Ibn al-JawziAl‑An'am · 6:136–146

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:136–146

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ. ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ وهو الزَّرْعُ. ﴿والأنْعامِ﴾: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ. وكانُوا إذا زَرَعُوا، خَطُّوا خَطًّا، فَقالُوا: هَذا لَلَّهِ، وهَذا لِآَلِهَتِنا فَإذا حَصَدُوا ما جَعَلُوهُ لَلَّهِ فَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ فِيما جَعَلُوهُ لِآَلِهَتِهِمْ، تَرَكُوهُ وقالُوا: هي إلَيْهِ مُحْتاجَةٌ؛ وإذا حَصَدُوا ما جَعَلُوهُ لِآَلِهَتِهِمْ، فَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ في مالِ اللَّهِ، أعادُوهُ إلى مَوْضِعِهِ وكانُوا يَجْعَلُونَ مِنَ الأنْعامِ شَيْئًا لَلَّهِ؛ فَإذا ولَدَتْ إناثُها مَيِّتًا أكَلُوهُ، وإذا ولَدَتْ أنْعامُ آَلِهَتِهِمْ مَيِّتًا عَظَّمُوهُ فَلَمْ يَأْكُلُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: وجَعَلُوا لَلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا، وجَعَلُوا لَشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾، فَدَلَّ بِالإشارَةِ إلى النَّصِيبَيْنِ عَلى نَصِيبِ الشُّرَكاءِ؛ وكانُوا إذا زَكا ما لَلَّهِ، ولَمْ يُزَكِّ ما لَشُرَكائِهِمْ، رَدُّوا الزّاكِي عَلى أصْنامِهِمْ، وقالُوا: هَذِهِ أحْوَجُ، واللَّهُ غَنِيٌّ؛ وإذا زَكا ما لَلْأصْنامِ، ولَمْ يُزَكِّ ما لَلَّهِ، أقَرُّوهُ عَلى ما بِهِ. قالَ (p-١٢٩)المُفَسِّرُونَ: وكانُوا يَصْرِفُونَ ما جَعَلُوا لَلَّهِ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينَ. فَمَعْنى قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى هَؤُلاءِ. ويَصْرِفُونَ نَصِيبَ آَلِهَتِهِمْ في الزَّرْعِ إلى النَّفَقَةِ عَلى خُدّامِها. فَأمّا نَصِيبُها في الأنْعامِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ لَلنَّفَقَةِ عَلَيْها أيْضًا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ، فَيَذْبَحُونَهُ لَها. والثّالِثُ: أنَّهُ البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والوَصِيلَةُ، والِحامِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ غَرَّمُوهُ، وإذا هَلَكَ ما لِلَّهِ لَمْ يُغَرِّمُوهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يَأْكُلُونَ ما جَعَلُوهُ لَلَّهِ حَتّى يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أوْثانِهِمْ، ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما جَعَلُوهُ لَلْأوْثانِ. فَأمّا قَوْلُهُ: "بِزَعْمِهِمْ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الزّايِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ: بِضَمِّها. وفي الزَّعْمِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ الزّايِ، وفَتْحُها، وكَسْرُها. ومِثْلُهُ: السَّقْطُ، . والسَّقْطُ والسِّقْطُ، والفَتْكُ، والفِتْكُ، والفُتْكُ؛ والزَّعْمُ، والزِّعْمُ، والزُّعْمُ. قالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ الزّايِ في الزَّعْمِ، لِأهْلِ الحِجازِ؛ وضَمُّها لِأسَدٍ؛ وكَسْرُها لَبَعْضِ قَيْسٍ فِيما يَحْكِي الكِسائِيُّ.

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ فِيما قَسَمُوا بِالجَهْلِ زُيِّنَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَكَذَلِكَ" مُسْتَأْنِفًا غَيْرَ مُشارٍ بِهِ إلى ما قَبْلَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: وهَكَذا زُيِّنَ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: "زَيَّنَ"، بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ، ونَصْبِ اللّامِ مِن "قَتْلِ" وكَسْرِ الدّالِ مِن "أوْلادِهِمْ" ورَفْعِ "الشُّرَكاءُ"؛ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ زايِ "زُيِّنَ" (p-١٣٠)وَرَفْعِ اللّامِ [مِن"قَتْلِ"]، مِن قَتْلِ ونَصْبِ الدّالِ مِن "أوْلادِهِمْ" وخَفْضِ "الشُّرَكاءِ" . قالَ أبُو عَلِيٍّ" ومَعْناها: قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهُمْ؛ فَفَصَلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهَذا قَبِيحٌ، قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، والحَسَنُ: "زُيِّنَ" بِالرَّفْعِ، "قَتْلُ" بِالرَّفْعِ أيْضًا، "أوْلادِهِمْ" بِالجَرِّ، "شُرَكاؤُهُمْ" رَفْعًا. قالَ الفَرّاءُ: رَفَعَ القَتْلَ إذْ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ ورَفَعَ الشُّرَكاءَ بِفِعْلٍ نَواهُ، كَأنَّهُ قالَ زَيَّنَهُ لَهم شُرَكاؤُهم. وكَذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ القِراءَةِ؛ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: مَن زَيَّنَهُ؟ فَقالَ: شُرَكاؤُهم. قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ اللّامِ، وخَفْضِ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ؛ فَيَصِيرُ الشُّرَكاءُ اسْمًا لَلْأوْلادِ، لَمُشارَكَتِهِمْ لَلْآَباءِ في النَّسَبِ والمِيراثِ والدِّينِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِشُرَكائِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: شُرَكاؤُهم في الشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: قَوْمٌ كانُوا يَخْدِمُونَ الأوْثانَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ وزَعَمُوهُ.

وَفِي الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهم مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وأْدُ البَناتِ أحْياءً خِيفَةَ الفَقْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ أحَدُهم، أنَّهُ إنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا أنْ يَنْحَرَ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المَطْلِبِ في نَحْرِ عَبْدِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: لَيُهْلِكُوهم. وفي هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لامُ "كَيْ" والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القَصَصِ:٨] أيْ: آَلَ أمْرُهم إلى الرَّدى، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ. (p-١٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ: لَيَخْلِطُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الشَّكَّ في دِينِهِمْ؛ وكانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ، فَرَجَعُوا عَنْهُ بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا دَفَنُوا بَناتَهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ؛ وهَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، فَهو مُحْكَمٌ. وقالَ قَوْمٌ: مَقْصُودُهُ تَرَكَ قِتالَهم، فَهو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ الحَرْثُ: الزَّرْعُ، والحِجْرِ:الحَرامُ؛ والمَعْنى: أنَّهم حَرَّمُوا أنْعامًا وحَرْثًا جَعَلُوهُ لِأصْنامِهِمْ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قِيلَ لَلْحَرامِ: حَجْرٌ، لِأنَّهُ حَجَرَ عَلى النّاسِ أنْ يُصِيبُوهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "حُجْرٌ" بِضَمِّ الحاءِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: حِجْرٌ، وحُجْرٌ، بِكَسْرِ الحاءِ وضَمِّها؛ وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حَرَجٌ"، مُثِّلَ: "جَذَبَ" و"جَبَذَ" وفي هَذِهِ الأنْعامِ الَّتِي جَعَلُوها لَلْأصْنامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والوَصِيلَةُ، والِحامِ.

والثّانِي: أنَّها الذَّبائِحُ الَّتِي لَلْأوْثانِ؛ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ هو كَقَوْلِكَ: لا يَذُوقُها إلّا مَن نُرِيدُ. وفِيمَن أطْلَقُوا لَهُ تَناوُلَها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مَنَعُوا مِنها النِّساءَ، وجَعَلُوها لَلرِّجالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، (p-١٣٢)والثّانِي: عَكْسُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ زَعْمٌ مِنهم، لا حُجَّةَ فِيهِ ولا بُرْهانَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: البَحِيرَةُ، كانُوا لا يَحُجُّونَ عَلَيْها، قالَهُ أبُو وائِلٍ. والثّالِثُ: البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والِحامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ هي قُرْبانُ آَلِهَتِهِمْ، يَذْكُرُونَ عَلَيْها اسْمَ الأوْثانِ خاصَّةً. وقالَ أبُو وائِلٍ: هي الَّتِي كانُوا لا يَحُجُّونَ عَلَيْها؛ وقَدْ ذَكَرْنا هَذا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾، فَعَلى قَوْلِهِ، الصِّفَتانِ لَمَوْصُوفٍ واحِدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مِن إبِلِهِمْ طائِفَةٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في شَيْءٍ؛ لا إنْ رُكِبُوا، ولا إنْ حُمِّلُوا، ولا إنْ حابَوْا، ولا إنَّ نَتَجُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ أسْماءِ أوْثانِهِمْ وتَرْكَ ذِكْرِ اللَّهِ هو الِافْتِراءُ.

والثّانِي: أنَّ إضافَتَهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، هو الِافْتِراءُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هو حَرَّمَ ذَلِكَ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنِي بِالأنْعامِ: المُحَرَّماتِ عِنْدَهم، مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِما في بُطُونِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّبَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: الأجِنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الوَلَدُ واللَّبَنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. (p-١٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "خالِصَةً" عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ. وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إنَّما أُنِّثَتْ، لِأنَّ الأنْعامَ مُؤَنَّثَةٌ، وما في بُطُونِها مِثْلُها، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى "ما" التَّأْنِيثُ، لِأنَّها في مَعْنى الجَماعَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةُ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ دَخَلَتْ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما قالُوا: "عَلّامَةً" و"نَسّابَةً"

والرّابِعُ: أنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى المَصادِرِ الَّتِي تَكُونُ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ عَنِ الأسْماءِ المُذَكَّرَةِ، كَقَوْلِكَ: عَطاؤُكَ عافِيَةٌ، والرُّخَصُ نِعْمَةٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ، والأعْمَشِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "خالِصٌ" بِالرَّفْعِ، مِن غَيْرِ هاءٍ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما ذَكَرَ لَتَذْكِيرِ "ما" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: "خالَصَهُ" بِرَفْعِ الصّادِ والهاءِ عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما خَلُصَ حَيًّا. وقَرَأ قَتادَةُ: "خالِصَةً" بِالنَّصْبِ. فَأمّا الذُّكُورُ، فَهُمُ الرِّجالُ، والأزْواجُ والنِّساءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "يَكُنْ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" بِالنَّصْبِ؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلى لَفْظِ "ما" . المَعْنى: وإنٍ يَكُنْ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ مَيْتَةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "يَكُنْ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" بِالرَّفْعِ. وافَقَهُ ابْنُ عامِرٍ في رَفْعِ المَيْتَةِ؛ غَيْرَ أنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ. والمَعْنى: وإنْ تَحْدُثْ وتَقَعْ، فَجَعَلَ "كانَ" تامَّةً لا تَحْتاجُ إلى خَبَرٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ "مَيْتَةً" بِالنَّصْبِ. والمَعْنى: وإنْ تَكُنِ الأنْعامُ الَّتِي في البُطُونِ مَيْتَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي الرِّجالَ والنِّساءَ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ جَزاءَ وصْفِهِمُ الَّذِي هو كَذِبٌ.

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

(p-١٣٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "قَتَّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ، ومُضَرٍ، والَّذِينَ كانُوا يَدْفِنُونَ بَناتَهم أحْياءً في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ أحَدُهم بِنْتَهُ مَخافَةَ السَّبْيِ والفاقَةِ، ويَغْذُو كَلْبَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: "سَفَهًا" مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، تَقْدِيرُهُ: لَلسَّفَهِ؛ تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "سُفَهاءَ" بِرَفْعِ السِّينِ وفَتْحِ الفاءِ والهاءِ وبِالمَدِّ وبِالنَّصْبِ والهَمْزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: كانُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَلسَّفَهِ مِن غَيْرِ أنْ أتاهم عِلْمٌ في ذَلِكَ، وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ، وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ.

6:141Page 146

۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْرُوشاتِ ما انْبَسَطَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فانْتَشَرَ مِمّا يُعَرِّشُ، كالكَرَمِ، والقَرْعِ، والبِطِّيخِ؛ وغَيْرِ مَعْرُوشاتٍ: ما قامَ عَلى ساقٍ، كالنَّخْلِ، والزَّرْعِ، وسائِرِ الأشْجارِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْرُوشاتِ: ما أنْبَتَهُ النّاسُ؛ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ: ما خَرَجَ في البَرارِي والجِبالِ مِنَ الثِّمارِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١٣٥)والثّالِثُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ: الكَرَمُ، مِنهُ ما عُرِّشَ، ومِنهُ ما لَمْ يُعَرَّشْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ: الكُرُومُ الَّتِي قَدْ عَرَّشَ عِنَبُها، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ: سائِرُ الشَّجَرِ الَّتِي لا تُعَرَّشُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والأكْلُ: الثَّمَرُ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا﴾، قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ هَذا أمْرُ إباحَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ الأكْلَ لَيَنْهى عَنْ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ في زُرُوعِهِمْ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الحاءِ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وتَمِيمٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الحَقِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّكاةُ، رُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وقَتادَةَ في آَخَرِينَ؛ فَعَلى هَذا، الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ الزَّكاةِ فُرِضَ يَوْمَ الحَصادِ، وهو إطْعامُ مَن حَضَرَ، وتَرَكَ ما سَقَطَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ. وهَلْ نَسَخَ ذَلِكَ أمْ لا؟ إنْ قُلْنا: إنَّهُ أمَرُ وُجُوبٍ، فَهو مَنسُوخٌ بِالزَّكاةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ أمْرُ اسْتِحْبابٍ، فَهو باقِي الحُكْمِ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجِبُ إيتاءُ الحَقِّ يَوْمَ الحَصادِ؟ فالجَوابُ: إنْ قُلْنا: إنَّهُ إطْعامُ مَن حَضَرَ مِنَ الفُقَراءِ، فَذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الحَصادِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الزَّكاةُ، فَقَدْ ذُكِرَتْ عَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. (p-١٣٦)أحَدُها: أنَّ الأمْرَ بِالإيتاءِ مَحْمُولٌ عَلى النَّخِيلِ، لِأنَّ صَدَقَتَها تَجِبُ يَوْمَ الحَصادِ. فَأمّا الزُّرُوعُ، فالأمْرُ بِالإيتاءِ مِنها مَحْمُولٌ عَلى وُجُوبِ الإخْراجِ؛ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَ الحَصادِ، فَيُؤَخَّرُ إلى زَمانِ التَّنْقِيَةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ.

والثّانِي: أنَّ اليَوْمَ ظَرْفٌ لِلْحَقِّ، لا لِلْإيتاءِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: وآَتُوا حَقَّهُ الَّذِي وجَبَ يَوْمَ حَصادِهِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ الحَصادِ أنَّ الحَقَّ لا يَجِبُ فِيهِ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ وبُلُوغِهِ؛ إنَّما يَجِبُ يَوْمَ حُصُولِهِ في يَدِ صاحِبِهِ. وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ الحَقَّ يُلْزِمُ بِنَفْسِ نَباتِهِ قَبْلَ قَطْعِهِ، فَأفادَتْ الآَيَةُ أنَّ الوُجُوبَ فِيما يَحْصُلُ في اليَدِ، دُونَ ما يَتْلَفُ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ القاضِي أبُو يَعْلى. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَجاوَزَ المَفْرُوضَ في الزَّكاةِ إلى حَدٍّ يُجْحِفُ بِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ، وابْنُ جُرَيْجٍ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ صَرَمَ خَمْسَمِائَةَ نَخْلَةٍ، ثُمَّ قَسَّمَها في يَوْمٍ واحِدٍ، فَأمْسى ولَمْ يَتْرُكْ لِأهْلِهِ شَيْئًا، فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الإسْرافَ: مَنَعُ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإنْفاقُ في المَعْصِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إشْراكُ الآَلِهَةِ في الحَرْثِ والأنْعامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ خِطابٌ لَلسُّلْطانِ لِئَلّا يَأْخُذَ فَوْقَ الواجِبِ مِنَ الصَّدَقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الإسْرافُ في الأكْلِ قَبْلَ أداءِ الزَّكاةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

6:142Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

(p-١٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ هَذا نَسَقٌ عَلى ما قَبْلُهُ؛ والمَعْنى: أنْشَأ جَنّاتٍ، وأنْشَأ حُمُولَةً وفَرْشًا. وفي ذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الحُمُولَةَ: ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشِ: صِغارُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الحُمُولَةَ: ما انْتَفَعَتْ بِظُهُورِها، والفَرْشِ: الرّاعِيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الحُمُولَةَ: الإبِلُ، والخَيْلُ، والبِغالُ، والحَمِيرُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ. والفَرْشُ: الغَنَمُ: رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: الحُمُولَةُ: مِنَ الإبِلِ، والفَرْشِ: مِنَ الغَنَمِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: الحُمُولَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ. والفَرْشُ: الغَنَمُ، وما لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: حُمُولَةٌ بِضَمِّ الحاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لا تُحَرِّمُوا ما حَرَّمْتُمْ مِمّا جَرى ذِكْرُهُ، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طَرَقَهُ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ والزَّوْجُ، في اللُّغَةِ: الواحِدُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ آَخَرُ. قالَ المُصَنِّفُ: وهَذا كَلامٌ يَفْتَقِرُ إلى تَمامٍ، وهو أنْ يُقالَ: الزَّوْجُ: ما كانَ مَعَهُ آَخِرٌ مَن جِنْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ.

6:143–144Page 147

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."

(p-١٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الضَّأْنُ: ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ، والمَعِزِ: ذَواتُ الشَّعْرِ مِنها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "المَعِزُ" بِفَتْحِ العَيْنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: بِتَسْكِينِ العَيْنِ. والمُرادُ بِالأُنْثَيَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى. ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنها: المَعْنى: فَإنْ كانَ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الذَّكَرَيْنِ، فَكُلُّ الذُّكُورِ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثَيَيْنِ، فَكُلُّ الإناثِ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، فَهي تَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ، وتَشْتَمِلُ عَلى الإناثِ، وتَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ، فَيَكُونُ كُلُّ جَنِينٍ حَرامًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: ألْحَقَكُمُ التَّحْرِيمُ مِن جِهَةِ الذَّكَرَيْنِ، أمْ مِن جِهَةِ الأُنْثَيَيْنِ؟ فَإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الذَّكَرَيْنِ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ كُلُّ ذَكَرٍ، وإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الأُنْثَيَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ كُلُّ أُنْثى؛ وإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الرَّحِمِ، حَرُمَ عَلَيْهِمُ الذَّكَرُ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنْ قالُوا: حَرُمَ الذَّكَرَيْنِ، أوْجَبُوا تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرٍ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْضِ الذُّكْرانِ مِنها وظُهُورِهِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ دَعْواهم. وإنْ قالُوا: حَرُمَ الأُنْثَيَيْنِ أوْجَبُوا تَحْرِيمَ لُحُومِ كُلِّ أُنْثى مِن ولَدِ الضَّأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْضِ ذَلِكَ (p-١٣٩)وَظُهُورِهِ. وإنْ قالُوا: ما اشْتَمَلَتْ، عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ كانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِبَعْضِ ذُكُورِها وإناثِها. قالَ المُفَسِّرُونَ: فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ والَّتِي بَعْدَها، لِأنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أجْناسًا مِنَ النَّعَمِ، بَعْضُها عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وبَعْضُها عَلى النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إبْطالٌ لِما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾، إبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَسِّرُوا ما حَرَّمْتُمْ بِعِلْمٍ، أيْ: أنْتُمْ لا عِلْمَ لَكم، لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِكِتابٍ. ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ أيْ: هَلْ شاهَدْتُمُ اللهَ قَدْ حَرَّمَ هَذا، إذا كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، ومَن جاءَ بَعْدَهُ. والظّالِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

6:145Page 147

قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ نَبِّهْهم بِهَذا عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ، إنَّما يَثْبُتُ بِالوَحْيِ. وقالَ طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآَيَةِ: لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا هَذا. والمُرادُ بِالطّاعِمِ: (p-١٤٠)الآَكِلِ. ﴿إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ: "إلّا أنْ يَكُونَ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" نَصْبًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إلّا أنْ تَكُونَ" بِالتّاءِ، "مَيْتَةٌ" بِالرَّفْعِ؛ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ، أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ. "أوْ دَمًا مَسْفُوحًا" قالَ قَتادَةُ: إنَّما حُرِّمَ المَسْفُوحُ، فَأمّا اللَّحْمُ إذا خالَطَهُ دَمٌ، فَلا بَأْسَ بِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَسْفُوحُ: المَصْبُوبُ. وكانُوا إذا ذَكُّوا يَأْكُلُونَ الدَّمَ كَما يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ. والرِّجْسُ: اسْمٌ لِما يُسْتَقْذَرُ، ولِلْعَذابِ أوْ فِسْقًا المَعْنى: أوْ أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ فِسْقًا. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: رُفِعَ الصَّوْتُ عَلى ذَبْحِهِ بِاسْمٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَسَمّى ما ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ فِسْقًا؛ والفِسْقُ: الخُرُوجُ مِنَ الدِّينِ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ. ولِأرْبابِ هَذا القَوْلِ في سَبَبِ إحْكامِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ. والثّانِي: أنَّها جاءَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ سَألُوهُ؛ فَكانَ الجَوابُ بِقَدْرِ السُّؤالِ، ثُمَّ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ما حَرَّمَ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الحَيَوانِ مُحَرَّمٌ إلّا ما ذُكِرَ فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِما ذُكِرَ في [المائِدَةِ] مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ، وفي السُّنَّةِ مِن تَحْرِيمِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وقِيلَ: إنَّ آَيَةَ [المائِدَةِ] داخِلَةٌ في هَذِهِ الآَيَةِ، لِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ كُلَّها مَيْتَةٌ.

6:146Page 147

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦

And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.

(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "ظُفُرٍ" بِسُكُونِ الفاءِ؛ وهَذا التَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ بَلْوى وعُقُوبَةٍ.

وَفِي ذِي الظُّفُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، كالإبِلِ، والنَّعامِ، والإوَزِّ، والبَطِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الإبِلُ فَقَطْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ، ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ: وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا عَلى الِاسْتِعارَةِ؛ والعَرَبُ تَجْعَلُ الحافِرَ والإظْلافَ مَوْضِعَ القَدَمِ، اسْتِعارَةً؛ وأنْشَدُوا:

؎ سَأمْنَعُها أوْ سَوْفَ أجْعَلُ أمْرَها إلى مَلِكِ أظْلافُهُ لَمْ تُشَقَّقِ

(p-١٤٢)أرادَ قَدَمَيْهِ؛ وإنَّما الأظْلافُ لَلشّاءِ والبَقَرِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الظُّفْرُ هاهُنا، يَجْرِي مَجْرى الظُّفْرِ لِلْإنْسانِ. وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ. أعْلاهُنَّ: ظُفُرٌ؛ ويُقالُ: ظُفْرٌ، وأُظْفُورٌ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ ألَمْ تَرَ أنَّ المَوْتَ أدْرَكَ مَن مَضى ∗∗∗ فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ ذا جَناحٍ وذا ظُفْرٍ

وَقالَ الآَخَرُ:

؎ لَقَدْ كُنْتَ ذا نابٍ وظُفُرٍ عَلى العِدى ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ ما يَخْشَوْنَ نابِي ولا ظُفْرِي

وَقالَ الآَخَرُ:

؎ ما بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولى إذا انْحَدَرَتْ ∗∗∗ وبَيْنَ أُخْرى تَلِيها قَيْدَ أُظْفُورِ

وَفِي شُحُومِ البَقَرِ والغَنَمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إنَّما حَرَّمَ مِن ذَلِكَ شُحُومَ الثُّرُوبِ خاصَّةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: شُحُومَ الثُّرُوبِ والكُلى، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ شَحْمٍ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِطًا بِعَظْمٍ، ولا عَلى عَظْمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما عَلَقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشُّحُومِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الإلْيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: ما عَلَقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما، (p-١٤٣)قالَهُ قَتادَةُ. فَأمّا الحَوايا، فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أقْوالٌ تَتَقارَبُ مَعانِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي المَباعِرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي بَناتُ اللَّبَنِ، وهي المَرابِضُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الأمْعاءُ. وقالَ الفَرّاءُ: الحَوايا: هي المَباعِرُ، وبَناتُ اللَّبَنِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي بَناتُ اللَّبَنِ، وأحَدُها: حاوِياءُ، وحاوِيَةٌ، وحَوِيَّةٌ.

قالَ الشّاعِرُ: أقْتُلُهم ولا أرى مُعاوِيَةَ الجاحِظَ العَيْنِ العَظِيمَ الحاوِيَةِ

وَقالَ الآَخَرُ: كَأنَّ نَقِيقَ الحُبِّ في حاوِيائِهِ فَحِيحُ الأفاعِي أوْ نَقِيقُ العَقارِبِ

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا: ما تَحْوِي مِنَ البَطْنِ، أيْ: ما اسْتَدارَ مِنها. وقالَ الزَّجّاجُ: الحَوايا: اسْمٌ لَجَمِيعِ ما تَحْوِي مِنَ البَطْنِ فاجْتَمَعَ واسْتَدارَ، وهي بَناتُ اللَّبَنِ، وهي المُباعِرُ، وتُسَمّى: المَرابِضُ، وفِيها الأمْعاءُ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَحَّمُ البَطْنِ والإلْيَةِ، لِأنَّهُما عَلى عَظْمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: كُلُّ شَحْمٍ في القَوائِمِ، والجَنْبِ، والرَّأْسِ، والعَيْنَيْنِ، والأُذُنَيْنِ، فَهو مِمّا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُها حَلالٌ، (p-١٤٤)بِالِاسْتِثْناءِ مِنَ التَّحْرِيمِ. فَأمّا ما حَمَلَتِ الحَوايا، أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ، فَهو مُباحٌ؛ والمَعْنى: وأُبِيحَ لَهم ما حَمَلَتِ الحَوايا مِنَ الشَّحْمِ وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى ما حُرِّمَ، لا عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فالمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما، أوِ الحَوايا، أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، إلّا ما حَمَلَتِ الظُّهُورِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا "أوِ" المَذْكُورَةُ هاهُنا، فَهي بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ: ﴿آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الدَّهْرِ:٢٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى بَغْيِهِمْ.

وَفِي بَغْيِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وأكْلُهُمُ الرِّبا. والثّانِي: أنَّهُ تَحْرِيمُ ما أُحِلَّ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском