Ibn al-JawziAl‑Hashr · 59:11–24

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:11–24

59:11–17Page 547

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١

Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.

لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢

If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.

لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣

You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.

لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤

They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥

[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."

فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧

So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.

(p-٢١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ ﴿يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ﴾ في الدِّينِ، لِأنَّهم كُفّارٌ مِثْلُهُمْ، وهُمُ اليَهُودُ ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿أحَدًا أبَدًا﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يُخْلِفُونَهم ما وعَدُوهم مِنَ الخُرُوجِ والنَّصْرِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهم أُخْرِجُوا فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، ومَعْنى ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ لَئِنْ قُدِّرَ وُجُودُ نَصْرِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ نَفى نَصْرَهُمْ، فَلا يَجُوزُ وجُودُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأنْتُمْ أشَدُّ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ أشَدُّ ﴿رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

(p-٢١٨)أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والمَعْنى: أنَّهم لا يَبْرُزُونَ لِحَرْبِكُمْ، إنَّما يُقاتِلُونَ مُتَحَصِّنِينَ ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ "جِدارٍ" بِألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "جُدُرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والدّالِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "جَدَرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ والدّالِ جَمِيعًا، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُعاوِيَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "جَدْرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدّالِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ يَعْمَرَ "جُدْرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الدّالِ ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ فِيما وراءَ الحُصُونِ شَدِيدٌ، وإذا خَرَجُوا إلَيْكم فَهم أجْبَنُ خَلْقِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلُوبُهم شَتّى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هم مُخْتَلِفُونَ لا تَسْتَوِي قُلُوبُهُمْ، ولا يَتَعاوَنُونَ بِنِيّاتٍ مُجْتَمِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُ حِزْبِهِ، وخاذِلُ أعْدائِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الِاخْتِلافَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٢١٩)أحَدُها: بَنُو قَيْنُقاعٍ، وكانُوا وادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَحَصَرُوهُمْ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ أنَّ لَهُ أمْوالَهُمْ، ولَهُمُ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ. فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ فِيما فُعِلَ بِهِمْ كَبَنِي قَيْنُقاعٍ فِيما فُعِلَ بِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ اليَهُودِ كَمَثَلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبِلِهِمْ قَرِيبًا، وذَلِكَ لِقُرْبِ غَزاةِ بَنِي النَّضِيرِ مِن غَزاةِ بَدْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ ﴿ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ بِأنْ قُتِلَتْ مُقاتَلَتُهُمْ، وسُبِيَتْ ذَرارِيهُمْ، وهَؤُلاءِ أُجْلُوا عَنْ دِيارِهِمْ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ والمَعْنى: مَثَلُ المُنافِقِينَ في غُرُورِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، وقَوْلِهِمْ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، ولَئِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا شَرْحُ قِصَّتِهِ.

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ عابِدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُقالُ لَهُ: بِرْصِيصا تَعَبَّدَ في صَوْمَعَةٍ لَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَجَمَعَ إبْلِيسُ يَوْمًا مَرَدَةَ الشَّياطِينِ، فَقالَ: ألا أحَدٌ مِنكم يَكْفِينِي بِرْصِيصا، فَقالَ الأبْيَضُ، وهو صاحِبُ الأنْبِياءِ: أنا أكْفِيكَهُ، فانْطَلَقَ عَلى صِفَةِ الرُّهْبانِ، وأتى صَوْمَعَتَهُ، فَناداهُ فَلَمْ (p-٢٢٠)يُجِبْهُ، وكانَ لا يَنْفَتِلُ عَنْ صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، ولا يُفْطِرُ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا يُجِيبُهُ أقْبَلَ عَلى العِبادَةِ في أصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمّا انْفَتَلَ بِرْصِيصا، اطَّلَعَ فَرَآهُ مُنْتَصِبًا يُصَلِّي عَلى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَناداهُ: ما حاجَتُكَ؟ فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَعَكَ، أقْتَبِسُ مِن عَمَلِكَ، وأتَأدَّبُ بِأدَبِكَ، ونَجْتَمِعُ عَلى العِبادَةِ، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي لَفي شُغْلٍ عَنْكَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ، وأقْبَلَ الأبْيَضُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ بِرْصِيصا أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَرَآهُ يُصَلِّي، فَلَمّا رَأى شِدَّةً اجْتِهادِهِ، قالَ: ما حاجَتُكَ؟ فَأعادَ عَلَيْهِ القَوْلَ، فَأذِنَ لَهُ، فَصَعِدَ إلَيْهِ، فَأقامَ مَعَهُ حَوْلًا لا يُفْطِرُ إلّا كُلَّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ولا يَنْفَتِلُ مِن صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ورُبَّما زادَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى بِرْصِيصا اجْتِهادَهُ، أعْجَبَهُ شَأْنُهُ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَمًّا حالَ الحَوْلُ قالَ الأبْيَضُ لِبِرْصِيصا: إنِّي مُنْطَلِقٌ عَنْكَ، فَإنَّ لِي صاحِبًا غَيْرَكَ ظَنَنْتُ أنَّكَ أشَدُّ اجْتِهادًا مِمّا أرى، وكانَ يُبْلِغُنا عَنْكَ غَيْرَ الَّذِي أرى، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى بِرْصِيصا، وكَرِهَ مُفارَقَتَهُ، فَلَمّا ودَّعَهُ قالَ لَهُ الأبْيَضُ: إنَّ عِنْدِي دَعَواتٍ أُعَلِّمُكَها، يَشْفِي اللَّهُ بِها السَّقِيمَ، ويُعافِي بِها المُبْتَلى، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي أكْرَهُ هَذِهِ المَنزِلَةَ، لِأنَّ لِي في نَفْسِي شُغْلًا، فَأخافُ أنْ يَعْلَمَ النّاسُ بِهَذا، فَيَشْغَلُونِي عَنِ العِبادَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى عَلَّمَهُ إيّاها، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى إبْلِيسَ فَقالَ: قَدِ واللَّهِ أهْلَكْتُ الرَّجُلَ، فانْطَلَقَ الأبْيَضُ، فَتَعَرَّضَ لِرَجُلٍ فَخَنَقَهُ، ثُمَّ جاءَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ لِأهْلِهِ: إنَّ بِصاحِبِكم جُنُونًا فَأُعالِجُهُ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لا أقْوى عَلى جِنِّيِهِ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى مَن يَدْعُو لَهُ فَيُعافى، فَقالُوا لَهُ: دُلَّنا، قالَ: انْطَلَقُوا إلى بِرْصِيصا العابِدِ، فَإنَّ عِنْدَهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَدَعا بِتِلْكَ الكَلِماتِ، فَذَهَبَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ، وكانَ الأبْيَضُ يَفْعَلُ بِالنّاسِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْشِدُهم إلى بِرْصِيصا، فَيُعافَوْنَ، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ (p-٢٢١)عَلَيْهِ انْطَلَقَ إلى جارِيَةٍ مِن بَناتِ مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ، لَها ثَلاثَةُ إخْوَةٍ، فَخَنَقَها، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِمْ في صُورَةِ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ: أُعالِجُها؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ: إنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها مارِدٌ لا يُطاقُ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ تَدَعُونَها عِنْدَهُ، فَإذا جاءَ شَيْطانُها دَعا لَها، قالُوا، ومَن هُوَ؟ قالَ: بِرْصِيصا، قالُوا: فَكَيْفَ لَنا أنْ يَقْبَلَها مِنّا، وهو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذَلِكَ؟! قالَ: إنْ قَبِلَها، والا فَضَعُوها في صَوْمَعَتِهِ، وقُولُوا لَهُ: هي أمانَةٌ عِنْدَكَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَأبى عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوها عِنْدَهُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: ضَعُوها في ذَلِكَ الغارِ، وهو غارٌ إلى جَنْبِ صَوْمَعَتِهِ، فَوَضَعُوها، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: لَهُ انْزِلْ إلَيْها فامْسَحْها بِيَدِكَ تُعافى، وتَنْصَرِفُ إلى أهْلِها، فَنَزَلَ، فَلَمّا دَنا إلى بابِ الغارِ دَخَلَ الشَّيْطانُ فِيها، فَإذا هي تَرْكُضُ، فَسَقَطَتْ عَنْها ثِيابُها، فَنَظَرَ العابِدُ إلى شَيْءٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ حُسْنًا وجَمالًا، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ وقْعَ عَلَيْها، وضَرَبَ عَلى أُذُنِهِ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إلَيْها إلى أنْ حَمَلَتْ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ: ويْحَكَ يا بِرْصِيصا قَدِ افْتُضِحْتَ، فَهَلْ لَكَ أنْ تَقْتُلَ هَذِهِ وتَتُوبَ؟! فَإنْ سَألُوكَ عَنْها فَقُلْ: جاءَ شَيْطانُها، فَذَهَبَ بِها، فَلَمْ يَزَلْ بِها حَتّى قَتَلَها، ودَفَنَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صَوْمَعَتِهِ، فَأقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ إذْ جاءَ إخْوَتُها يَسْألُونَ عَنْها، فَقالُوا: يا بِرْصِيصا! ما فَعَلَتْ أُخْتُنا؟ قالَ: جاءَ شَيْطانُها فَذَهَبَ بِها، ولَمْ أُطِقْهُ، فَصَدَّقُوهُ، وانْصَرَفُوا. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: دَعَوْتُ لَها، فَعافاها اللَّهُ، ورَجَعَتْ إلَيْكُمْ، فَتَفَرَّقُوا يَنْظُرُونَ لَها أثَرًا، فَلَمّا أمْسَوْا جاءَ الشَّيْطانُ إلى كَبِيرِهِمْ في مَنامِهِ، فَقالَ: ويْحَكَ: إنَّ بِرْصِيصا فَعَلَ بِأُخْتِكَ كَذا وكَذا، وإنَّهُ دَفَنَها في مَوْضِعِ كَذا مِن جَبَلِ كَذا، فَقالَ: هَذا حُلْمٌ، و بِرْصِيصا خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، فَتَتابَعَ عَلَيْهِ ثَلاثَ لَيالٍ، ولا يَكْتَرِثُ، فانْطَلَقَ إلى الأوْسَطِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلى الأصْغَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ الأصْغَرُ لِإخْوَتِهِ: لَقَدْ رَأيْتُ كَذا وكَذا، فَقالَ (p-٢٢٢)الأوْسَطُ: وأنا واللَّهِ، فَقالَ الأكْبَرُ: وأنا واللَّهِ، فَأتَوْا بِرْصِيصا، فَسَألُوهُ عَنْها، فَقالَ: قَدْ أعْلَمْتُكم بِحالِها، فَكَأنَّكُمُ اتَّهَمْتُمُونِي، قالُوا: لا واللَّهِ، واسْتَحْيَوْا، وانْصَرَفُوا، فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: ويْحَكم إنَّها لَمَدْفُونَةٌ في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، وإنَّ إزارَها لَخارِجٌ مِنَ التُّرابِ، فانْطَلَقُوا، فَحَفَرُوا عَنْها، فَرَأوْها، فَقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ لَمَ قَتَلْتَها؟ اهْبِطْ، فَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، ثُمَّ أوْثَقُوهُ، وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا، ثُمَّ قادُوهُ إلى المَلِكِ فَأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ عَرَضَ لَهُ، فَقالَ: تَقْتُلُها ثُمَّ تُكابِرُ، فاعْتَرَفَ، فَأمَرَ المَلِكُ بِقَتْلِهِ وصَلْبِهِ، فَعَرَضَ لَهُ الأبْيَضُ، فَقالَ: أتَعْرِفُنِي؟ قالَ: لا، قالَ: أنا صاحِبُكَ الَّذِي عَلَّمْتُكَ الدَّعَواتِ، ويْحَكَ ما اتَّقَيْتَ اللَّهَ في أمانَةٍ خُنْتَ أهْلَها، أما اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللَّهِ؟! ألَمْ يَكْفِكَ ذَلِكَ حَتّى أقْرَرْتَ فَفَضَحَتْ نَفْسَكَ وأشْباهَكَ بَيْنَ النّاسِ؟! فَإنَّ مُتَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ تُفْلِحْ، ولا أحَدٌ مِن نُظَرائِكَ، قالَ: فَكَيْفَ أصْنَعُ قالَ: تُطِيعُنِي في خَصْلَةٍ حَتّى أُنْجِيَكَ، وآخُذَ بِأعْيُنِهِمْ، وأُخْرِجَكَ مِن مَكانِكَ، قالَ: ما هِيَ؟ قالَ: تَسْجُدُ لِي، فَسَجَدَ لَهُ، فَقالَ: هَذا الَّذِي أرَدْتُ مِنكَ صارَتْ عاقِبَةُ أمْرِكَ أنْ كَفَرْتَ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ ثُمَّ قُتِلَ. فَضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْيَهُودِ حِينَ غَرَّهُمُ المُنافِقُونَ، ثُمَّ أسْلَمُوهم.

(p-٢٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ ونَصَبَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو ياءَ "إنِّيَ" وأسْكَنَها الباقُونَ. وقَدْ بَيَّنّا المَعْنى في [الأنْفالِ: ٤٨] ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانَ وذَلِكَ الكافِرَ.

59:18–20Page 548

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩

And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.

لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].

(p-٢٢٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ: لِيَنْظُرْ أحَدُكم أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَ؟ أعْمَلًا صالِحًا يُنْجِيهِ؟ أمْ سَيِّئًا يُوبِقُهُ؟ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَرَكُوا أمْرَهُ ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أنْساهم حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِالطّاعَةِ، ولَمْ يُقَدِّمُوا خَيْرًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرَ، وبَنِي قَيْنُقاعٍ.

59:21–24Page 548

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤

He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ بِهَذا عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ لَوْ جُعِلَ في جَبَلٍ - عَلى قَساوَتِهِ وصَلابَتِهِ تَمْيِيزًا، كَما جُعِلَ في بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وخَوْفًا أنْ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ. و"الخاشِعُ": المُتَطَأْطِئُ الخاضِعُ، و"المُتَصَدِّعُ": المُتَشَقِّقُ. وهَذا تَوْبِيخٌ لِمَن لا يَحْتَرِمُ القُرْآنَ، ولا يُؤَثِّرُ في قَلْبِهِ مَعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَثَلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِعَظْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (p-٢٢٥)تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

فَأمّا هَذِهِ الأسْماءُ، فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّهِ"، و"الرَّحْمَنِ"، و"الرَّحِيمِ" في [الفاتِحَةِ] وذَكَرْنا مَعْنى ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ في [الأنْعامِ: ٧٣] . و ﴿المَلِكُ﴾ في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٦] .

فَأمّا "القُدُّوسُ" فَقَرَأ أبُو الأشْهَبِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ القافِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: "القُدُّوسُ": الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزَّهُ عَنِ الأنْدادِ والأوْلادِ. و"القُدْسُ": الطَّهارَةُ. ومِنهُ سُمِّيَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْناهُ: المَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ لِلْجَنَّةِ: حَظِيرَةُ القُدُسِ، لِطَهارَتِها مِن آفاتِ الدُّنْيا. والقُدْسُ: السَّطْلُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ مِنَ الأسْماءِ عَلى فُعُّولٍ بِضَمِّ الفاءِ إلّا "قُدُّوسٌ" و"سُبُّوحٌ" وقَدْ يُقالُ أيْضًا: قَدُّوسٌ، وسَبُّوحٌ بِالفَتْحِ فِيهِما، وهو القِياسُ في الأسْماءِ، كَقَوْلِهِمْ: سَفُّودٌ، وكَلُّوبٌ.

فَأمّا "السَّلامُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى نَفْسَهَ سَلامًا، لِسَلامَتِهِ مِمّا يَلْحَقُ الخَلْقَ مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ والفَناءِ. وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ: ذُو السَّلامِ. والسَّلامُ في صِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقِينَ. قالَ وقَدْ قِيلَ هو الَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ.

فَأمّا "المُؤْمِنُ"، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أمِنَ النّاسُ ظُلْمَهُ، وأمِنَ مَن آمَنَ بِهِ عَذابَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُجِيرُ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

(p-٢٢٦)والثّالِثُ: الَّذِي يُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ إذا وحَّدُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي وحَّدَ نَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْدُقُ عِبادَهُ وعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: أنَّهُ يُصَدِّقُ ظُنُونَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُخَيِّبُ آمالَهُمْ، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي"» حَكاهُ الخَطّابِيُّ.

فَأمّا "المُهَيْمِنُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّهِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ. قالَ الخَطّابِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٨]، فاللَّهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِما يَكُونُ مِنهم مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الخَطّابِيُّ: وأصْلُهُ: مُؤَيْمِنٌ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، لِأنَّ الهاءَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمْزَةِ. ولَمْ يَأْتِ مُفَيْعِلٌ في غَيْرِ التَّصْغِيرِ، إلّا في ثَلاثَةِ أحْرُفٍ "مُسَيْطِرٌ" و"مُبَيْطِرٌ" و"مُهَيْمِنٌ" وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [الطُّورِ: ٣٧] عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، أنَّها خَمْسَةُ أحْرُفٍ.

والثّالِثُ: المُصَدِّقُ فِيما أخْبَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ، والحافِظُ لَهُ، قالَهُ الخَلِيلُ. قالَ الخَطّابِيُّ وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الهَيْمَنَةُ: القِيامُ عَلى الشَّيْءِ؛ والرِّعايَةُ لَهُ، وأنْشَدَ:

؎ ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِّيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ

(p-٢٢٧)يُرِيدُ القائِمَ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعايَةِ لَهم. وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ: ٤٨] وبَيَّنّا مَعْنى "العَزِيزِ" في [البَقَرَةِ: ١٢٩] .

فَأمّا "الجَبّارُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ القُرَظِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ قَتادَةُ: جَبْرُ خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ. وحَكى الخَطّابِيُّ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ الخَلْقَ عَلى ما أرادَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ. يُقالُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ، وأجْبَرَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ مَفاقِرَ الخَلْقِ، وكَفاهم أسْبابَ المَعاشِ والرِّزْقِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: تَجَبَّرَ النَّباتُ: إذا طالَ وعَلا، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الخَطّابِيُّ.

فَأمّا "المُتَكَبِّرُ" فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

(p-٢٢٨)والثّالِثُ: أنَّهُ ذُو الكِبْرِياءِ، وهو المَلِكُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعالِي عَنْ صِفاتِ الخَلْقِ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلى عُتاةٍ خَلْقِهِ إذا نازَعُوهُ العَظَمَةَ، فَقَصَمَهُمْ، ذَكَرَهُما الخَطّابِيُّ. قالَ: والتّاءُ في "المُتَكَبِّرِ" تاءُ التَّفَرُّدِ، والتَّخَصُّصِ، لِأنَّ التَّعاطِيَ والتَّكَلُّفَ والكِبْرَ لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وإنَّما سِمَةُ العَبْدِ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ. وقِيلَ: إنَّ المُتَكَبِّرَ مِنَ الكِبْرِياءِ الَّذِي هو عَظَمَةُ اللَّهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هو مَذْمُومٌ في الخَلْقِ.

وَأمّا "الخالِقُ" فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ المُخْتَرِعُ لَهم عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَأمّا في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، فَمَعْنى الخَلْقِ: كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

يَقُولُ: إذا قَدَرْتَ شَيْئًا قَطَعْتَهُ، وغَيْرُكَ يَقْدِرُ ما لا يَقْطَعُهُ، أيْ: يَتَمَنّى ما لا يَبْلُغُهُ. و"البارِئُ" الخالِقُ. يُقالُ: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم. و"المُصَوِّرُ": (p-٢٢٩)الَّذِي أنْشَأ خَلْقَهُ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ لِيَتَعارَفُوا بِها. ومَعْنى: التَّصْوِيرِ: التَّخْطِيطُ والتَّشْكِيلُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "البارِئُ المُصَوَّرَ" بِفَتْحِ الواوِ والرّاءِ جَمِيعًا، يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ١٨٠،والإسْراءِ: ١١٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском