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ الشَّدِيدَ الحَرارَةِ.

55:46–53Page 533

وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦

But for he who has feared the position of his Lord1 are two gardens -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧

So which of the favors of your Lord would you deny? -

ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ ٤٨

Having [spreading] branches.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ ٥٠

In both of them are two springs, flowing.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ ٥٢

In both of them are of every fruit, two kinds.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: قِيامُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ الجَزاءِ. والثّانِي: قِيامُ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ بِإحْصاءِ ما اكْتَسَبَ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ، أنَّ العَبْدَ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيَتْرُكُها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ (p-١٢٠)وَجَلَّ فَلَهُ جَنَّتانِ، وهُما بُسْتانانِ.

﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الأغْصانُ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطِيَّةَ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها الألْوانُ والضُّرُوبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذَواتا ألْوانٍ مِنَ الفاكِهَةِ.

وَجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما: السَّلْسَبِيلُ، والأُخْرى: التَّسْنِيمُ. وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما: مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى: مِن خَمْرٍ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانَتْ لَهُ في الدُّنْيا عَيْنانِ تَجْرِيانِ مِنَ البُكاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أيْ: صِنْفانِ ونَوْعانِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فِيهِما مِن كُلِّ ما يُتَفَكَّهُ بِهِ نَوْعانِ، رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في فَضْلِهِ.

55:54–61Page 533

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ ٥٤

[They are] reclining on beds whose linings are of silk brocade, and the fruit of the two gardens is hanging low.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦

In them are women limiting [their] glances,1 untouched2 before them by man or jinnī -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧

So which of the favors of your Lord would you deny? -

كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٥٨

As if they were rubies and coral.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠

Is the reward for good [anything] but good?

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١

So which of the favors of your Lord would you deny?

﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هَذا حالُ المَذْكُورِينَ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ جَمْعُ فِراشٍ ﴿بَطائِنُها﴾ جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الَّتِي تَحْتَ الظِّهارَةِ.

وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَما ظَنُّكم بِالظَّهائِرِ؟! وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما تُرِكَ وصْفُ الظَّواهِرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ ما هي. وقالَ قَتادَةُ: البَطائِنُ: هي الظَّواهِرُ بِلُغَةِ قَوْمٍ. وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ ظاهِرَةً، والظّاهِرَةُ بِطانَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها، وهو الَّذِي نَراهُ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِيبُ قَتَلَةَ عُثْمانَ: خَرَجُوا عَلَيْهِ كاللُّصُوصِ مِن وراءِ القَرْيَةِ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ كُلَّ قِتْلَةٍ، ونَجا مِنهم مَن نَجا تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ. يَعْنِي هَرَبُوا لَيْلًا؛ فَجَعَلُوا ظُهُورَ الكَواكِبِ بُطُونًا، وذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ. وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ جِدًّا، وقالَ: إنَّما أرادَ اللَّهُ أنَّ يُعَرِّفَنا- مِن حَيْثُ نَفْهَمُ - فَضْلَ هَذِهِ الفُرُشِ وأنَّ ما ولِيَ الأرْضَ مِنها إسْتَبْرَقٌ، وإذا كانَتِ البِطانَةُ كَذَلِكَ، فالظِّهارَةُ أعْلى وأشْرَفُ. وهَلْ يَجُوزُ [لِأحَدٍ] أنْ يَقُولَ لِوَجْهِ مُصَلٍّ: هَذا بِطانَتُهُ، ولِما ولِيَ الأرْضَ مِنهُ: هَذا ظِهارَتُهُ؟! وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ذِي الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ، تَقُولُ لِما ولِيَكَ مِنَ الحائِطِ: هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، ويَقُولُ جارُكَ لِما ولِيَهُ هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، وكَذَلِكَ السَّماءُ ما ولِيَنا مِنها: ظَهْرٌ، وهي لِمَن فَوْقَها: بَطْنٌ. وقَدْ ذَكَرْنا الإسْتَبْرَقَ في [سُورَةِ] [الكَهْفِ: ٣١]، (p-١٢٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ما يُجْتَنى قَرِيبٌ لا يُعَنِّي الجانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الفُرُشِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ: يَطْمِثُ ويَطْمُثُ، مِثْلُ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ. وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ والطَّمْثُ: النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحائِضِ: طامِثٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ؛ يُقالُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرَ حَبْلٌ [قَطُّ] أيْ: ما مَسَّهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَعَلى قَوْلِهِ، هَذا صِفَةُ الحُورِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هُنَّ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُذْ أُنْشِئْنَ خَلْقٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى المَرْأةَ كالإنْسِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ قالَ قَتادَةُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ وأهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: "الياقُوتُ" فارِسِيٌّ (p-١٢٣)مُعَرَّبٌ، والجَمْعُ "اليَواقِيتُ"، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِيُّ:

؎ لَنْ يُذْهِبَ اللُّؤْمَ تاجٌ قَدْ حُيِيتَ بِهِ مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ والذَّهَبِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" وعَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ إلّا الجَنَّةُ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ"؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "فَإنَّ رَبَّكم يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟! .»

55:62–78Page 533

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢

And below them both [in excellence] are two [other] gardens -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُدۡهَآمَّتَانِ ٦٤

Dark green [in color].

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦

In both of them are two springs, spouting.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨

In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ ٧٠

In them are good and beautiful women -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١

So which of the favors of your Lord would you deny? -

حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢

Fair ones reserved in pavilions -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤

Untouched before them by man or jinnī -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦

Reclining on green cushions and beautiful fine carpets.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٧٨

Blessed is the name of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، ولَهُ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِن دُونِهِما﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دُونَهُما في الدَّرَجِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: دُونَهُما في الفَضْلِ كَما رَوى أبُو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ"؛» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ [وابْنُ الزُّبَيْرِ]: خَضْراوانِ مِنَ الرِّيِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أنَّهُما خَضْراوانِ تَضْرِبُ خُضْرَتُهُما إلى السَّوادِ، وكُلُّ نَبْتٍ أخْضَرَ فَتَمامٌ خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ أنْ يَضْرِبَ إلى السَّوادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَضّاخَتانِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَوّارَتانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَفُورانِ، "والنَّضْخُ" أكْثَرُ مِنَ "النَّضْحِ" . وفِيما يَفُورانِ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمِسْكِ والكافُورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: بِالماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها (p-١٢٥)زُمُرُّدٌ أخْضَرُ، وكَرَبُها: ذَهَبٌ أحْمَرُ، وسَعَفُها: كُسْوَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، مِنها مُقَطَّعاتُهم وحُلَلُهم. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها مِن ذَهَبٍ، وعُرُوقُها مِن ذَهَبٍ، وكَرانِيفُها مِن زُمُرُّدٍ، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لَيْسَ لَهُ عَجَمٌ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَرانِيفُ: أُصُولُ السَّعَفِ الغِلاظُ، الواحِدَةُ: كِرْنافَةٌ. وإنَّما أعادَ ذِكْرَ النَّخْلِ والرُّمّانِ - وقَدْ دَخَلا في الفاكِهَةِ - لِبَيانِ فَضْلِهِما كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨]، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ. وحَكى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ قَوْمًا قالُوا: لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذَهَبُوا مَذْهَبًا، ولَكِنَّ العَرَبَ تَجْعَلُهُما فاكِهَةً. قالَ الأزْهَرِيُّ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ العَرَبِ قالَ في النَّخِيلِ والكُرُومِ وثِمارِها: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ الفاكِهَةِ، وإنَّما قالَ مَن قالَ، لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِكَلامِ العَرَبِ، فالعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ جُمْلَةً ثُمَّ تَخُصُّ شَيْئًا مِنها بِالتَّسْمِيَةِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨]؛ فَمَن قالَ: لَيْسا مِنَ المَلائِكَةِ كَفَرَ، ومَن قالَ: ثَمَرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ جَهِلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ يَعْنِي في الجِنانِ الأرْبَعِ "خَيْراتٌ" يَعْنِي الحُورَ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "خَيِّراتٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُهُ "خَيِّراتٌ" بِالتَّشْدِيدِ، فَخُفِّفَ، كَما (p-١٢٦)قِيلَ: هَيْنٌ لَيْنٌ، وهَيِّنٌ لَيِّنٌ. ورَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] مَعْنى الحُورِ.

وَفِي المَقْصُوراتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَحْبُوساتُ في الحِجالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والقُرَظِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي صالِحٍ.

والثّانِي: المَقْصُوراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَلا يَرْفَعْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ. وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ. والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: امْرَأةٌ مَقْصُورَةٌ وقَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: إذا كانَتْ مُلازِمَةً خِدْرَها، قالَ كُثَيِّرٌ:

؎ لَعَمْرِي لَقَدْ حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ وما تَدْرِي بِذاكَ القَصائِرُ

؎ عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ

وَبَعْضُهم يَنْشُدُهُ: قَصُورَةٌ، وقَصُوراتٌ؛ والبَحاتِرُ: القِصارُ.

وَفِي "الخِيامِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها البُيُوتُ.

والثّانِي: خِيامٌ تُضافُ إلى القُصُورِ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [أنَّهُ] قالَ: « "إنَّ لِلْمُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيها أهْلُونَ (p-١٢٧)يَطُوفُ عَلَيْهِمُ [المُؤْمِنُ] فَلا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا" .» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الخِيامُ: دُرٌّ مُجَوَّفٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَيْمَةُ: لُؤْلُؤَةٌ واحِدَةٌ أرْبَعَةُ فَراسِخَ في أرْبَعَةِ فَراسِخَ، لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَلى رَفارِفَ" جَمْعٌ غَيْرُ مَصْرُوفٍ. وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثْلَهُمْ، إلّا أنَّهم صَرَفُوا "رَفارِفَ" قالَ ثَعْلَبٌ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، لِأنَّ الرَّفْرَفَ جَمْعٌ، واحِدَتُهُ: رَفْرَفَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يَسْ: ٨٠] ولَمْ يَقُلِ: الخُضْرِ، لِأنَّ الشَّجَرَ جَمْعٌ، تَقُولُ: هَذا حَصًى أبْيَضُ، وحَصًى أسْوَدُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ أحَقّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ ماشِيًا ∗∗∗ بِهِرْجابَ ما دامَ الأراكُ بِهِ خُضْرا

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالرَّفْرَفِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها فُضُولُ المَحابِسِ [والبُسُطِ]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ: الفُرُشُ والبُسُطُ. وحَكى الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها المَحابِسُ. وقالَ النَّقّاشُ: الرَّفْرَفُ: المَحابِسُ الخُضْرُ فَوْقَ الفُرُشِ.

والثّانِي: أنَّها رِياضُ الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الوَسائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ.

(p-١٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الزَّرابِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَبْقَرِيُّ: الطَّنافِسُ الثِّخانُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ البُسُطِ: عَبْقَرِيٌّ.

والثّانِي: أنَّهُ الدَّيْباجُ الغَلِيظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ العَبْقَرِيِّ في اللُّغَةِ أنَّهُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما بُولِغَ في وصْفِهِ، وأصْلُهُ أنَّ عَبْقَرَ: بَلَدٌ كانَ يُوشى فِيهِ البُسُطُ وغَيْرُها، فَنُسِبَ كُلُّ شَيْءٍ جَيِّدٍ إلَيْهِ، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا

وَقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَباقِرِيَّ" بِألِفٍ مَكْسُورَةَ القافِ مَفْتُوحَةَ الياءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينِهِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ولا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ في العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجَمْعَ الَّذِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ، نَحْوُ؛ مَساجِدَ ومَفاتِحَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِثْلُ عَباقِرِيَّ، لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ، فَلَوْ جَمَعْتَ "عَبْقَرِيٍّ" كانَ جَمْعُهُ "عَباقِرَةً" كَما أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ "مُهْلِبِيٌّ" كانَ جَمْعُهُ "مَهالِبَةً" ولَمْ تَقُلْ: "مَهالِبِيَّ" قالَ: فَإنْ قِيلَ: "عَبْقَرِيٌّ" واحِدٌ، و"حِسانٌ" جَمْعٌ، فَكَيْفَ جازَ هَذا؟ فالأصْلُ أنَّ واحِدَ هَذا "عَبْقَرِيَّةٌ" والجَمْعُ "عَبْقَرِيٌّ"، كَما تَقُولُ: تَمْرَةٌ، وتَمْرٌ ولَوْزَةٌ، ولَوْزٌ، ويَكُونُ أيْضًا "عَبْقَرِيٌّ" اسْمًا لِلْجِنْسِ.

وَقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "وَعَباقَرِيٍّ" بِألِفٍ مَعَ التَّنْوِينِ.

(p-١٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ "الِاسْمِ" صِلَةٌ، والمَعْنى: تَبارَكَ رَبُّكَ.

والثّانِي: أنَّهُ أصْلٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، أيِ: البَرَكَةُ تُنالُ وتُكْتَسَبُ بِذِكْرِ اسْمِهِ. وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿تَبارَكَ﴾ في [الأعْرافِ: ٥٤]، وذَكَرْنا في هَذِهِ السُّورَةِ مَعْنى ﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٧]، وكانَ ابْنُ عامِرٍ يَقْرَأُ: "ذُو الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ؛ والباقُونَ: "ذِي الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والعِراقِ، [وَهُمْ] مُتَّفِقُونَ عَلى المَوْضِعِ الأوَّلِ أنَّهُ "ذُو" .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском