Ibn al-JawziAl‑An'am · 6:23–35

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:23–35

6:23Page 130

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ:" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ" بِالتّاءِ، "فِتْنَتُهُمْ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ أيْضًا، "فِتْنَتُهُمْ" بِالنَّصْبِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أيْضًا. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَكُنْ" بِالياءِ، "فِتْنَتُهُمْ" بِالنَّصْبِ.

وَفِي "الفِتْنَةِ "أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى الكَلامِ والقَوْلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ: لَمْ يَكُنْ كَلامَهم.

والثّانِي: أنَّها المَعْذِرَةُ: قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: لَمْ تَكُنْ مَعْذِرَتُهم. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فالمَعْنى: اعْتَذَرُوا بِما هو مُهْلِكٌ لَهم، وسَبَبٌ لِفَضِيحَتِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى البَلِيَّةُ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: لَمْ تَكُنْ بَلِيَّتُهم. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ تَكُنْ بَلِيَّتُهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ، وزادَتْهم لائِمَةً.

والرّابِعُ: أنَّها بِمَعْنى الِافْتِتانِ. والمَعْنى: لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتُهم عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ. ومِثْلُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا، فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتُفِيَتْ مِنهُ. قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ لَطِيفٌ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصْرِفُ العَرَبِ في ذَلِكَ. (p-١٧)وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أنَّهُمُ افْتُتِنُوا بِقَوْلِهِمْ هَذا، إذا كَذَبُوا فِيهِ، ونَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما كانُوا مَعْرُوفِينَ بِهِ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "واللَّهِ رَبِّنا" بِكَسْرِ الباءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: بِنَصْبِ الباءِ.

وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ هَذا وصْفُهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ. والثّانِي: المُنافِقُونَ.

وَمَتى يَحْلِفُونَ ? فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إذا رَأوْا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ مُسْلِمًا قالُوا: تَعالَوْا نُكابِرُ عَنْ شِرْكِنا، فَحَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم إذا دَخَلُوا النّارَ، ورَأوْا أهْلَ التَّوْحِيدِ يَخْرُجُونَ، حَلَفُوا[ واعْتَذَرُوا] قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ. (p-١٨)والثّالِثُ: أنَّهم إذا سُئِلُوا: أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ؟ تَبَرَّؤُوا، وحَلَفُوا: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

6:24Page 130

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِاعْتِذارِهِمْ بِالباطِلِ.

﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: ذَهَبَ ما كانُوا يَدَّعُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لَلَّهِ، وشُفَعاؤُهم في الآَخِرَةِ.

6:25–26Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ نَفَرًا مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنهم عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلَفٍ، جَلَسُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتَمَعُوا إلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا لَلنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدُ؟ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بِنْيَةَ، ما أدْرِي ما يَقُولُ؟ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ، وما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلَما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنَ القُرُونِ الأُولى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا "الأكِنَّةُ"، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ، مِثْلُ عَنانٍ وأعِنَّةٍ.

(p-١٩)وَأمّا: "أنْ يَفْقَهُوهُ"، فَمَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. المَعْنى: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لَكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ، نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ، انْتَقَلَ نَصْبُها إلى "أنْ" .

"الوَقْرُ": ثِقَلُ السَّمْعِ، يُقالُ: في أُذُنِهِ وقْرٌ، وقَدْ وُقِرَتِ الأُذُنُ تُوقَرُ

قالَ الشّاعِرُ:

؎ وكَلامٌ سَيِّئٌ قَدْ وُقِرَتْ أُذُنِي عَنْهُ وما بِي مِن صَمَمْ

والوِقْرُ، بِكَسْرِ الواوِ، أنْ يُحَمَّلَ البَعِيرُ وغَيْرُهُ مِقْدارَ ما يَطِيقُ، يُقالُ: عَلَيْهِ وقْرٌ، ويُقالُ: نَخْلَةُ مُوقِرٌ، ومُوقِرَةٌ وإنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً لَهم بِإقِامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَفْهَمُوهُ، ولَمْ يَسْمَعُوهُ، ولَكِنَّهم لَمّا عَدَلُوا عَنْهُ، وصَرَفُوا فِكْرَهم عَمّا عَلَيْهِمْ في سُوءِ العاقِبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ولَمْ يَسْمَعْ. ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ أيْ: كُلُّ عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى رِسالَتِكَ، ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾

ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِقْدارَ احْتِجاجِهِمْ وجَدَلِهِمْ، وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْمِلُونَ في الِاحْتِجاجِ. أنْ يَقُولُوا إنَّ هَذا أيْ: ما هَذا ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها ما سُطِرَ مِن أخْبارِهِمْ وأحادِيثِهِمْ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُهم، وأحادِيثُهم في دَهْرِهِمْ. وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ: يَزْعُمُ بَعْضُهم أنَّ واحِدَةَ الأساطِيرِ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: أسَطارَةٌ، ولا أراهُ إلّا مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ واحِدٌ، نَحْوُ عَبادِيدُ، ومَذاكِيرُ، وأبابِيلُ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أخْبارُهم وما سُطِرَ مِنها، أيْ: ما كُتِبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ . ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القَلَمِ:٢، ١] أيْ: يَكْتُبُونَ، واحِدُها سَطْرٌ، (p-٢٠)ثُمَّ أسْطارٌ، ثُمَّ أساطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ، مِثْلُ قَوْلٍ، وأقْوالٍ وأقاوِيلَ

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى أساطِيرِ الأوَّلِينَ: التُّرُّهاتُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الأساطِيرِ: أُسْطُورَةٌ، وأسْطارَةٌ، ومَجازُها مَجازُ التُّرُّهاتِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التُّرُّهاتُ عِنْدَ العَرَبِ: طُرُقٌ غامِضَةٌ، ومَسالِكُ مُشْكَلَةٌ، يَقُولُ قائِلُهُمْ: قَدْ أخَذْنا في تُرُّهاتِ البَسابِسِ، يَعْنِي: قَدْ عَدَلْنا عَنَ الطَّرِيقِ الواضِحِ إلى المُشْكَلِ، وعَمّا يُعْرَفُ إلى ما لا يُعْرَفُ. و"البَسابِسُ": الصَّحارِي الواسِعَةُ، والتُّرُّهاتُ: طُرُقٌ تَتَشَعَّبُ مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ، فَتَكْثُرُ وتُشْكَلُ، فَجُعِلَتْ مَثَلًا لِما لا يَصِحُّ ويَنْكَشِفُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ عابُوا القُرْآَنَ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقَدْ سَطَرَ الأوَّلُونَ ما فِيهِ عِلْمٌ وحِكْمَةٌ وما لا عَيْبَ عَلى قائِلِهِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ

أحَدُهُما أنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهم عابُوهُ بِالإشْكالِ والغُمُوضِ، اسْتِراحَةً مِنهم إلى البَهْتِ والباطِلِ. فَعَلى الجَوابِ الأوَّلِ تَكُونُ "أساطِيرُ" مِنَ التَّسْطِيرِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ بِمَعْنى التُّرُّهاتِ، وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى التُّرُّهاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وعَطاءِ بْنِ دِينارٍ، والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: (p-٢١)«كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أبِي طالِبٍ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إلى أبِي طالِبٍ يُرِيدُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ سُوءًا، فَسَألُوا أبا طالِبٍ أنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُوهُ، فَقالَ: ما لِي عَنْهُ صَبْرٌ، فَقالُوا: نَدْفَعُ إلَيْكَ مِن شَبابِنا مَن شِئْتَ مَكانَ ابْنِ أخِيكَ، فَقالَ أبُو طالِبٍ: حِينَ تَرُوحُ الإبِلُ، فَإنْ حَنَّتْ ناقَةٌ إلى غَيْرِ فَصِيلِها دَفَعْتُهُ إلَيْكم، وقالَ:

؎ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا

؎ فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ وقْرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونًا

؎ وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا

؎ لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّة ً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا

فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ.»

والثّانِي: أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ ويَتَباعَدُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضِّحاكُ، والسُّدِّيُّ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ: "وَهُمْ" كِنايَةٌ عَنْ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي: عَنْ جَماعَةٍ.

وَفِي هاءِ "عَنْهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يَنْهَوْنَ عَنْ أذاهُ، والثّانِي: عَنِ اتِّباعِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

﴿وَيَنْأوْنَ﴾ بِمَعْنى يَبْعُدُونَ. وفي هاءِ "عَنْهُ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ والثّانِي إلى القُرْآَنِ.

(p-٢٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾ أيْ: وما يَهْلَكُونَ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالتَّباعُدِ عَنْهُ ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم يُهْلِكُونَها.

6:27Page 130

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ في مَعْنى "وَقَفُوا" سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: حُبِسُوا عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّانِي: عُرِضُوا عَلَيْها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: عايَنُوها. والرّابِعُ: وقَفُوا عَلَيْها وهي تَحْتَهم.

والخامِسُ: دَخَلُوا إلَيْها فَرَفَعُوا مِقْدارَ عَذابِها، تَقُولُ: وقَفْتُ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ، أيْ: فَهِمْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الزَّجّاجُ، واخْتارَ الأخِيرُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: "عَلى" هاهُنا بِمَعْنى "فِي"

والسّادِسُ: جَعَلُوا عَلَيْها وقْفًا، كالوُقُوفِ المُؤَبَّدَةِ عَلى سُبُلِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لَلنَّبِيِّ ﷺ، والوَعِيدُ لَلْكُفّارِ، وجَوابُ لَوْ "مَحْذُوفٌ" ومَعْناهُ: لَوْ رَأيْتَهم في تِلْكَ الحالِ: لَرَأيْتَ عَجَبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ بِرَفْعِ الباءِ مَن "نُكَذِّبُ" والنُّونُ مِن "نَكُونُ"

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أنَّهم تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وضَمِنُوا أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ. والمَعْنى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ، ونَحْنُ لا نُكَذِّبُ بِآَياتِ رَبِّنا، رُدِدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنّا قَدْ عايَنّا ما لا نُكَذِّبُ مَعَهُ أبَدًا.

قالَ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى وجْهٍ آَخَرَ، عَلى مَعْنى" يا لَيْتَنا نُرَدُّ"، يا لَيْتَنا لا نُكَذِّبُ، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّدَّ والتَّوْفِيقَ لَلتَّصْدِيقِ.

(p-٢٣)وَقالَ الأخْفَشُ: إذا رَفَعْتَ جَعَلْتَهُ عَلى مِثْلِ اليَمِينِ، كَأنَّهم قالُوا: ولا نُكَذِّبُ واللَّهِ- بِآَياتِ رَبِّنا، ونَكُونُ واللَّهِ- مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ إلّا العِجْلِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِنَصْبِ الباءِ مَن "نُكَذِّبَ"، والنُّونُ مِن "نَكُونَ"

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وهَذا النَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وذَلِكَ بِإضْمارِ "أنْ"، حَمْلًا عَلى مَصْدَرِ "نُرَدُّ" فَأضْمَرْتَ "أنْ" لَتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ مَصْدَرًا، فَعَطَفَ بِالواوِ مَصْدَرًا عَلى مَصْدَرٍ.

وَتَقْدِيرُهُ: يا لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءً مِنَ التَّكْذِيبِ، وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ الباءِ مِن "نُكَذِّبَ" ونَصْبِ النُّونِ مِن "نَكُونَ"، فالرَّفْعُ قَدْ بَيَّنّا عِلَّتَهُ، والنُّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي.

6:28–29Page 131

بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ "بَلْ" هاهُنا رَدٌّ لَكَلامِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا مِن أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآَمَنُوا.

وَقالَ الزَّجّاجُ: "بَلْ" اسْتِدْراكٌ وإيجابٌ بَعْدَ نَفْيٍ، تَقُولُ ما جاءَ زِيدٌ، بَلْ عَمْرٌو وفي مَعْنى الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها بَدا ما كانَ يُخْفِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَدا بِنُطْقِ الجَوارِحِ ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ بِألْسِنَتِهِمْ قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: بَدا لَهم جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

(p-٢٤)والرّابِعُ: بَدا لَلْأتْباعِ ما كانَ يُخْفِيهِ الرُّؤَساءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ، وإنَّهم لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أنَّهم إنْ رُدُّوا، آَمَنُوا ولَمْ يُكَذِّبُوا، ولَمْ يُكَذِّبْهم في التَّمَنِّي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا هَذا. وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ يَقُولُ: هَذا حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، لَوْ رُدُّوا لَقالُوهُ.

6:30Page 131

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عُرِضُوا عَلى رَبِّهِمُ ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا﴾ العَذابَ ﴿بِالحَقِّ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: ألَيْسَ هَذا البَعْثُ حَقًّا، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِالعَذابِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: تَكْفُرُونَ بِالبَعْثِ.

6:31Page 131

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إنَّما وُصِفُوا بِالخُسْرانِ، لِأنَّهم باعُوا الإيمانَ بِالكُفْرِ، فَعَظُمَ خُسْرانُهم.

والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ: البَعْثُ والجَزاءُ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ. (p-٢٥)قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما أتى فَجْأةً فَقَدْ بَغَتَ، يُقالُ: قَدْ بَغَتَهُ الأمْرُ يَبْغَتُهُ بَغَتًا وبَغَتَةُ: إذا أتاهُ فَجْأةً. قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا حَسْرَتَنا﴾ الحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ، وأهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ يا نَدامَتَنا.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ، وهي لا تَعْقِلُ،

فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ إذا اجْتَهَدَتْ في المُبالَغَةِ في الإخْبارِ عَنْ عَظِيمٍ ما تَقَعُ فِيهِ، جَعَلَتْهُ نِداءً، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ "يا" لَلتَّنْبِيهِ، والمُرادُ تَنْبِيهُ النّاسِ، لا تَنْبِيهَ المُنادِي. ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، لَفْظُهُ لَفْظُ النّاهِي لَنَفَسِهِ، والمَعْنى لَلْمَنهِيِّ، ومِن هَذا قَوْلُهم يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، يُرادُ: يا فُرْسانَ خَيْلِ اللَّهِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتُ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: احْضُرْ وتَعال يا عَجَبُ، فَهَذا زَمانُكَ. فَأمّا التَّفْرِيطُ فَهُوَ: التَّضْيِيعُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: التَّفْرِيطُ في اللُّغَةِ: تَقَدَّمَهُ العَجْزُ. وفي المُكَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: "فِيها" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الدُّنْيا، فالمَعْنى: عَلى ما ضَيَّعْنا في الدُّنْيا مِن عَمَلِ الآَخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٢٦)والثّانِي: أنَّها الصَّفْقَةُ، لِأنَّ الخُسْرانَ لا يَكُونُ إلّا في صَفْقَةٍ، وتَرَكَ ذِكْرَها اكْتِفاءً بِذِكْرِ الخُسْرانِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الطّاعَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

فَأمّا الأوْزارُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الآَثامُ، وأصْلُ الوِزْرِ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الوِزْرُ: الثِّقَلُ. وهَلْ هَذا الحَمْلُ حَقِيقَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. قالَ عُمَيْرُ بْنُ هانِئٍ: يُحْشَرُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ عَمَلُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ قَبِيحٍ، كُلَّما كانَ هَوْلٌ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، وزادَهُ خَوْفًا، فَيَقُولُ: بِئْسَ الجَلِيسُ أنْتَ، ما لِي ولَكَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ طالَما رَكَّبْتَنِي في الدُّنْيا، فَلْأرْكَبَنَّكَ اليَوْمَ حَتّى أُخْزِيكَ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَيَرْكَبُهُ ويَتَخَطّى بِهِ النّاسُ حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ، وعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المَلائِيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ، والمَعْنى: يَحْمِلُونَ ثِقْلَ ذُنُوبِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ: فَجَعَلَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةٍ أثْقَلُ ما يُتَحَمَّلُ، ومَعْنى ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَزْرُونَهُ، أيْ يَحْمِلُونَهُ.

6:32Page 131

وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ﴾ ولَهْوٌ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

(p-٢٧)أحَدُها: وما الحَياةُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ انْقِطاعِها، وقِصَرِ عُمْرِها، إلّا كالشَّيْءِ يُلْعَبُ بِهِ.

والثّانِي: وما أمْرُ الدُّنْيا والعَمَلُ لَها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ، فَأمّا فِعْلُ الخَيْرِ، فَهو مِن عَمَلِ الآَخِرَةِ، لا مِنَ الدُّنْيا.

والثّالِثُ: وما أهْلُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ، لاشْتِغالِهِمْ عَمّا أمَرُوا بِهِ. واللَّعِبُ: ما لا يُجْدِي نَفْعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والدّار الآَخِرَة خَيْرٌ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ، والدّارُ الآَخِرَةُ: الجَنَّةُ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ فَيَعْمَلُونَ لَها. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ في ( الأنْعامِ ) و[ الأعْرافِ]، ويُوسُفَ ويسِ وقَرُؤُوا في القَصَصِ بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ، ورَوى حَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالتّاءِ، إلّا في يَسِ في الخْلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ [يس: ٦٧] بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الَّذِي في [ يس ] بِالياءِ، والباقِي بِالتّاءِ.

6:33Page 131

قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣

We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾

فِي سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: الحارِثُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ ما كَذَبْتَنا قَطُّ فَنَتَّهِمُكَ اليَوْمَ، ولَكِنّا إنْ نَتَّبِعُكَ نُتَخَطَّفُ مِن أرْضِنا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ الحارِثُ بْنُ عامِرٍ يُكْذِّبُ النَّبِيَّ في العَلانِيَةِ، فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ، قالَ: ما مُحَمَّدُ مِن أهْلِ الكَذِبِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ. (p-٢٨)والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ، قالُوا فِيما بَيْنَهُمْ: إنَّهُ لَنَبِيٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لَلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا لا نُكَذِّبُكَ، ولَكِنْ نُكَذِّبُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.

وَقالَ أبُو يَزِيدَ المَدَنِيُّ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا جَهْلٍ، فَصافَحَهُ أبُو جَهْلٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتُصافِحُ هَذا الصّابِئَ؟ فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ مَتى كُنّا تَبَعًا لَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ لَقِيَ أبا جَهْلٍ، فَقالَ الأخْنَسُ: يا أبا الحَكَمِ، أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو، أمْ كاذِبٌ فَلَيْسَ هاهُنا مَن يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قَصِيٍّ بِاللِّواءِ، والسِّقايَةِ، والحِجابَةِ، والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لَسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الَّذِي يَقُولُونَ، فَهو التَّكْذِيبُ لَلنَّبِيِّ ﷺ، والكَفْرُ بِاللَّهِ وفي الآَيَةِ تَسْلِيَةٌ لَلنَّبِيِّ ﷺ وتَعْزِيَةٌ عَمّا يُواجَهُونَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يُكَذِّبُونَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وتَسْكِينِ الكافِ. وفي مَعْناها قَوْلانِ. (p-٢٩)أحَدُهُما: لا يُلْفُونَكَ كاذِبًا قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: لا يُكَذِّبُونَ الشَّيْءَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، إنَّما يَجْحَدُونَ آَياتِ اللَّهِ، ويَتَعَرَّضُونَ لِعُقُوباتِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكانَ الكِسائِيُّ يَحْتَجُّ لَهَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَبْتُ الرَّجُلَ: إذا نَسَبْتُهُ إلى الكَذِبِ وصَنْعَةِ الأباطِيلِ مِنَ القَوْلِ؛ وأكْذَبْتُهُ إذا أخْبَرْتُ أنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ كَذِبٌ، لَيْسَ هو الصّانِعُ لَهُ قالَ: وقالَ غَيْرُ الكِسائِيِّ: يُقالُ أكْذَّبْتَ الرَّجُلَ: إذا أدْخَلْتَهُ في جُمْلَةِ الكَذّابِينَ، ونَسَبْتُهُ إلى صِفَتِهِمْ، كَما يُقالُ: أبْخَلْتَ الرَّجُلَ: إذا نَسَبْتَهُ إلى البُخْلِ، وأجْبَنْتُهُ: إذا وجَدْتَهُ جَبانًا قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ: "يُكَذِّبُونَكَ" بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الكافِ، وفي مَعْناها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ عِنادٍ وبُهْتٍ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا يَقُولُونَ لَكَ: أنَّكَ كاذِبٌ، لَعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ في العِلانَيْهِ عَداوَةً لَكَ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لا يُقْدِرُونَ أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيما أنْبَأتْ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ: كَذَبْتَ.

والخامِسُ: لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. (p-٣٠)وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَتِ اللَّفْظَتانِ، إلّا أنْ "فَعَّلْتُ": إذا أرادُوا أنْ يَنْسُبُوهُ إلى أمْرٍ أكْثَرَ مِن "أفْعَلْتُ" . ويُؤَكِّدُ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى، ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهم قالُوا: قَلَّلْتَ، وأقْلَلْتَ، وكَثَّرْتَ، وأكْثَرْتَ بِمَعْنًى.

قالَ أبُو عَلِيٍّ ومَعْنى "لا يُكَذِّبُونَكَ" لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْسِبُوكَ إلى الكَذِبِ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ مِمّا جاءَ في كُتُبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الحَقِيقَةِ: لا يُصادِفُونَكَ كاذِبًا كَما يُقالُ أحْمَدْتُ الرَّجُلَ: إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، لِأنَّهم يَعْرِفُونَكَ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ ﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ ما يَعْلَمُونَهُ يَقِينًا، لَعِنادِهِمْ

وَفِي "آَياتِ اللَّهِ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّها مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ،

والثّالِثُ: القُرْآَنُ. قالَهُ مُقاتِلٌ.

6:34Page 131

وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ هَذِهِ تَعْزِيَةٌ لَهُ عَلى ما يَلْقى مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ رَجاءَ ثَوابِي، وأُوذُوا حَتّى نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وحُرِّقُوا بِالنّارِ ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ بِتَعْذِيبٍ مِن كَذِبِهِمْ (p-٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا خُلْفَ لَمَواعِيدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا مُبْدِّلَ لِما أخْبَرَ بِهِ، وما أمَرَ بِهِ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لا مُبَدِّلَ لِحُكُوماتِهِ، وأُقْضِيَتِهِ النّافِذَةِ في عِبادِهِ، فَعَبَّرَتِ الكَلِماتُ عَنْ هَذا المَعْنى، كَقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [ الزُّمَرِ:٧١] أيْ: وجَبَ ما قُضِيَ عَلَيْهِمْ. فَعَلى هَذا القَوْلِ، والَّذِي قَبْلَهُ، يَكُونُ المَعْنى: لا مُبْدِّلَ لَحُكْمِ كَلِماتِ اللَّهِ، ولا ناقِضَ لِما حَكَمَ بِهِ، وقَدْ حَكَمَ بِنَصْرِ أنْبِيائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةِ:٢١]

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعْنى النَّهْيِ، وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الإخْبارُ؛ فالمَعْنى: لا يُبَدِّلْنَّ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ:٢]

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِ كَلامِ اللَّهِ، وإنْ زَخْرَفَ واجْتَهَدَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صانَهُ بِرَصِينِ اللَّفْظِ، وقَوِيمِ الحُكْمِ، أنَّ يَخْتَلِطَ بِألْفاظِ أهْلِ الزَّيْغِ ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى فَنُصِرُوا. وقِيلَ إنَّ: "مِن" صِلَةٌ.

6:35Page 131

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

أحَدُهُما: عَنِ اسْتِماعِ القُرْآَنِ. والثّانِي: عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ .

فَأمّا "النَّفَقُ"، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّفَقُ في الأرْضِ: المَدْخَلُ، وهو السِّرْبُ. والسُّلَّمُ في السَّماءِ: المِصْعَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّفَقُ: الطَّرِيقُ النّافِذُ في الأرْضِ. والنّافِقاءُ، مَمْدُودٌ: أحَدُ جُحْرِهِ اليَرْبُوعُ يَخْرِقُهُ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جِلْدَةِ الأرْضِ، فَإذا بَلَغَ الجِلْدَةَ أرَقُها، حَتّى إنْ رابَهُ رَيْبٌ، دَفَعَ بِرَأْسِهِ ذَلِكَ المَكانَ وخَرَجَ ومِنهُ سُمِّيَ المُنافِقُ، لِأنَّهُ أبْطَنَ غَيْرَ ما أظْهَرَ، كالنّافِقاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ غَيْرُ بَيِّنٍ، وباطِنُهُ حَفْرٌ في الأرْضِ.

"والسُّلَّمُ" مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مِصْعَدِكَ. والمَعْنى: فَإنِ اسْتَطَعْتَ هَذا فافْعَلْ، "وَحَذَفَ" فافْعَلْ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّلَّمُ: السَّبَبُ والمُرْقاةُ، تَقُولُ: اتَّخَذَتْنِي سُلَّمًا لَحاجَتِكَ، أيْ: سَبَبًا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ قَوْلانِ

أحَدُهُما: بِآَيَةٍ قَدْ سَألُوكَ إيّاها: وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا نُزُولَ مَلِكٍ، ومِثْلُ آَياتِ الأنْبِياءِ، كَعَصا مُوسى، وناقَةِ صالِحٍ.

والثّانِي: بِآَيَةٍ هي أفْضَلُ مِن آَيَتِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٣٣)

أحَدُها: لَوْ شاءَ أنْ يُطَبِّعَهم عَلى الهُدى لَطَبَعَهم.

والثّانِي: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لَوْ شاءَ لَآَمَنُوا كُلُّهم فَأخْبَرَ إنَّما تَرَكُوا الإيمانَ بِمَشِيئَتِهِ، ونافِذِ قَضائِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَجْهَلُ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى.

والثّانِي: لا تَجْهَلُ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِكَ بَعْضُهم ويَكْفُرُ بَعْضُهم.

والثّالِثُ: لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا صَبْرَ لَهُ، لِأنَّ قِلَّةَ الصَّبْرِ مِن أخْلاقِ الجاهِلِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском